الفرق الإدارية المتخصصة (S.A.S) ودورها

إخضاع الجزائر لسلطة الاستعمار الفرنسي منذ 1955م

بقلم الأستاذ: قواسمية عادل، طالب دكتوراه جامعة الأمير عبد القادر قسنطينة.

باندلاع الثورة التحريرية 1954 م في الجزائر وتحقيقها لانتصارات على مختلف الأصعدة، وإحداث تغيـرات جذرية وجوهرية في جميع الميادين، دفع فرنسا إلى تجنيد كامل قواتها العسكرية والسياسية لإخمادها وتمزيق شمل أبنائها، حيث جندت لذلك أشرس وأقوى جنرالاتها من أجل خنق الثورة ومحاصرتها بتسليط أبشع الأساليب والعقوبات القمعية على الشعب الجزائري، والقيام بمجازر انتقامية واسعة النطاق، كعقاب على ثورته ووطنيته، والعمل بشتى الطرق للإبقاء على الجزائر فرنسية، ولهذا فقد أدرك الجيش الفرنسي بأن مواجهة الثورة يتطلب مؤازرة العمل السيكولوجي مع العمل العسكري، وفي سياق تطبيق تلك الأساليب الجهنمية أنشأت الإدارة الفرنسية المصالح الإدارية المتخصصة سنة 1955 ((SAS من أجل القضاء على الثورة وإبعاد الشعب عنها. والسعي من أجل استمالة عقول الجزائريين وزرع الشك في نفوسهم من أجل زعزعت ثقتهم بالثورة وإبعادهم عن جيش التحرير الوطني.

 

  • نشأة المصالح الإدارية المتخصصة وتكوينها

 

أ‌- تعريف المصالح الإدارية المتخصصة: هي أجهزة إدارية حلت محل الفروع القديمة المتمثلة في المكاتب العربية، ويطلق عليها (لاصاص SAS) وهي تعني Section administrative spécial.

وتعتبر هذه الفرق بمثابة الحلقة الأولى للعمل النفسي في الجيش الفرنسي في الجزائر، والتي تنشط في الريف يطلق عليها (Section administrative spécialisée ) وفرق حضارية تنشط في المدينة يطلق عليها (Section administrative urbain ) وهي تجمع بين العمل المدني والعسكري في آن واحد.

فالمصالح الإدارية المتخصصة (لاصاص) هي عبارة عن هيئة مدنية موضوعة تحت إمرة ضابط له حراسة مسلحة تتكون من 30 إلى 35 رجل، فكان بجانب كل مركز عسكري يوجد مركز لضابط SAS ، وهي عبارة عن مكاتب يسيرها عسكريون مختصون في الشؤون المدنية تم استقدامهم منذ سنة 1955 معظمهم من تدرب في مدرسة المارشال ليوتي بالمغرب الأقصى.

وتعتبر هذه الهيئة ” وريثا لإدارة شؤون السكان المحليين التي أنشأت في المغرب أيام الحماية “، ولما كان القسمين بيد الضباط العسكريين فإنهما يشخصان إشراف العسكريين على التأطير الإداري للأهالي.

وقد قسمت هذه المصالح إلى مناطق حيث تتواجد بالقرب من المحتشدات تقوم بإقامة أبراج مراقبة والمكاتب الإدارية، واتخاذها مكانا متوسطا حتى تكون قريبة من كل الجهات، وهي تتواجد خاصة في المناطق الريفية التي يسيطر عليها جيش التحرير الوطني، ومهما يكن فإن المصالح الإدارية المتخصصة هي مؤسسة عسكرية تدخل في ظهورها عوامل كثيرة وقد أسندت لها مهما متنوعة من أجل السيطرة والحفاظ على الجزائر.

 

ب‌- إنشاء المصالح الإدارية المتخصصة: 

 

يعود تأسيس الفرق الإدارية المتخصصة إلى نمطين أثرا في إعداد النظام السياسي الإداري في الجزائر بعد انهيار النظام القديم للإدارة الفرنسية، وهو نظام المكاتب العربية، التي انبثقت من تاريخ تهدئة الجزائر في القرن 19 وكذا نمط التسلسلات المتوازية التي طورها العقيد لاشروي Lacheroy    .

من أبرز الظروف التي ساهمت في ظهور لاصاص هو إبلاغ هرتز  باحتمال حدوث ثورة جنوب شرق مقاطعته بقيادة الباشا آغا الفلاني، وقد قام بتبليغ السلطات لكن دون جدوى، وقد انتقل يوم 24 أكتوبر 1954 إلى منطقة مشونش لمقابلة فرانسوا ميتران وأخبره أن ” القضية على درجة من الخطورة وعلى الحكومة أن تسارع إلى إجراء إصلاحات سياسية وتعطينا وسائل عسكرية وإلا ازدادت الأوضاع سوء “، وفي نهاية 1954 وبداية 1955 دعت ثلاث شخصيات من أفاق مختلفة لإجراء إصلاحات سياسية وإنشاء مكاتب عسكرية أو ضباط مختصين في الشؤون الإسلامية، وهم في الحقيقة مختصون معربون في الاستخبارات والتنسيق بين السلطات المدنية والعسكرية  .

     وأمام هذا الضغط المتواصل الذي وقعت فيه السلطات الفرنسية إثر العمليات التي شنها الثوار بقيادة جيش التحرير، كانت حكومة مانداس فرانس متيقنة من عدم جدوى الإجراءات البوليسية والأمنية لاستتباب الأمن في الجزائر، ولأجل ذلك رأى رئيس الحكومة أن سياسة التغيير تقتضي كذلك تغيير الرجال.

      وبالتالي ضرورة استقدام مسؤول جديد للجزائر وهو جاك سوستال، الذي تم تعيينه 26 جانفي 1955 حاكما عاما للجزائر، لأن الحكومة الفرنسية كانت تعتقد أن سوستال هو الرجل المناسب لإخماد نار الثورة، وكان من بين معاونيه جرمان تيليون والعقيد كونستانس والرائد فانسان مونتاي.

وقد أوضح جرمان لجاك سوستيل أن من أسباب الانهيار الاقتصادي في منطقة الأوراس التي شهدت اندلاع الثورة التحريرية، هو الانفجار الديموغرافي وتردي الأوضاع المعيشية، ولهذا قام سوستيل بجولة عبر مناطق الأوراس: (باتنة، مشونش، بانيان، أريس، خنشلة، تبسة…) وأثناء زيارته لاحظ وجود ثلاث مشكلات أساسية، وهي: سوء تسيير الجزائر تحت نظام البلديات المختلطة، والمشكل الثاني: فشل جميع عمليات التمشيط الكبرى. والمشكل الثالث: يتمثل في نقص المعلومات الضرورية لنجاح أي عملية عسكرية، والسبب هو غياب العلاقات مع السكان.

ونظرا لعدم استقرار الأوضاع في الأوراس قرر سوستيل إنشاء قيادة مدنية وعسكرية للأوراس أوكلها يوم 30 أفريل 1955 للجنرال بارلانج وقد سمحت له هذه الوظيفة بضم جميع السلطات المدنية تحت إمرته  ، خاصة أن الجنرال بارلانج من أجود الجنرالات العارفين بالوسط البربري، وقد كانت هذه البداية لنشأة المصالح الإدارية المتخصصة، خاصة بعد نجاح بارلانج في العملية التي كلفه بها جاك سوستيل برفقة 14 ضابطا في الشؤون الأهلية في المغرب و 9 من ضباط الشؤون الصحراوية الذين تم استقدامهم من المغرب بعد تكوينهم  . 

وبعد شهرين قدم الجنرال بارلانج النتائج المهمة التي قام بها، ومن ذلك طالب بإنشاء المصالح الإدارية المتخصصة.

وقد تقرر 26 سبتمبر 1955 أي عقب هجومات 20 أوت 1956 إنشاء أقسام إدارية متخصصة المعروفة بـ: ( (Les Sections Spécialisées Administratives.

وظهرت هذه التسمية أول مرة في القرار الذي أمضاه جاك سوستال في الوثائق الرسمية الفرنسية، والذي أنشأ هذه المصلحة وألحقها بالديوان العسكري التابع للحكومة العامة، فكانت النواة الأولى لهذه الهيئة هم ضباط الشؤون الأهلية القادمين من المغرب الأقصى، وهم متخصصين في علم النفس والجوسسة ويتكلمون اللغة العربية الفصحى والدارجة، ذلك بسبب الخبرة التي اكتسبوها في المغرب الأقصى، الذي لا يختلف مجتمعه عن المجتمع الجزائري من حيث العادات والتقاليد واللغة.

ويظهر أن الإدارة الاستعمارية قد أعطت فرصة للجيش الفرنسي لكي يكون من العناصر الفعالة في تطبيق سياسة الإدماج من خلال مشاركته الواسعة في تسيير الفرق الإدارية المتخصصة SAS التي فتحت مجالا واسعا للممارسات السياسية والدعائية، وقد شهدت هذه المراكز الإدارية تزايدا كبيرا في الأحياء الفقيرة، كما أن اتساع هذه المراكز يعتبر شيئا ضروريا حسب رأي بعض الدوائر الاستعمارية، إذ لم يكن من الممكن تحقيقه بسبب وحيد وهو نقص الموظفين، وكانت هذه المصالح الإدارية وسيلة لتعويض النقص الإداري في الأرياف بعدما قامت جبهة التحرير بتحطيم الآليات القديمة للإدارة الاستعمارية    

 

2- ضباط الفرق الإدارية المتخصصة واختصاصاتهم:

 

أ‌- ضباط الفرق الإدارية: 

لكي يكون الإنسان ضابطا في الفرق الإدارية المتخصصة، يجب أن يكون متطوعا، حيث يكون التجنيد ضمن الضباط العاملين أكثر من الاحتياطيين، وقد أوضحت الإدارة الفرنسية الشروط، ويجب أن يقدم الطلب إلى القيادة العسكرية وإلى الحكومة العامة الجزائرية، وضابط الاحتياط يجب أن يتحول إلى وضعية ” ضابط في حالة عامل ” لفترة تتراوح بين 6 أشهر و 3 سنوات قابلة للتجديد محددة بـ 15 سنة من الخدمة، ومع ذلك وتلك التحفيزات فلقد كان عدد المتطوعين غير كافِ وهذا ما أدى إلى  قبول كل الذين يتقدمون بالطلب دون الأخذ بعين الاعتبار نوعية الأشخاص    .

ومع ذلك فلقد تم استقدام ضباط الشؤون الجزائرية إلى الجزائر منذ عام 1955 ومعظمهم تدرب في مدرسة المارشال ليوتي بالمغرب الأقصى، فتخصصوا في دراسة فنون ووسائل الاتصال بالسكان وعادات وتقاليد المجتمع الريفي، وأتقنوا لهجاته المختلفة، لذلك نجد أن كل مركز عسكري بالجزائر يوجد بجانبه مركز لضباط المصالح الإدارية المختصة ليخدم كل منهم الآخر   وتم تصنيفهم حسب رغبتهم في التطوع إلى: 

قدامى الضباط في الشؤون الأهلية بالمغرب الأقصى: نظرا للخبرة التي اكتسبوها.

قدامى المحاربين في الهند الصينية.

مجموعة الخبراء الذين كانت لديهم دراية بالمغرب العربي ولغته وعاداته.

فئة المثالين: ووازع هؤلاء هو مساعدة السكان 

وعليه فكانت كل مصلحة إدارية تتشكل من: 

  • ضابط المصلحة: وهو رئيس المصلحة 
  • نائب المصلحة: وهو في أغلب الأحيان من العسكريين برتبة ضابط صف.
  • ثلاثة ملحقين من مصلحة الشؤون الجزائرية مهمتهم الإشراف على الترجمة والمالية والاتصال.
  • مستخدمين صحيين وطبيب خاص وممرضين    .
  • عدد من المجندات الفرنسيات أو المساعدات الاجتماعية (ASSARA) Adjointes Sanitaires et Sociales Rurales Axillaires

من المصلحة الآنفة مهمتهن التقرب من النساء الجزائريات وإدماجهن في الحياة الأوروبية.

  • مفرزة الحماية وموظفيها: وهي مشكلة من عناصر المخزن، يجندهم ضابط  المصلحة ويتراوح عددهم ما بين 30 إلى 50 عنصرا من أصول مسلمة.
  • عتاد مادي: يتمثل في عدد من السيارات والشاحنات، جهاز إرسال واستقبال، كمية من الأسلحة والذخيرة    .

ويظهر أن هذه المؤسسة هي هياكل إدارية مدنية وعسكرية في آن واحد يقوم على إدارتها ضابط يشرف مباشرة على التنظيم والتوجيه، فضلا على أن كل مصلحة تضم حوالي 30 حركي مهمتهم ضمان الأمن في حدود النطاق الإقليمي للفصائل الإدارية المتخصصة، والضابط المشرف على المصلحة يساعده صف ضابط يعينه في مهامه فضلا عن ملحقين مدنيين في اختصاصات متنوعة  .

وقبل التحاق هؤلاء الموظفون بمراكز عملهم يتلقون تكوينا إداريا متخصصا ومبادئ اللغة العربية واللهجات المحلية، ودروسا في علم الاجتماع الإسلامي، زيادة على تربصات تطبيقية ورحلات دراسية، يدوم هذا التكوين سنة دراسية كاملة، وفي هذا السياق كانت الدفعة الأولى المتخرجة مشكلة من القادمين من الهند الصينية   .

 

ب‌- اختصاصاتهم:

 

تخرج ضباط الشؤون الأهلية من معاهد خاصة في الشؤون الجزائرية، وكانت مهمتهم محددة بقوانين، وكانوا ملزمين بتعلم اللغة العربية واللهجات المحلية، وكانت لهم مهام متعددة، حيث نجد ضباط متخصصين في مجالات متنوعة سواء اقتصاديا أو اجتماعيا أو نفسيا  ، لكن هؤلاء الضباط كان تكوينهم في معظمه يرتكز على الجانب النفسي والاجتماعي، ومهمتهم تتركز على دراسة الأهالي من حيث السلوك والعادات والتقاليد من أجل العمل على إيجاد الطرق الكفيلة لتحويل الأهالي إلى جانب فرنسا وقطع أية علاقة بالمتمردين ولما لا تحريضهم ضد المجاهدين  .

وقد تم تعيين لجان خاصة لتسيير البلديات ودراسة فنون ووسائل الاتصال بالسكان والتعرف على تقاليد المجتمع الريفي، وذلك من خلال إتقان لهجاته لتسهيل عملية الاندماج، كما أن الضابط المشرف على المصالح الإدارية يساعده في مهامه ملحقين مدنيين في اختصاصات متنوعة يتمثلون في: محاسب، جهاز إرسال، ممرضة، طبيب، معلم، مدرب رياضي  .

كل هذا يرجع إلى أن الإدارة الفرنسية أصبحت على قناعة بأنه لكي تتمكن من القضاء على الثورة لا بد من استنطاق السكان للحصول على معلومات تخص المنظمة الثورية ومخططاتها، ولقد قام ضباط المصالح الخاصة بعمليات مسح لكامل التراب الوطني، من حيث التجمعات السكانية، عدد البيوت، عدد الأفراد، وقاموا بترقيم البيوت من أجل تسهيل عمليات المداهمة  .

ومن جهة أخرى فقد كان ضباط المصالح المتخصصة يقومون بعمليات رقابة واسعة داخل التجمعات، وقد نشطت الرقابة السياسية في ميدان الثقافة والإعلام  .

وتجدر الإشارة إلى أن المصالح الإدارية تتكون من مصالح متنوعة وهي: 

مصلحة الحالة المدنية 

مصلحة الاستعلامات عن العدو

مصلحة الإدارة 

المصلحة السيكولوجية  

مصلحة الدعاية 

مصلحة التنشيط 

وكان يشرف على كل مكتب من هذه المكاتب ضباط متخصصون في علم النفس والاجتماع، يؤازرهم في ذلك بعض العملاء من قياد وقومية  .

أما التعداد المدني والعسكري لهذه الفصائل فهو يختلف حسب حاجيات السكان والامتداد الإقليمي للفصائل الإدارية التي يفوق نطاقها أحيانا نطاق الولاية، ذلك أن فصيلة إدارية يمكن أن تغطي نطاقا ريفيا يضم من  (ألفين) إلى  (عشرون ألف) ساكن يتوزعون على القرى، وقد عززت عليهم الحراسة من كل جانب، وطوقت عليهم الأسلاك الشائكة وأصبحت حالات الفرار مستحيلة    .

وفيما يخص مراكز تواجد المصالح الإدارية فإنها في الغالب تكون في المزارع المحصنة والمداشر ومبنية على شكل أبراج، وتضم الأبراج مركزا للتدريب وقاعة للمعاينة ووكالة بريدية، سوق، سكنات عائلية للموظفين ومركز إداري وفلاحي وراديو وعربات وميزانية تسيير.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك