الفلسطينيون بين الجوع والانقسام و الاحتلال

مراوحة

بقلم: صالح عوض

عندما يندفع شعب إلى نيل حقوقه يقدم أبناءه وأمنه وإمكاناته فداء حريته واستقلاله وهكذا تجلى الشعب الفلسطيني وهو إذ ذاك لن يقبل أن يفرض عليه حل خارج طموح كفاحه وسياقه، وهنا يتدخل كل الآخرين لتشتيته وإغراء بعضه ببعضه لتفتيت بقية روحه و إنهاء حضوره في مسرح الحياة.. لكن دوما كان الشعب الفلسطيني مفاجئا قويا عبقريا أعظم من كل قياداته وأحزابه و كلما ظن الأعداء انه تعب انبعث كالعنقاء من تحت الرماد بموجة ثورية أشد عزيمة وأقوي ساعدا وأعمق إيمانا. 

مقامرة أوسلو:

لقد كان “أوسلو” في تاريخ الشعب الفلسطيني محاولة “حالمة”عبثية ومقامرة خطرة حاول الأعداء من خلالها أن تودي بقوة الدفع الثوري الفلسطيني، عملية خطيرة لم تكن الحسابات السياسية دقيقة فيها وفي ظروف قاسية تماما خضع الفلسطينيون فيها إلى مؤامرة كبيرة من قبل دهاقنة الصهيونية والاستعمار فلقد أدخلت الشعب في نفق مظلم كئيب، وعندما اكتشف زعيم فلسطين أن لا ضوء في نهايته وأنها الخديعة تريد ان يصبح المؤقت دائما، حاول الخروج من اشتراطاته فدفع بثورة الأقصى بكل ما يستطيع لتمزيقه وذهب شهيدا للمحاولة الفدائية بعد أن حاصره النظام العربي وأصحاب منطق المفاوضات والتسوية في الساحة الفلسطينية.. دخل الفلسطينيون التيه المر الذي تكرس بمقامرة جديدة أخطر.. إنه الانقسام بعد الانقلاب بحجج واهية.. لتولد في هذا المناخ كل الأمراض من جوع وانهيار معنوي وضياع سياسي.. ولكن حتما لن يكون هذا قدر الفلسطينيين بعد قرن من الكفاح فالشعب الفلسطيني دوما قادر أن يصنع    الثورات العظيمة من هبة الأقصى والثورة الكبرى والجهاد المقدس والثورة المعاصرة والانتفاضة، و يلد القادة في أصعب الظروف فذاكرته ممتلئة بنماذج البطولة من الحاج أمين الحسيني عبدالقادر الحسيني وأبو دية وأبو إبراهيم الكبير وياسر عرفات ومئات القادة الممتازين؟!!

المشهد الفلسطيني:

 من أكثر الأمور وضوحا انه قد غاب الحديث عن السياسي وحضر الحديث بقوة عن ضرورة التفاهمات والمصالحة بين أطراف التنازع السياسي الفلسطيني، بل إن السياسي يتشابه تماما بحيث أصبح فرقاء الصراع السياسي متفقين على صيغة الحل السياسي بقبول فكرة الدولة الفلسطينية على أرض الضفة الغربية وقطاع غزة أي حدود الأرض التي احتلت في سنة 1967 أي مبدأ حل الدولتين ولم يعد خلاف حول هذا المبدأ.. ولم يبق من اختلاف جوهري سياسيا بين الطرفين الرئيسيين في المشهد السياسي.. إلا أن الخلاف يزداد توسعا وعنفا على المستوى الإداري حيث يؤكد واقع الحال عدم اعتراف أي طرف بالآخر وتربصه للقضاء عليه أو على الأقل انفصاله عنه.. 

يشتكي كل طرف من لا شرعية الآخر؟ السلطة تقول: إن لا شرعية لحماس وما تفعله من فرض الأمر الواقع على قطاع غزة وأنها تقود عملية الانقسام في الساحة الفلسطينية بعد انقلابها وأن لا شرعية للتشريعي الذي انتهت دورته، وحماس تقول: بأن السلطة تتآمر على قطاع غزة وعلى المقاومة، وتفرط بالحق الفلسطيني، ولا تريد مصالحة، وأن عباس انتهت شرعيته وانتهت فترته الرئاسية.

وعلى ضوء الاستقطابين تتوزع المصائب على الشعب الفلسطيني في الضفة وفي غزة ففي غزة يكون كل من تواصل مع السلطة في رام الله متهما بالعمالة ويحاسب ويزج به في أقبية السجون المهينة وفي الضفة يلاحق كل من يشم فيه رائحة النشاط لصالح حركة حماس.. وعلى نار الاستقطابين تخصم رواتب موظفي غزة ويشدد الحصار ويتم التحريض من أجل مواصلته حتى تذعن حماس لاشتراطات السلطة وفي المشهد نفسه تتحرك لجنة الحكم في غزة بمعزل عن السلطة في قضايا حساسة سياسيا وامنيا وتقيم علاقات انفرادية وتجري مفاوضات مع أطراف ينبغي أن يكون فيها التمثيل الفلسطيني موحدا.. 

و بين الاستقطابين تقف فصائل العمل الوطني الفلسطيني مراوحة بين هذا وذاك مشتتة التوجه والاتجاه، وهكذا انتهى التوصيف لدى كثيرين إلى أن أبا مازن رأس الشرعية و حماس رأس المقاومة. وفي زاوية أخرى من تعقيدات المشهد حيث تدخل المال الخليجي المسموم تتم اضافة نكهة أخرى للعب بالساحة الفلسطينية فيدخل على العاب المشهد أن حماس تصطدم بعباس وتقترب من دحلان وعباس يطارد دحلان ويشد الخناق على حماس ودحلان يتقرب من حماس وحماس تحتاج دحلان وترى في تقربه انفراجا إقليميا لها وعباس  يزادا في شد الخناق على حماس،  فتزداد الأمور تعقيدا واشتباكا.. إنها لعبة موت الغرق الجماعي  حيث لن يسقط واحد بمفرده إنما سيجر الآخرين معه الى القاع. 

وهنا تجد الاتهامات من كل طرف تطال دول الإقليم بالتدخل في الشأن الفلسطيني من خلال مساعداتها المالية او من خلال موقفها السياسي الأمر الذي جعل المشهد السياسي الفلسطيني راكدا كئيبا لا حراك فيه محكوما لرغبات دول كما انه محكوم لمصالح أشخاص في أطراف التشظي  في رام الله وعزة متنفعين من الانقسام والضنك الفلسطيني..

العدو الأخطر:

نحن الآن أمام عدو من نوع جديد لم يطرح تحديه على كفاح الشعب الفلسطيني سابقا، إنه سوء الأحوال المعيشية في الضفة الغربية التي يبتلعها الاستيطان والحواجز والجدار العازل والغلاء الفاحش، وقطاع غزة المحاصر المخنوق والمقطوعة عنه سبل الحياة، ومخيمات الشتات الفلسطيني التي تتعرض لعمليات منهجية للتهجير والتدمير في سورية ولبنان.. ويقفز الجوع ليصبح العدو الأول في كثير من تواجدات الفلسطينيين كأحد إفرازات الانقسام والتيه السياسي.. والمتابعة للأوضاع الاجتماعية في قطاع غزة ورصد عمليات الانتحار والدمار الاجتماعي وسيل الهجرة مع صعوبته الشديدة يتأكد أننا أمام حالة مأساوية لن تفعل أموال المنحة القطرية في مواجهتها إلا تخديرا مؤقتا.. ويبدو أن تنمية هذا العدو عملية منهجية لدفع الناس لقبول أي حل سيتم طرحه مستقبلا او أن يتم إشغال الناس عن العملية السياسية وألاعيبها بعيدا.

 وتأتي الصعوبة في أن حل المسألة ليس بسهولة كتابة الكلمات فلقد ارتبطت الأوضاع المزرية بمصالح شخصية من وراء الستار وبمصالح دول وسياسات كبرى.. ومع هذا كله فأن ما وصلت إليه أوضاع المعيشة لأهل الضفة الغربية وقطاع غزة يرفع البطاقة الحمراء أمام الجميع: قبل المقاومة وقبل الكلام عن المصالحة وقبل أي شيء المطلوب التفكير في البطون الخاوية والبيوت المهددة بالانهيار والمجتمع الذي يحاول البعض تحويله الى متسول.. قبل الحديث عن المقاومة والمصالحة هناك شعب ليس له دخل بالانقسام والانقلاب والتيه.. شعب قدم ولازال يقدم تضحيات في كل مكان لكي تبقى قضية فلسطين حية ولقد كسب نضاله إعجاب العالم بأسره في أوربا وفي كل قارات الأرض وأصبح حضوره متميزا في  كل مجالات الحياة.. نعم نحن أمام العدو الأخطر والذي ينتهي مباشرة بتجاوز الانقسام و العبث السياسي..كما انه أصبح مؤكدا أن لا مقاومة ستنجح وتحقق شبرا على الأرض في ظل الانقسام، وان لا شرعية حقيقية ستكون في ظل التمزق.

من جهة أخرى لابد من تدبر حال الواقع والكشف عن حقيقته حيث نرى ان الشرعية والمقاومة تعانيان من عمليات تفريغ لهما وتوجيههما إلى خارج ما هو مطلوب وطنيا منهما.. فالشرعية تعاني الآن من فقدانها لقوة الشرعية بعد أن قوض الكيان الصهيوني سلطتها بإجراءات متواصلة نزعت منها أي هيبة وحضور في ما تم الاتفاق عليه كما ان الدوائر الصهيونية ما تنفك لإحراجها أمام مواطنيها باشتراطات متتالية أرادت تحويلها إلى مستخدم امني للاحتلال من خلال ما تم التعارف عليه بالتنسيق الأمني وأصبحت قراراتها تدور حول رواتب الموظفين وما يمثله ذلك من أعباء على السلطة، 

وأما المقاومة فلقد انقسمت مهمتها إلى إدارة ومقاومة فسلطتها على قطاع غزة لتجبي الضرائب والغرامات وتستقبل المساعدات من بعض الدول وتدخل مفاوضات مع السلطة في رام الله حول المصالحة المطاطية.. وتستخدم إدارة المقاومة سلطتها في غزة كما كل الأنظمة المتوجسة من المخالفين، مما يزيد الحياة ضنكا على الجميع وهي منشغلة بالحصار والاشتباك الداخلي والإقليمي.

أما القسم الآخر المقاومة فلقد تميزت بجسارة واقتدار وفاعلية وقت المواجهات الأمر الذي ادخل عامل قوة لصالح الفلسطينيين إلا أن الفلسطينيين السياسيين لم يستطيعوا توظيفه فمنهم من هو غير مرحب به أصلا ويعتبره عبثيا، ومنهم من هو دون القدرة على التوظيف السياسي فخسر الفلسطينيون في المفاوضات ما كسبوه في الحرب.. وفي مواجهة العدو لم تعد المقاومة إلا ردات فعل على عدوان يحصل من قبل الكيان الصهيوني الذي يفرض الحرب وتوقيتها ومساحتها.. والعدو في هذه الزاوية يجيد اللعب للتحييد والهدنة والتهدئة يخرقها وقتما شاء هو وحسب مصالحه الإستراتيجية او التكتيكية.. فيما تعيش المقاومة في جزء محدود من فلسطين محاصرة داخليا وخارجيا.

إشكالية الكيانية السياسية:

منظمة التحرير الفلسطينية التي تمثل حركة فتح جسمها الأكبر أنتجت السلطة الوطنية لتكون أداتها للعملية السياسية التي أعقبت أوسلو، وظلت المنظمة تحتفظ لنفسها بشرعية التمثيل السياسي للشعب الفلسطيني وترى ان ذلك ضرورة أساسية لمواصلة العمل السياسي وبدون حصرها في يدها يصبح كل الانجاز السياسي للشعب الفلسطيني في مهب الريح ولذا فهي مهما أبدت من ليونة لإشراك قوى أخرى في صنع القرار إلا أنها بمجرد إحساسها بخطورة سحب بعض الشرعية خارج خطابها وبرنامجها تلتف حوله وتشن حروبها بلا هوادة.. ومن هنا كانت القوى الفلسطينية تقترب  بمزيد من الحذر لئلا تنفجر تحت قدميها تخوفات قيادة المنظمة”فتح” من احتمال التشتيت والإشغال عن برنامجها..

 لا يمكن حصر المقاومة في حماس والجهاد وهي بالتأكيد أوسع كثيرا لأنها تشمل فصائل منظمة التحرير وفي طليعتهم حركة فتح بكتلتها الكبيرة المنتشرة في السجون وخارج السجون وتشمل المقاومة كذلك النخبة الثقافية المشتبكة وشرائح المجتمع الفلسطيني جميعا.. مع كل هذا نذهب الى المعنى الاصطلاحي فنقول ان المقاومة “حماس والجهاد” وجدا نفسيهما مع نهاية الانتفاضة الأولى في حالة اشتباك مع منظمة التحرير بعد توقيع أوسلو حيث رفضا التسوية السياسية.. ذلك لان حماس منذ البداية لم تعترف بشرعية تمثيل المنظمة للشعب الفلسطيني إلا إذا دخلت في المكون الأساسي لدائرة صنع القرار وخاضت حوارات متواصلة مع قيادة المنظمة لتحديد نسبة المحاصصة انتهت بالفشل باستمرار ولن يحصل  لها ذلك مهما كانت الظروف.. وهكذا يصبح الذي بينها ومنظمة التحرير كسر عظم.. ووجد الشارع السياسي الرسمي الفلسطيني نفسه أمام إما منظمة التحرير ومركزها فتح ومشروعها الوطني بطبعاته المتوالية والمعدلة، او مشروع حماس ومعها الجهاد غير الواضح في أهدافه السياسية وغير الثابت في منهجه وتحالفاته.

لكل محور معطيات قوة ومثالب ضعف قاتلة.. فالسلطة رغم ان لا احد يستطيع تجاوزها على صعيد التمثيل لشرعية العمل السياسي الفلسطيني إلا أنها فقدت كثيرا من لياقتها وبدت في السنوات الأخيرة ليست كعادتها في التعاطي مع الكل الفلسطيني وفي إدارة العمل السياسي والكفاحي الأمر الذي افقدها سلطانها وسطوتها المعنوية في قطاعات معتبرة من الشارع الفلسطيني..أما حماس فرغم انها وقفت في مقاومة العدوان الصهيوني مقاومة تعز الشعب الفلسطيني وترفع شأنه رغم كل الظروف القاسية الا انه يجب تسجيل الخلل الخطير في إصرارها على الانفصال وخوفها من الانصياع الى منطق الكيان السياسي الواحد فوق سلطة التنظيم.. الأمر الذي يبني مواقفها جميعا على سوء الظن واختلاق الأسباب الجزئية لاستمرار التبعثر الوطني في مرحلة من اخطر المراحل..

يسجل إلى حد كبير تماسك السلطة رغم ضعفها في أن لا تكون في جيب الأنظمة وأصحاب المشاريع والمحاور في المنطقة، في حين لم يصمد الطرف الآخر حيث كان للمال والمكان وعدم الخبرة السياسية وغياب معالم الفكرة الوطنية أثرها على سلوكه السياسي في المنطقة.. 

حاولت حماس إجهاض سلطة عرفات في النصف الثاني من التسعينات فيما كان يدخل فلسطينيين بعشرات الألوف الوطن مدربين على فنون القتال وخبرات سياسية وكان ينتزع أرضا ويحاول أن يؤسس لدولة ويحمي ثقافة شعبه ببرامج تعليم وإعلام وطنية، وكذلك أصبح عرفات خيارا محاصرا داخل السلطة الفلسطينية نفسها بإصراره بعد أن تحللت القيادة الصهيونية من التزاماتها على الانتفاضة المسلحة.. فكانت الخصومة مع نهج عرفات وسلطته نقطة الالتقاء بين الطرفين.

ومن الضروري تجديد التأكيد ان الخلاف لم يكن في يوم من الأيام سياسيا.. ولعل بعض قادة الفصيلين تأكدا أن عدم حصول تفاهمات عميقة وإستراتيجية بين حماس والسلطة يعني إنهما يمسكان بأيدي بعضهما إلى الانهيار.. وفي الحالتين لن يخسر الشعب إلا الانقسام وصناعه والمستفيدين منه، فالوحدة قوة، وانهيار دواعي ثقافة ومبررات الانقسام فائدة، ليفتح المجال أمام شعب يعرف كيف يدهش العالم بمبادرته انه شعب الجبارين..والله غالب على أمره.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك