القراءة التّفاعلية وبناء وجه جديد للنّص والفن

 “هو مشروع ثقافي نأملُ أن يكون له صدى على أرض الواقع؛ حيثُ يُعتبر  همزة وصل بين الكُّتاب الشّباب في الجزائر وبين  القُراء على إختلاف شرائحهم؛ لاكتِشاف وبناء جسر التّواصل بين  الهويّة الضّائعة في الأدب والفن والتلقّي” لأنّها تمثّل عمليّة معقّدة ومترابطة في آن واحد لإنتاج كائن جديد وكل هذه الأمشاج تتلاقح داخل خليّة واحدة هي ” اللّغة”، يقول “رامبو”: “مادامت كل لغة فكرة فسوف يأتي اليوم الذي تكون فيه اللغة عالمية تتحدّث من النّفس إلى النّفس، لغة لكل العصور والأصوات والألوان؛ لأنّها رابطة لكل الأفكار”.

   ولذلك نجد أنّه آن الأوان لتقوية تلك الرّابطة بين الكتابة والقراءة من أجل تطوير الفن، وإن كان الاشتغال على تطوير الشق الأول ( الكتابة) يجري على قدم وساق والدّليل هو ظهور فئة ابداعيّة شبابيّة راقية في وطننا العربي؛ وفي مقابل ذلك نلاحظ أنّ المقروئيّة في الوطن العربي تسير بوتيرة متباطئة ممّا يقتل روح الفن والإبداع؛ ذلك أن الكتابة هي التي تصنع الحضارة وتحرّكها ولا يمكن بأي شكل من الأشكال أن تتحرّك أمّة  لاتقرأ ما كتبت، يقول توفيق الحكيم : “إذا أبصرت شعاعا فاعلم أنّ وراءه كوكبا، وإذا رأيت أدبا فاعلم أنّ وراءه حضارة وما من خطر يهدّد الشعاع إلا انفجار الكوكب”.

     ونظرا لأهميّة الموضوع نجد أنّه آن الأوان لتفعيل حركة الأدب والنّزوح من بوتقة المكتوب إلى بؤرة المقروء لخدمة الفن على اختلاف أديانه؛ وفي هذا السّياق  نجد “علي سالم” وهو كاتب ومسرحي مصري؛ يرى أنّ  ” تقديم قراءات دراميّة بواسطة الهواة أو المُحترفين، تُثري الحركة الفنّيّة وتجذب إليها المزيد من الشُّبان، وتفتح أجنحة المجتمع على عوالم جديدة”.

 وفي سبيل هذا وجدنا أنّ كل عمليّة تلقّي ناجحة ( قراءة نموذجيّة) هي تمثّل إضافة لرصيد الفن الذي يقول عنه “توفيق الحكيم”

بأنّه ليس مجرّد حياة ولكنّه كائنات تخرج من رأس فنّان؛ هو بالأساس إنسان إما قارئ أو كاتب.

ولا بدّ أنّ حلقة الوصل بين كل هذا هو المعنى؛ لأنّ الأديب لا ينقل إلى قارئه صورة بل ينقل معنى، وهذا المعنى هو الذب يثير في رأس القارئ صورة.

ولهذا نجد أن الانفتاح على مفهوم الثّقافة يتطلّب بالضّرورة إتّحاد الكاتب والقارئ والفنّان؛ يقول ” عبد الكريم غلاّب” أنّ الثّقافة ليست مادة تشرب وتؤكل أو تحقن في وريد بحقنة أو توضع في دماغ بالإيحاء السحري أو تُبلغ بالحفظ والاستظهار كما تحفظ نصوص في المدرسة الإبتدائية، ولكنّها نتيجة جهد ومجاهدة واستنباط وأعمال فكر وقلب وضمير.

ولذلك وإيمانا منا بأنّ الرّسالة الأدبيّة تحتاج إلى انتشار واسع على المدى البعيد؛ كان لابد أن نحاول فتح آفاق جديدة لهذه الإبداعات عن طريق القراءة التّفاعليّة أو بالأصح مسرحة الأعمال الأدبيّة، و بالعودة إلى القرن الثّامن عشر  والبحث في دور النّص الأدبي في مسرحة النّصوص العالميّة التي لعبت دوراً هاما في بناء وعي جديد للحضارات المتقدمة حالياً.

 وفي ظل هذه الصّحوة الأدبية وعروض تحدي القراءة العربي كان يجدرُ بنا  التّفكير في ربط الفنون ببعضها البعض، إلى جانب ترسيخ فكرة قوامها أنّ القراءة فنٌ متجذّرٌ آن الأوان إلى صقله وتطوير مهاراته  وأهدافه .

وهنا نجد أنفسنا أمام تساؤلات أهّمها :

لماذا لا نملك على الأقل ملتقى للقراءة التّفاعليّة بالمسارح الجهويّة كهمزة وصل لتسويق الكُتب، وبناء تأويل مسرح جديد، إلى جانب  تكوين جيل جديد من  القُراء يبدعون في فن المحاكاة أو “المونو دراما”، أو حتّى فتح نافذة للأطفال وذوي الاحتياجات الخاصة للتّعبير عن شعورهم  مباشرة بعد قراءة كِتاب و إعطاء قراءة جديدة ثانيّة له، هي في نفس الوقت تمثّل كتابة جديدة للنّص وبهذا نضمن جيلا قارئا وكاتبا في الآن ذاته.

من جهة أخرى نجد أنّه على غرار العروض العالميّة التي يهتم بها القائمون على الثّقافة في كافّة أنحاء العالم الغربي عامّة والعربي بصفة خاصّة، حيثُ عَرفت مسرحيات كثيرة مثل “تاجر البندقية، هاملت، في انتظار غودو” والعديد من الأعمال المسرحيّة الهادفة عَرفت نهضةً  وتغطيةً مُمَنهجة  عبر مهرجانات جديدة لبِناء اُسس وبلورة مفاهيم  ساهمت  في تعبئة الفرد ثقافيا، حيث يقول “مايرخولد”: ” يستطيع المسرح أن يلعب دورا عظيما في مسألة إعادة بناء المجتمع”.

 وعلى غرار مشكلة التّسويق والتخبط الذي يلعبه الكتاب في الجزائر وانخفاض نسبة  المقروئيّة كان لابد من أن نحاول ربط واقع القراءة مع الكتابة على ركح المسرح؛ أين تكون هناك نماذج حيّة عبر الرّكح لتجسيد عمليّة القراءة بل وأكثر من ذلك العمل على توجيهها من خلال مسابقات هادفة ومؤطّرة ومدروسة.

 حيثُ يعمد مشروع القراءة التفاعلية إلى وضع مراجعات أدبية في شكل تجريبي جديد عن طريق قراءة إخراجية على الركح سواء عن طريق الإلقاء أو استخدام التّكنولوجيا أو المسرحيّات الصّامتة، وحتى المحاكاة من رحم الكُتب، وكون الفكرة هي بناء جديد من رحم النهضة الثقافية السّابقة، ونهضة لابد منها في عصر ما بعد الحداثة، كتصوير ذائقة الفرد بعد القراءة ومحاولة التفاعل معها لإخراج و اكتشاف المواهب الفنية وتقليد الشّخصيات،  وحتّى التّمكن من ضمات إلقاء يعطي حلول للمناهج التربويّة في التّخلص من عقدة التلهيج الثقافي، وبث روح جديدة في هوية الفرد المتنازعة. 

ويستند هذا العرض أو بالأحرى المشروع الثقافي على إقامة منافسة بين نوادي القراءة في شكل فردي أو جماعي لمدة معيّنة، حيثُ يكون التّصويت لأفضل عرض في وجود الجمهور على المسرح و لجنة التحكيم المتكونة من نُقاد وأهل التّخصص لدراسة مختلف الإخراجات والتغيّرات السّيمائيّة والنقديّة.

وأيضا على العمل على  إشراك أبطال تحدي القراءة العربي وحتّى أساتذة في تخصص  اللّسانيات وممثلين ومخرجين مسرحيين بالإضافة إلى ذلك  الاستفادة من ذوق الجمهور في عمليّة التأثر والتأثير، لمراقبة سيرورة التّلقي في الوطن العربي.

وهي بهذا تمثّل أيضا  نافذة ثقافيّة يسعى من خلالها المشروع للتّعريف بالمؤلّفات الجديدة على لسان القُراء من فئات مختلفة، والتّخلص من العديد من الأزمات النفسية والأخلاقيّة والاجتماعيّة التي تساعد في نهضة الفرد من خلال توسيع دائرة العروض كمشروع وطني أو كحفل ثقافي يجمع أجناس وأفراد وفاعلين في شكل ثقافي، يوثّق أسس وأخلاق وصورة جديدة لعلاقة القراءة والكتابة والمسرح… 

 وفي هذا السّياق أيضا نجد أنّ ربط الفنون والخروج من دائرة كلاسيكية مغلّفة  إلى عصر ما بعد الحداثة، هو شيء واجب كقانون رياضي لمحاولة إخراج شخصيّات جديدة عربيّة داخل النّصوص تستحق أن تكون حاضرة بسلوكها الإنساني.

 حتّى أن الإهتمام بالقارئ ووضعه في مكانته الأصليّة  واكتشاف لغة الفن داخله وتأويل نصوص الكُتاب وحتّى كشف مدى التّمكن عندهم سوف يساعد لبناء رؤية تصويريّة فنيّة جديدة.

 وكل هذا يقودنا إلى اتساع وتعدّد زوايا الرؤي والتطرّق إلى أفكار وموضوعات تساهم في عود الرّوح إلى جسد النّص، هذا من جهة.

ومن جهة أخرى هو محاولة جادّة  للخروج بالطّفل والنّاشئ والشيخ والشاب من مرحلة اكتشاف النّصوص إلى مرحلة  إعطائها وجه جديد على خشبة المسرح.

   والمشروع في هذا المقام يُعتبر إنجاز واحتفاء وتفعيل يُساهم في بناء ثقافة وهويّة الفرد والتّخلص من المكبوت، والصّعود أمام الجمهور يُعطي دافعا للتخلص من العديد من الأزمات والأمراض والمشاكل و والمعضلات من خلال الثّقافة وبالضبط من خلال مشروع القراءة التّفاعلية والأدب الشّبابي، الذي يعيد الرّوح إلى النّص، والثّقة إلى القارئ والتّوهُّج  إلى المسرح والفن “ثلاثة عصافير بحجر واحد”

   إنّ الحاجة إلى ضرورة صِناعة ثقافة كِتاب يحتاج إلى عرض إبداعي يتماشى مع ماهو موجود، وإن المفاهيم والقيّم في الكتب تتبسط من خلال مسرحة التُّراث والمعرفة والقِصص والحكايا التي تساعد في بناء أشكال الهويّة عند الفرد، وُصولا إلى الأهم وهو التّحليل؛ ذلك أنّ  نوايا الكاتب لا تتغير وحدها، لأنّ قراءة التّحليل والإنتاج وطريقة استقبال النّصوص، كل ذلك أيضا يتغيّر، وإدراك ذلك يسمح لنا بتطوير مفهوم التّلقي  فالمهم وهو المعنى المتغير، والذي يتغير من الكاتب إلى  القارئ ومن المخرج إلى الممثل ومن الممثل إلى جمهور العرض، كل هذا عن طريق مشروع القراءة التفاعليّة التّي تساهم في حركة دائريّة في تفعيل حركتي السّرد والفن قبل نُضوبهما؛ وهي بذلك تحافظ على رابط الحبر بين ثلاثتهم ؛ يقول توفيق الحكيم : “إنّ الأدب بغير فن رسول بغير جواد في رحلة الخلود.. والفن بغير أدب مطيّة سائبة بغير حمل ولا هدف.

بقلم: أ.سعيد فتاحين.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك