القديم والجديد في حكومة عبد المجيد

بقلم الاعلامي /احسن خلاص 

عكس ما دأبت عليه السلطة لسنوات عديدة، قررت رئاسة الجمهورية تغيير طريقة الإعلان عن الحكومة الجديدة، فقد خرج الوزير المستشار لدى الرئيس تبون محمد السعيد بلعيد إلى الرأي العام وهو يتلو عليه قائمة الحكومة الجديدة كالقرآن قبل أن يترك أمر شرحها للمفسرين والمحللين.

ومادام الاجتهاد متاحا نسبيا لتقديم قراءة متأنية في قائمة الحكومة الجديدة، فإننا سنجتهد في هذا المقام لتقديم فحص بعيد عن ما تحتويه الساحة السياسية من تشنجات وتجاذبات يغذيها سياق الحراك الشعبي منذ فبراير الماضي.

تساؤلات عدة وكثيرة تتبادر إلى الأذهان بشأن هذه الحكومة. وقد نضطر هذه المرة للاكتفاء بطرح بعضها وقد نؤجل طرح بعضها الآخر إلى وقت لاحق لكي لا نقع في فخ الأحكام المسبقة. ومن بين هذه التساؤلات: ما طبيعة هذه الحكومة وماهي المقاربة السياسية التي تقف وراء تشكيلها على هذا النحو؟ يضاف إليها سؤال آخر لا يقل أهمية وهو: ما هي حدود بين النزعة المحافظة والنزعة التجديدية في هذه الحكومة؟

 

هيكلة قديمة جديدة

يقدم لنا الإحصاء العددي البسيط حكومة تتشكل من 39 حقيبة منها 27 وزارة قائمة و 7 وزارات منتدبة و 4 كتابات دولة، غير أن الاقتراب أكثر من تركيبتها يساعدنا على تقليص هذا العدد إلى ما يقرب من نصفه بالنظر إلى أن عددا لا يستهان به منها إنما هي ملحقات بالوزارات القائمة أكثر مما هي وزارات مستقلة بنفسها ولو أن البيان الرئاسي سكت عن طبيعة إلحاق هذه الحقائب وما إذا كانت منتدبة لدى الوزير الأول أم لدى الوزارات القائمة، لكن المؤكد أن هذه الحقائب الملحقة ستلزم الحكومة باستحداث هياكل وتهيئة مقرات ومكاتب جديدة وتعبئة أو تحويل موارد بشرية، وقد يستغرق أمر استقرار الهياكل الحكومية الجديدة وقتا ينعكس سلبا على أدائها العادي.

وبعيدا عن النظرة الإحصائية، فإن الهيكلة الحكومية لم تعرف تغييرا عميقا، فقد احتفظت الحكومة الحالية بتسميات للوزارات موروثة منذ أكثر من 30 سنة وبعضها بقي على التسميات ذاتها الموروثة عن عهد الرئيس بوتفليقة الذي لم يفرج عن حكومته الأولى عام 1999 إلا بعد مرور  7 أشهر. ويبدو أن تبون، بالنظر إلى الطابع الاستعجالي للظرف الحالي وجد نفسه أميل إلى مبدأ تغيير السياسات دون المساس بالأطر التقليدية قبل الإقدام على التغييرات السياسية والدستورية الكبرى التي وعد بها أثناء حملته الانتخابية.

 

الأبعاد السياسية

أشرنا سابقا إلى أن الرئيس الجديد عبد المجيد تبون فضل اعتماد أسلوب مغاير في تعيين الحكومة. إلا أن هذا التغيير الشكلي، وإن كان يبدو بسيطا، إلا أنه يحيلنا إلى قراءات سياسية ذات أهمية توحي بالهندسة الجديدة للعلاقة بين السلطات التنفيذية، وفق المنظور الذي سيقترحه ضمن التعديلات الدستورية المقبلة. فقد عين الوزير الأول وكلفه بتشكيل الحكومة قبل أن يعلن عنها الوزير المستشار لدى الرئيس. ويقدم لنا هذا المشهد الهجين نظرة عن التردد بين الرغبة في التغيير، من الناحية البروتوكولية على الأقل، وبين ما يقتضيه الدستور الحالي الذي يركز كل السلطات في يد رئيس الجمهورية.

وثمة ملاحظة أخرى جديرة بالاهتمام، فقد اختلط الأمر على الرأي العام بين ما إذا كانت الحكومة حكومة جراد أم حكومة تبون. ويغذي هذا الالتباس أن الرئاسة والحكومة يحظى كل منهما بناطق رسمي مستقل عن الآخر وهو ما يوحي أننا أمام هيئتين مختلفتين عكس ما كان عليه الأمر في عهد بوتفليقة فهل هناك نزوع ضمني نحو تقليص صلاحيات رئيس الجمهورية لصالح الوزير الأول حتى قبل التعديل الدستوري المقبل؟ الممارسة والأفعال القادمة هي التي ستؤكد أو تنفي هذه الفرضية.

وينظر إلى هذه الحكومة، أيضا، على أنها حكومة “كفاءات” وقد أعلن الوزير الأول الجديد عن لونها مسبقا يوم تعيينه الذي لم تبلغنا الرئاسة ما إذا كان عن سابق استشارة للأغلبية البرلمانية أم أن تبون استبعد ذلك كونها أحزاب هذه الأغلبية تراجع تمثيلها الانتخابي بعد أن تحصل مرشحها عز الدين ميهوبي على المرتبة الرابعة في الاستحقاق الرئاسي الماضي.

ويبدو أنها مسخرة لتجسيد خطة حكومية أعدها الرئيس الجديد منذ مدة، وهو ما يدل عليه التركيز على قطاعات معينة طرحت كأولوية قصوى في برنامج تبون الانتخابي وهي القطاعات التي ارتأى أن يعززها بالوزارات المنتدبة وكتابات الدولة لتتكفل بها على وجه الخصوص على غرار المؤسسات الناشئة والفلاحة الجبلية والتجارة الخارجية والحاضنات والصناعة الصيدلانية والسينمائية والإنتاج الثقافي ورياضة النخبة والبيئة الصحراوية وغيرها.

وتظهر هذه التركيبة الجديدة القديمة أن الحكومة لن تتولى الشأن السياسي بالدرجة الأول، بل ستكتفي بتسيير الشؤون العامة والتنموية وتترك الأمر لمؤسسة الرئاسة لتنطلق في الآجال القريبة المقبلة في استشارة واسعة وعامة ضمن ورشة تعديل الدستور والقوانين المسيرة للحياة السياسية لاسيما قانوني الأحزاب والانتخابات قبل الدعوة إلى استفتاء شعبي تعقبه انتخابات تشريعية خلال الخريف القادم على أقصى تقدير.

وتدل الاستحقاقات السياسية التي تحدثنا عنها على أن هذه الحكومة، بالرغم من هذا التجنيد العددي الهائل، تبقى “حكومة مؤقتة” في انتظار المشهد السياسي الذي ستفرزه الانتخابات البرلمانية القادمة وقبلها التعديلات الدستورية التي يعد عبد المجيد تبون أنها ستكون هامة وتمس توازن السلطات وتخضع لاستفتاء شعبي.

ولن نختم هذه الأسطر دون الإشارة إلى أن الحكومة صار لها أمين عام جديد بعد عقود من الزمن سيطر على المنصب أحمد النوي الذي رافق أكثر من عشر حكومات وأنها خالية من منصب نائب وزير الدفاع.

سنعود إلى تحليل التركيبة البشرية للحكومة في فرصة مقبلة.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك