القضاء المالي و محكمة المحاسبات

ما لم يرد في مسودة لعرابة

بقلم: الوليد فرج

 

ينقسم القضاء الجزائري إلى قضاء عادي ، يترافع أمامه المواطنون ، أو يكون المواطن أحد أطراف خصومة ، طرفها الآخر شخص من أشخاص القانون العام ، و قضاء إداري يختص بالنظر في القضايا التي تكون الإدارة طرفا فيها ، لا سيما قضايا التعويض أو تجاوز السلطة والتي يكون محورها قرار إداري مشروع . تستأنف قراراته أمام مجلس الدولة ، بينما تستأنف أحكام القضاء العادي أمام المجالس القضائية و يُطعن فيها بالنقض أمام المحكمة العليا.

تتفرع محاكم القضاء العادي إلى عدة اختصاصات ، يعتبر الاختصاص النوعي فيها من النظام العام ، ولا يوجد ضمن القضاء الجزائري ،  قضاء مالي مستقل على غرار القضاء التونسي .

إن تفاقم ما شهدته الجزائر ، من تراجع و انحطاط على جميع المستويات في عهد النظام السابق ، خاصة الأخلاقي ، ولد جرأة لم يعرفها المجتمع الجزائري في النهب و الاستيلاء الغير مشروع على المال العام ، بلغ مستويات هددت الدولة بالافلاس رغم الوسع والبسطة المالية التي عاشتها البلاد ، فبعد تمكن عصابة من المراهقين السياسيين ، تم فتح أبواب الخزينة العمومية على مصراعيها ، أمام عبث مرتزقة ، دون حسيب أو رقيب ، وما تم الكشف عنه من أرقام فلكية مهولة للمبالغ المنهوبة ، لم يصدقه عاقل .

إن حجم الجرائم المالية المقترفة ، من طرف جمعية الأشرار التي تمكنت من نهب ثروة الشعب ، تكشف على أن جسم الجرائم و المبالغ التي تم السطو عليها ،  لم تكن بدافع الاستثراء فحسب ، بل أن مخطط هذه المافيا كان يبحث دون شك عن خلق لوبيات مال سياسي ، يسيطر من خلالها على معايش الشعب ، و يخلق أثقالا سياسية جديدة و موازين قوة ، من خلال خلق طبقة ثرية تتحكم في معايش عموم الشعب ، يستغلها في السيطرة على دواليب الحكم ، وهذا ما يعكسه بروز أثرياء جدد ، انخرطوا في مؤسسات الدولة ، بل بلغوا إلى حد التأثير على القرار السياسي ، من خلال التعيين و العزل في أدنى هرم الإدارة إلى قمته . 

إن التركيم الأزموي ، الذي خلقته الجرائم المالية الكبرى، الذي خلق تآكل للأمل لدى الشعب الجزائري  بتضييعه فرصه النهوض التنموي بعد البحبوحة المالية التي شهدتها الجزائر ولم تشهدها مثلها من قبل ، وهو يشاهد بعضه البعض في طوابير طويلة تنتظر كيس حليب لأطفالها ، بينما مقدرات البلاد المالية تتقاسمها شرذمة قليلة ، خلقها النظام ، من أجل السطو على أموال الشعب و تفقيره ، كل هذه الجنايات لم تجد لها رادعا لا سياسيا ولا شعبيا ولا مؤسساتيا ، إلى غاية انفجار انتفاضة الشعب في الثاني و العشرين من شهر فبراير .  

لعل الدرس كان قاسيا بجميع عناصره و أطواره  و الأزمة كانت فادحة بكل أبعادها ، لذلك، حري على القائمين على الشأن العام أن يفكروا مرتين قبل أي خطوة يخطونها قد تحدد ومصير هذا الوطن .

إن الجريمة المالية المرتبطة بالمال العام ، بشتى أصنافها ، تعتبر من أخطر الجرائم ، لتهديدها لمقومات الاقتصاد ، و ما يعنيه في بعده الوطني و الشعبي ، لذا خصصت الدولة داخل الضبطية القضائية باعتبارها أول مراحل التحقيق (التحقيق الابتدائي) فرقا تحقيق تختص بالجرائم الاقتصادية و المالية ، غير هذه الفرق لا يوجد ما يقابلها في مؤسسة القضاء ، حيث بقيت القضايا المالية ضمن قضايا الحق العام . 

إن الجزائر اليوم بعدما عاشته من كوارث مالية على شتى الصعد ، بحاجة إلى قضاء مالي مستقل ، أكثر من أي وقت مضى ، بعد فشل مجلس المحاسبة ، و محدودية دوره ، فاليوم يجب أن تكون الرقابة و التحقيق و المحاسبة و الجزاء أمام جهة واحدة مستقلة إداريا و ماليا . 

القضاء المالي نظام ، اعتمدته الكثير من الدول ، و تعتبر تونس القريبة منا وضعا و موضعا ، احسن مثالا ، فلقد تبنت تونس نظام القضاء المالي وهذا ما نصت عليه المادة 117 من دستورها بقولها : يتكون القضاء المالي من محكمة المحاسبات بمختلف هيئاتها . تختص محكمة المحاسبات بمراقبة حسن التصرف في المال العام ، وفقا لمبادئ الشرعية والنجاعة و الشفافية و تقضي في حسابات المحاسبين العموميين ، و تقيم طرق التصرف و تزجر الأخطاء المتعلقة به ، و تساعد السلطة التشريعية و السلطة التنفيذية على رقابة تنفيذ قوانين المالية و غلق الميزانية . 

تعد محكمة المحاسبات تقريرا سنويا ، عاما تحيله إلى كل من رئيس الجمهورية و رئيس مجلس نواب الشعب و رئيس الحكومة و رئيس المجلس الأعلى للقضاء ، ويتم نشره . كما تعد محكمة المحاسبات عند الاقتضاء تقارير خصوصية يمكن نشرها .

إن استقلالية القضاء المالي ، من خلال استحداث محكمة المحاسبات ، وتوسيع صلاحياتها ، التي تتجاوز حماية المال العام ، و الرقابة الإدارية ، إلى مساعدة السلطة التشريعية و السلطة التنفيذية في تسيير الميزانية العام من خلال آراء ملزمة ، قد يكون أكبر ضمانة و أنجع وسيلة لشفافية تسيير المرفق العمومي في صرف الميزانيات ، كما أن تدقيق الاختصاص يزيد من تعميق الرقابة ، لتعلق رقابة النشاط المالي بأمور تقنية محاسبتية بحتة .

لعل الجزائر الآن بعد ما عاشته من تسيب و رهق في التسيير العمومي ، و ما خلقه من انخرام في الثقة بين الشعب و المسؤول ، فأول ما يجب أن يفكر فيه المؤسس الدستوري هو النص على كل ما من شأنه إعادة تجسير الهوة السحيقة أو ردمها ، ومنها محاكم المحاسبات.   

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك