القراءة بين ثلاثية (القرائية و القارئ و المقروء)

قل إعادة بعث وظيفة الكتاب

بقلم: الوليد فرج 

 

!رغم تحفظنا على سياسة ما يسمى (لجنة) ، لما يعتريها من (مشهدانية) في معالجة ما يوكل إليها، ففي الغالب نسمع خبر تنصيب لجنة تُكلف بمهمة ، و بعد أن تلتقط عدسات الكميرات لحظات التنصيب ، بعدها كأن هيئتها رجعت إلى كهفها.

سمّت وزيرة الثقافة بعض من مجموعتها  ،(لجنة إصلاح الكتاب) ، لا نعلم المهام التي أوكلت إليها ولا دورها ، ولا خطة عملها ؛ ومن خلال تسمية هذه اللجنة التي تدعو هي ذاتها إلى الإصلاح ، فأي الإصلاح يتطلبه كتاب ؟ والكتاب لا يمتلكه أحد وهو حكر على خلد و عقل من أنتجه ، وهو إبنه كما يحلو للبعض تسمية كتابه ، فهو الصحيفة التي تحتضن بين دفتيها خبرات و أفكار كاتبها ، و معلوماته سواء كانت من منقولة أو معقولة ، وهو من شاء بإرادته وضعها بين يدي القارئ ، فمن له سلطة تقدير قيمة فحوى الكتاب و الحكم على نجاعته المعرفية و فائدته العلمية ، غير قارئه . 

إن القول بـ(إصلاح الشيء) باعتبار إزالةٌ العطب عنه وإعادته إلى سيرته الأولى ، مستوجب لإبعاد ومنع الفساد عنه ، فأي كتاب تعني الوزارة ؟ و أي عطب لحق به ؟ وما الفساد الذي تريد الوزارة دفعه عن هذا الكتاب ؟  وما أهلية وقدرة هذه اللجنة  التي تصدت لهذه المعضلة الكبيرة العميقة عمق الاعتبار والعمق الذي تعكسه الكتب كأهم مؤشر يثار مدى ثقافة الأمة و نسبة معلوماتها ، و تطورها و حجم تحضّرها .

في واحدة من النشاطات الغير بعيدة للوزيرة ، يوم استقبلت سفير روسيا ، كتبنا يومها مقالا عنوناه بـ (بن دودة وابن هارون) ، نقدا لما رشح إلينا مما جرى في هذا اللقاء والذي لم نسمع أنه تناول مشروعا يتضمن التعاون الجزائري الروسي في ميدان الترجمة التي تعتبر دينامو مهم في نهضة أي أمة و حافزا حاسما في الاستفاقة الثقافية ، وقد يكون أحد روافد سياسة بعث الكتابة لما تحمله الترجمة من معارف و خبرات و ثقافات امم مختلفة ، وضربت المثل بالمأمون بن هارون الذي لم  تعرف الدولة الأموية بعظمتها نشاطا ثقافيا و فلسفيا و معرفيا مثلما عرفته في عهده جراء حركة الترجمة التي كانت عماد سياسته الثقافية . 

إن الإصلاح الذي أزمعت الوزيرة عليه ، إن كان يرتبط بالمُتعلق المادي لإنتاج الكتاب ، من تكاليف ورسوم جباية أو جمركة لمواد التصنيع ، من ورق و حبر و مستلزماته ، فهذا ملف يوكل لخبير تقني في الحسابات مختص في التحفيزات و مواطن الاعفاءات ، أما إذا كانت الوزيرة و لجنتها الموقرة يورمان إلى إعادة سن سياسة جديدة لتوجيه الدعم المالي للكتاب ، على قلة أو انعدام إنتاجه ،  فهذا يكفيه قانون من بضع أحكام ، يضبط معايير الاستفادة من هذا الصندوق أو ذاك ، فهذا يدخل في السياسة الثقافية للدولة وهذا ليس شأن هذه اللجنة . وأما الكتاب في ذاته ، فلا سلطة للوزيرة أو غيرها عليه .

إن الوضع الذي لن أبالغ بوصفه بالكارثي ، الذي آلت إليه حالتنا الثقافية ، تعكسه الأرقام الغير معلنة من وزارة الثقافة لعدد الكتب الجدية  المنشورة أو المترجمة ، شتى صنوفها و أنواعها فكان حري بالوزارة أن توصل الشعب أولا بحالة التأليف ومنتوج حركة الترجمة ، لنعرف جوهر العطب أولا و نحدد إحداثياته و نوصّف أسبابه (الكتاب أو المكتوب أو الكاتب)  ، ونصف سياسة علاجه ، فمن خلال ضبط جوهر العطب يمكن إعادة بعث وظيفة الكتاب ، التي تعتبر مهمة متشعبة متفرقة متعددة بين عدة قطاعات و عمليات و فاعلين ، تستوجب منهجا جامعا يضم المختصين في القراءة جميعا (القرائية و القارئ و المقروء) ، لنتمكن من الوقوف على أسباب انكماش و ضمور ثقافة القراءة و إحجام شبابنا عن القراءة ، وعدم حبهم لها ، هو أول الطرق لإنعاش الكتاب من غيبوبته ، وإعادة بعث مهمته الحضارية الإنسانية التي حملتها لحظة كتابة أول كتاب ، أما الجانب الاقتصادي التجاري للكتاب ، فذاك شأن التجار و الأسواق ، والتي حالها اليوم عندنا في كساد عظيم  

 تعكسه الأرقام والإحصائيات الكئيبة المستفزة المنتشرة في الواقع الثقافي المعيش. 

يبقى فقرنا الثقافي اليوم ، و انكماش القرائية حالة عارضة تشربت أسبابها من خريف السياسة ، الذي يعتبر حلوله عام على جميع أشجار غابة المجتمع و الدولة ، فيأتي على الأشجار الثقافية و الاقتصادية و الأخلاقية على حد تعبير الدكتور أحمد أمين . ولا يمكن تجاوز فصل هذا الخريف الذي أغشانا اصفراره ، إلا بإعادة معالجة تربة الثقافة و تحضير بذورها و لا نرى طريقا لذلك ، إلا إذا ترأس فعل الترجمة قائمة دعائم بعث القراءة ، فمهمة إعداد كتّاب منتجين للثقافة تتطلب أجيالا ، و الكتابة الفاعلة هم ذاتي ،  متى افتقده المجتمع فقد اطرادا مكانته الحضارية بين الأمم ، و ما أصدق مؤشر على تخلف العالم العربي مثل مؤشر نشر الكتاب و اقتنائه ، فالصورة المحزنة التي شكلتها أرقام تقرير التنمية البشرية العربية لسنة 2003 اذ تم نشر سنة 1996 في العالم العربي في 22 دولة منه سوى ألفين كتاب . ولم تتعدى مبيعات الكتب 500 نسخة في عالم عربي يتعدى تعداد سكانه 270 مليون نسمة ، ولن أضع أرقام للأمم حية لغرض المقارنة . فهول أرقامنا يكفينا.           

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك