الفلسطينيون.. واضمحلال الخيارات

المبادرة

بقلم: صالح عوض

 فيما تحاول الصهيونية العالمية إغلاق الملف الفلسطيني، وفتح ملفات التوغل في المنطقة العربية رسميا، وبناء ارتكازات علنية للمشروع الصهيوني في عواصم عربية وذلك للانطلاق للمرحلة الثانية من المشروع تثار الأسئلة الوجودية من جديد، حيث يعاني الكيان الصهيوني من أزمات داخلية خانقة تبعثر تفكيره حول الصيغة التي ينبغي تبنيها في إغلاق الملف الفلسطيني، بما يحقق أمنا استراتيجيا للكيان الصهيوني، ويقف الفلسطينيون فيها أمام خيارات محدودة بعد أن تبخرت كثير من الأوهام التي لا تتمثل فقط في أفكار أو ممارسات سياسية، إنما في وهم بناء أوضاع ومؤسسات في ظل الاحتلال وتسلح بقرارات دولية لا تحميها قوة فعل فلسطينية.. فماذا يملك الفلسطينيون عمله في ظل ضغط اللحظة الراهنة الثقيلة؟

الفلسطينيون والتسوية:

بلاشك كانت فكرة قاتلة تلك التي صوّغت التسوية السياسية التي تبنتها القيادة الفلسطينية وتم بموجبها توقيع اتفاقيات تشمل وقف العمل المقاوم والدخول في تنسيق أمني وتفاهمات سياسية واقتصادية قبل أن يحقق الفلسطينيون استقلالهم وحريتهم، أو يتم إقرار اتفاقيات رسمية معلنة محددة واضحة تمنح الفلسطينيين فورا حق تقرير المصير على أرضه وتبت في ملفاته الجوهرية.. والأسوأ أن يتجه الرسميون الفلسطينيون إلى الاعتراف بشرعية وجود دولة إسرائيل على 80 بالمائة من أرض فلسطين أي أكثر مما قد تقرر في الأمم المتحدة وفق قرار التقسيم، ولم ينل الفلسطينيون إلا اعترافا بمنظمة التحرير ممثلا للشعب الفلسطيني.. بمعنى أن الساسة الفلسطينيين أعطوا الكيان الصهيوني كل ما يريد فيما هم لم يأخذوا إلا ورقة فيها من الأوهام أكثر بكثير من الحقائق.

نقلت هذه الفكرة المميتة النضال الفلسطيني من النضال ضد الهزيمة إلى التفاوض على أرض الهزيمة بعد أن تسلل للبعض الإحساس بالإحباط جراء ما لحق بالوطن العربي من انهيارات و ما لحق بالمقاومة الفلسطينية من مؤامرات في أكثر من مكان.. فوجدوا في بناء مؤسسات السلطة وعلى رأسها أجهزة أمنية لحماية خيار التسوية معوضا عن الضغوط الإقليمية بعد حرب الخليج الثانية، ولكنها كانت مؤسسات على حساب خيار المقاومة المشروعة الأمر الذي دفع بالمجتمع الفلسطيني والعقل الفلسطيني الى الشرخ والدخول في التيه، مؤسسات على كف عفريت فرغتها القوات الصهيونية من محتواها بعد ست سنوات عندما انطلقت الانتفاضة الثانية، انتهت بمحاصرة الرئيس الفلسطيني الذي وقع على اتفاقيات التسوية وتم قتله مسموما في مكتبه برام الله بعد ان اقتحمت القوات الصهيونية كل المدن التي سبق ان انسحبت منها.

كانت اتفاقيات أوسلو -التي أنجزت على عجل- هلامية فارغة من أي قيمة حقيقية رغم كل ما حاوله الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات من تقديم تفسير فلسطيني للاتفاق على اعتبار انه مرحلي نحو دولة فلسطينية وعاصمتها القدس وعودة اللاجئين.. إلا أن الصهاينة والأمريكان نفذوا تفسيرهم بعد أن أفرغوا السلطة من أي مضامين السلطة، بفرض الحصار على المدن بمئات الحواجز وتقطيع أوصال الضفة وانطلاق مشاريع الاستيطان الجنونية في الضفة والتهويد المتصاعد للقدس والمسجد الأقصى وحروب ثلاثة عنيفة ضد غزة وحصار لايزال مستمرا بأشكال متعددة.. وكان من المفترض أن تنتهي الاتفاقية بعد خمس سنوات بحلول للقضايا الجوهرية اللاجئين والحدود والقدس إلا أن السنوات الممنوحة للاتفاقية انقضت دون التوصل الى الانتهاء من أي منها.. كان من المفترض أن يتوقف الفلسطينيون عن مواصلة المسير في درب يأخذهم بعيدا عن طريق النضال والأهداف وبدل أن يتوقف مسلسل العبث ذهبت الأحزاب الفلسطينية بتناقضاتها لتكريس المؤقت وجعله مؤبدا ومده بعمر جديد بانتخاب مجلس تشريعي تحت ظلال الاحتلال وانشغلت الأحزاب الفلسطينية بسلطة تحت الاحتلال كانت بمثابة التضخم داخل القنينة بحيث تكون محاولة الخروج تساوي حالة الانتحار..

فشلت التسوية.. وأعلن رئيس السلطة أن كل ما تم من قبل الحكومات الإسرائيلية كان بمثابة تسويفات ومفاوضات من أجل المفاوضات العبثية وان تكلفة الاحتلال الإسرائيلي اقل من تكلفة أي احتلال وان السلطة أصبحت بلا سلطة.. وأكد الرئيس الفلسطيني ان إسرائيل لا تريد سلاما ولا تسوية وان الأمريكان ضحكوا علينا.. وحتى تكتمل الصورة جاء انقلاب حماس في غزة ومحاولاتها الاستفراد بالسلطة مما أرهق الوجدان الفلسطيني وكرس الانفصال السياسي والجغرافي بين الضفة الغربية وقطاع غزة انفصالا وجد من يرعاه في قيادة السلطة وقيادة حماس لتحقيق مصالح شخصية وفئوية، ولم يلتفت قادة المشهد السياسي إلى ان كل ما يحصل إنما هو بتوجيه من خلف ستار لإغراق الفلسطينيين في صراعات داخلية تغطي على القضية الجوهرية وتحرر إسرائيل من التزامات الاتفاقيات الموقعة.. انتهت الجولة بتحرك أمريكي متشعب ومتعدد الوسائل لفرض صفقة القرن ونفذت الإدارة الأمريكية خطوات كبيرة منها وكان آخرها وأهمها الاتفاقية الإماراتية الإسرائيلية كعمل تشاركي تخادمي في الإقليم لتحطيم العواصم العربية وإسقاط ما تبقى من صمود فيها..

 المصالحة والانتخابات:

في حين تبدو المصالحة على الصعيد الأخلاقي والعملي أمرا محمودا إلا أنها تدخل المناقشات على أرض أخرى غير تلك التي يجب ان تكون عليها.. فالمصالحة بين فصيلين فلسطينيين من المفترض أن تتم على أرضية توحيد خطة الكفاح وتكامل أدوات النضال لاسيما بعد فشل العملية السياسية وتغوّل الاستيطان و تجاوز الفلسطينيين في العمل السياسي الإقليمي وخيبات الأمل التي مني بها الفلسطينيون من العرب، إلا أن المصالحة تجد مخرجاتها الفورية في تكريس المؤقت والإمعان في التفكير بالوسائل والإمكانيات تحت سلطة الاحتلال.. فكل كلامهم عن المصالحة يجري على أرضية مصالح للحزبين وهنا نلاحظ استمرار التيه في العقل السياسي فلقد سبق لهم ان تفاهما واتفقا واقسما أغلظ الأيمان عند الكعبة المشرفة وبعدها بأيام تذابحا واحتربا وقتلا مئات الفلسطينيين وقطعوا أرجل الشباب وقسموا القلب الفلسطيني والكيان السياسي الفلسطيني وأرهق الشعب الفلسطيني بسبب فعلهم في همته ورزقه وحياته بكل مناشطها.. إنها محاصصة بين قبائل سياسية وليس على أرضية التضحية بالمصالح من اجل القضية الأمر الذي يجعل من الصعوبة تخيل حدوثها.

من الواضح أن الحزبين الكبيرين يرفعان الشعارات السياسية نفسها الآن بحيث أصبحت المفاوضات مع العدو مشرعة في نهجيهما والمطالبة بدولة فلسطينية على حدود 1967 هدفا سياسيا مشتركا.. فلم يعد بينهما خلاف سياسي.

ولكن المصالحة تواجه تحديات داخلية وإقليمية فحركة حماس لم تعط إجابة واضحة تامة بالموافقة على ما تم عليه مرجئة ذلك لمناقشات داخلية من الصعب أن تنتهي إلى موقف محدد واضح نظرا لاقتراب الانتخابات الداخلية في حركة حماس والتي ستفضي إلى قيادة جديدة حيث  سيتنافس هنيّة مع آخرين وسيكون الموقف من مخرجات المفاوضات محسوبا بدقة لاسيما ولعسكر حماس موقف محدد صلب سيكون مؤثرا في الانتخابات، أما الحسابات الإقليمية فمن المعروف ان الملف الفلسطيني قد سلم تماما للمخابرات المصرية التي رعت الحوار الداخلي الفلسطيني والتفاوض بين حماس والمخابرات الإسرائيلية.. وهكذا سيكون من غير السهل تمرير المصالحة بعيدا عن مصر لاسيما ان كانت جلساتها قد تمت في تركيا التي تعتبر عدوا من وجهة نظر السلطات المصرية فقطاع غزة هو الحديقة الخلفية لمصر وتتمتع بأهمية كبيرة بالنسبة للأمن القومي المصري.. وهنا سيكون تعقيد جديد أمام المصالحة بين الفصيلين، أما موضوع الانتخابات فسيواجه تحديا كبيرا يجعله فكرة أبعد ما تكون عن الواقع.

الموقف الصهيوني:

صحيح أن الكيان الصهيوني رغم كل البهرجة والتهريج المصاحب لاحتفائه بالمطبعين العرب يعيش أزمة داخلية عميقة تكمن في التمزق الاجتماعي والضياع السياسي على مستوى الخط الاستراتيجي للكيان فهناك عشرات الدراسات الصهيونية التي تقرع جرس الإنذار من مستقبل قريب لن تجد قيادة الكيان الصهيوني فيه إجابات عما يتراكم من أزمات.. ولكن أيضا من الواضح ان السلطة الفلسطينية تعيش مرحلة هي الأصعب بعد أن أصبح رفضها لصفقة القرن سببا في وقف المساعدات الأمريكية عنها بل وتمنع الدول العربية عن دفع التزاماتها المالية للسلطة وتوقف وصول أموال مقاصة الضرائب لميزانية السلطة.. 

ويرى الإسرائيليون ان الرئيس الفلسطيني يلعب بالنار وهو يتحدث عن المصالحة والانتخابات فلئن تعذر عليهم منع المفاوضات بين الحزبين وتوصلهما الى اتفاقات وتفاهمات، الا ان الحكومة الصهيونية ترى أن سحب ملف الوساطة بين حماس وفتح من بين يدي المخابرات المصرية له تداعيات على إسرائيل أيضا، حماس استبعدت مصر وليس واضحا كيف سيؤثر هذا على الجهود المصرية الهادفة الى الوصول إلى التهدئة والوساطة في موضوع صفقة تبادل أسرى جديدة بين حماس وإسرائيل. أما ملف الانتخابات فأنهم سيمنعون أي انتخابات قادمة قد تشرك منظمتا حماس والجهاد في مؤسسات السلطة عن طريق الانتخابات فهما منظمتان في الاعتبار الصهيوني والأمريكي إرهابيتان، وسترتفع أصوات الإسرائيليين بان خطوة الرئيس الفلسطيني تعتبر خرقا لاتفاق أوسلو هذه الاتفاقيات التي لا يسمح للمنظمات الإرهابية المشاركة في الانتخابات، رغم أن الحكومة الإسرائيلية خرجت عن هذه الاتفاقات مرة واحدة عندما سمحت لحماس بالمشاركة فيها عام 2006 تحت ضغط الرئيس بوش الابن لغرض إدخالها في الالتزام بمخرجات اتفاق أوسلو في كل التفصيلات لاسيما الأمنية وحيث كان بحاجة لسمعته السياسة بعد جرائمه في العراق.

الانتخابات ستكون مرفوضة صهيونيا تماما ان تم إشراك حماس فيها وقد تقدم سلطات الاحتلال على سلوك من شأنه إرباك المشهد كما فعلت سابقا باعتقال أعضاء التشريعي من حركة حماس وعطلت بذلك المجلس التشريعي طيلة السنوات الطويلة ولن تقبل بإشراك حماس إلا بعد الحصول على موقف رسمي من حماس بالتخلي عن العمل المسلح على الأقل.. ثم إنه من المستبعد أن يسمح الكيان الصهيوني بإجراء الانتخابات في شرقي القدس. 

ومهما حاول الساسة الفلسطينيون فسيكون صعبا الالتفاف على المنع الصهيوني رغم ما يبدو من تصريحات الناطقين الرسميين الفلسطينيين بان فتح وحماس تدرسان سبل تجاوز الموقف الإسرائيلي وإجراء الانتخابات في حال عدم موافقتها، وهذا يعني التصادم العملي مع الإدارة الصهيونية التي تكون سحبت الفعل الفلسطيني إلى مخرجات ونتائج بعيدا عن الجوهر.. وسيكون اللعب السياسي كله في ساحة يشرف عليها العدو ولن يجد الفلسطينيون نصيرا لهم وضامنا بعد أن أدارت لهم الإدارة الأمريكية ظهرها ووجهت أصدقاءها في الإقليم بالنأي عن دعم السلطة الفلسطينية.

الرد الفلسطيني:

صحيح أن الفعل الفلسطيني متواضع الإمكانات حاليا لاسيما بعد أن فقد الفلسطينيون الإجماع العربي وصحيح ان الهجوم الأمريكي على الفلسطينيين لم يبلغ صلفا كما هو الآن إلا انه من الواضح أيضا امتلاك الفلسطينيين لأخطر سلاح ألا وهو حصرية ملك قرار السلم والاعتراف والتسوية وأنهم من يمتلك القدرة على استئناف المقاومة بكل أشكالها المشروعة.. وهذا حجر الارتكاز في الموقف الفلسطيني وهو معطى حقيقي لكنه يصبح محدود الفعالية في ظل طغيان الواقع وانغلاق الساحة العربية.

 فهل معقول أن يظل الشعب الفلسطيني بنخبه الطلابية والعمالية والثقافية ساكتا على كل ما هو قائم؟ إضرابات الطلاب وانتفاضاتهم في الجامعات والمدارس وهم من قدم أروع نماذج الانتفاضات الشبابية ..؟ وهذا سلم النجاة للأحزاب الفلسطينية التي ستجد نفسها أمام خيارات محددة إما أن تطلق العنان لأبنائها يطورون أدوات المقاومة الشعبية أو أن تنشغل كما هو قائم الآن في ضبط حركة الشباب والتضييق عليهم بوسائل عنفية كما هو حاصل في الضفة وغزة من قبل أجهزة السلطة وحماس الأمنية. 

فمن غير المنطقي أن يظل الوضع الفلسطيني مشلولا كما هو الآن.. موزعا على سلطة عاجزة و مقاومة مجمدة محاصرة وطامحين للسلطة يبيعون شرف فلسطين لأبناء زايد.. ان الوضع السياسي الفلسطيني لا يؤهل لتحقيق أهداف وطنية، ومن غير المنطقي والمعقول أن يظل الشعب الفلسطيني “15 مليون” رهينة للفوضى ولسلطة أفقدته روح المبادرة أو أحزاب مزقته وأرهقت أعصابه.. شعب يواجه تحديات متعددة داخل فلسطين وخارجها سيجد بلاشك من خلال طلائعه وثواره طريقه نحو فرض وقائع جديدة.

شعب فلسطين المبارك يكتنز الوعي والإيمان والصبر، ولقد أعطى الفرصة كاملة لجميع القوى السياسية، ولقد كان دوما متقدما على أحزابه في ثباته و عطائه، ولم يدخل يقينه شك بحقه كاملا في كل فلسطين.. ويدرك الفلسطينيون أنه لم يكن لحكام الخليج ان يتجرؤوا على القضية الفلسطينية إلا لضعف الأداء الفلسطيني الرسمي والفصائلي.

ويدرك الفلسطينيون أنه قبل التصدي للخونة من حكام العرب يجب أن يحقق الشعب الفلسطيني عناوين القوة الأساسية على رأسها قيادة ثورية حكيمة رشيدة جامعة بمناقبها تخرج القضية من العبث واللهو وتفعل القوى الفلسطينية في كل أماكن تواجدها في مواجهة حقيقية وفاعلة مطالبة بالحق الكريم.. وحينئذ سيعد أولاد زايد وسواهم للمرة المليون قبل أن يبتسموا في وجوه أعداء الأمة فضلا عن العمل المنهجي لشيطنة فلسطين والفلسطينيين ومشاركة العدو مباشرة في تسريب أملاك المقدسيين إلى الصهاينة، وهكذا سيخرج الفلسطينيون من دور المتلقي الى دور الفاعل الذي تحتاجه الأمة لتصويب نضال أحرارها وتحشيد الطاقات نحو مواجهة تحديات كبرى والله غالب على أمره.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك