الكوفيد أمام امتحان جديد

بفتح مزيد من الفضاءات

بقلم احسن خلاص

عاد المجلس الأعلى للأمن ليصدر قرارات جديدة تدخل ضمن سياسة التعايش الجديدة مع انتشار الكوفيد التي تبنتها الدولة منذ شهر جوان الماضي وقد اقتصر تخفيف القيود على على دور العبادة والمنتزهات التي اعتبرتها السلطة من الضروريات العاجلة لكونها تولدت الحاجة بشأنها بالحاج شديد في المدة الأخيرة، وبالنظر إلى العديد من الدول عمدت إلى فتح الشواطئ ودور العبادة مع التشديد على الإجراءات الوقائية المعروفة.

غير أن المجلس الأعلى للأمن لفت الانتباه في البيان الذي أعلن فيه فتح المساجد والشواطئ والمنتزهات إلى أن إعادة النظر في هذه التدابير المرنة واردة إذا تفاقمت الإصابات بالفيروس وأن هذا الفتح الجزئي سيتم تحت إجراءات أمنية مشددة، وكأننا بالسلطة الأمنية وهي تحاول اختبار تدابير جديدة قبل الدخول الاجتماعي المقبل دون أن تقدم ضمانات على ديمومتها بالرغم من قرار الجزائر اقتناء كميات هامة من اللقاح المستجد ضد الفيروس. ذلك لأن البشرية تجد نفسها ولأول مرة أمام فيروس غريب الأطوار، يتشكل ويتلون ويتجدد ويغير تكتيكاته وكأنه فيروس عاقل مدرك لما يفعل. ومن هنا فإن خطورته غير مأمونة ناهيك عن الأحاديث القائمة بشأن موجات جديدة من الغزو الكوروني قد تأتي وهي موجات عاتية حسب بعض الخبراء.

والملاحظ أن التدابير التي اعتادت الجزائر على اتخاذهأ تستمد مرجعيتها من تجارب الدول الكبرى التي نال منها الفيروس نيلا عظيما فقدت شهدت الكثير من الدول فتح دور العبادة وعودة مكثفة إلى الشواطئ والمنتزهات في أوروبا. غير أن هذه العودة ما فتئت أن جرّت وراءها الويلات مع عودة الإصابات بقوة في أستراليا وإسبانيا وحتى ايطاليا وهي الوضعية التي اضطرت أستراليا مثلا لفرض الحجر على ولاية فيكتوريا التي شهدت مؤخرا انتشارا مفزعا للفيروس بين سكانها بعد أسابيع قليلة فقط من رفع القيود الصارمة من حجر تام أثمر تراجعا هاما في عدد الإصابات. وحذت اسبانيا حذو أستراليا إذ فرضت بدورها الحجر من جديد على 70 ألفا من ساكنة منطقة غليسيا في شمال غرب البلاد والشيء نفسه فرضته على منطقة كتالونيا بعد أسبوعين فقط من رفع القيود الصارمة على السكان، كما قررت جنوب افريقيا من جهتها إنهاء فترة الاسترخاء واستنقار القيود الصارمة من جديد في الوقت الذي يجري فيه التحذير في فرنسا وألمانيا من موجة ثانية للفيروس لن تقل ألما من الأولى.

يفرض الانتشار الرهيب للفيروس إذا تواصل التراجع الأوروبي عن المرونة التي أبدتها الدول تجاه الحريات العامة بدوافع سياسية وأخرى اقتصادية إذ سيعود للأطباء سلطانهم من جديد تماما كما كان في مارس وافريل الماضي. ولم تثن الأخبار المتداولة حول قرب صدور لقاح فعال ضد الفيروس هذه الدول عن التركيز على التدابير الوقائية كأحسن علاج. فهل يمكن للسلطة في الجزاىر ان تذهب بعيدا في رفع القيود الحجرية المفروضة منذ مارس مثل ما تشير إليه الخطوة التي أقدم عليها المجلس الأعلى للأمن أم أن الأمر لا يعدو مجرد اختبار ميداني لاستعداد السكان للامتثال لصرامة الوقاية الصحية؟

بإشارة السلطة إلى إمكانية إعادة النظر في هذه القرارات تكون قد فتحت هامشا لمتابعة تطور الأوضاع على الأرض وردود الفعل الأوروبية تجاه ما يمكن اعتباره موجة جديدة للفيروس من جهة وتتبع ما يمكن أن يسفر عنه اللقاح من نتائج إذ يبدو أن الأزمة لا يزال أمامها وقت طويل. وليس هناك ما يظهر علنا أن المجلس الأعلى للأمن قد استشار الهيئة الصحية أو وزارة الشؤون الدينية قبل اتخاذ هذا القرار فقد كان ليوسف بلمهدي وزير الشؤون الدينية أن أكد أن فتح المساجد غير ممكن قبل ذهاب الوباء وتساءل كيف يمكن فتح المساجد مع استفحال الجائحة وكان قد أغلق لما كانت الإصابات بحجم أقل في رد على الأصوات المنادية لفتحها منها صوت رئيس جبهة العدالة والتنمية عبد الله جاب الله.

ولا يمكن اعتبار قرار السلطة بالفتح التدريجي للمساجد استجابة لمطلب سياسي بقدر ما يمكن إدراجه في خانة الاختبار على الأرض لمدى تعايش السكان مع الفيروس لأخذ صورة أكثر دقة عن المقاربة الناجعة مع مطلع الدخول الاجتماعي الذي سيشهد موعد عودة التلاميذ إلى المدارس والطلبة إلى الجامعات وعودة نشاطات خدماتية لا تزال معطلة إلى اليوم إذ لابد أن تتخذ قرارات حاسمة لا مفر منها بعد أسابيع قليلة فقط بعد مرحلة تجريبية ميدانية تغني عن أي تخمينات متضاربة بشأن الحلول النظرية المطروحة إضافة إلى ما تقدمه المعطيات التي تأتي من بلدان أخرى إذ يمكن أن نتذكر في هذا المجال كيف خالف قرار المجلس الأعلى للأمن في مارس فتوى لوزارة الشؤون الدينية بالابقاء على المساجد مفتوحة مع التزام التدابير الوقائية فقرر غلق المساجد اقتداء بما قامت به بلدان إسلامية أخرى.

يبدو أن السلطة قد انتقلت من فكرة انتظر لترى إلى فكرة اختبر لترى إذ لا ينبئها مثل الواقع بالنظر إلى اختلاف تجارب الدول وثقافاتها وقدرتها على استيعاب الأزمة ومواجهتها ولو أن الإحصاءات الأخيرة تظهر أن العالم في مفترق الطرق بين الأمل في التغلب على الوباء أو الاستسلام له والتعايش معه كأمر واقع. وبين هذا وذاك فإن الحياة قد وجدت لتستمر.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك