الطريق نحو السيادة

بقلم: احسن خلاص

 

منذ الخامس من جويلية 1962 ساد جدل في أوساط المؤرخين والمفكرين السياسيين حول المكسب الذي حققته الجزائر هل هو إنشاء جمهورية جزائرية حديثة بعد الاستقلال عن فرنسا كآخر منظومة احتلال أم هو استرجاع للسيادة الجزائرية التي كانت قائمة قبل الاحتلال الفرنسي؟

 

صار هذا الجدل عقيما مع مرور الزمن مثل ذلك الذي كان قائما حول ما إذا كان الاستقلال تتويجا لثورة تحريرية أم لحرب تحرير وقد قام مثله في فرنسا بين اعتبار ما جرى في الجزائر بين 1954 و 1962 أحداثا أم حربا كاملة الأركان وقد استقر البرلمان الفرنسي على اعتبارها حربا بكل ما يترتب عنها من تبعات من الجانبين الجزائري والفرنسي.

 

بدأت هذه المناوشات المفهومية تترك مكانها لنظرة واقعية تعتبر فترة الاحتلال الفرنسي للجزائر مأساة حقيقية لكن فرنسا ظلت تحاول أن تصورها على أنها ذات أضرار مشتركة بين الجانبين الجزائري والأوروبي فكما كان للاستعمار الاستيطاني أثر بالغ على النسيج الاجتماعي والديمغرافي الجزائري وقيمه الثقافية والحضارية فإن إنهاء الاحتلال عام 1962 لم يكن ليتم دون أن يترك أثرا على الساكنة الأوروبية التي استقرت في الجزائر انطلاقا من أن الأرض لن تعود لأهلها وأن وضعها الاجتماعي لن ينقلب بمجرد تمكين الشعب الجزائري من تقرير مصيره.

 

وإذا عدنا إلى المفاهيم المتصارعة فسنجدها في حقيقتها متكاملة إذ لكل منها مبرر فهي تخضع لمسار طويل من التفاوض فإذا كانت مفاوضات ايفيان قد أفضت إلى وقف إطلاق النار وإنهاء الاحتلال الذي يعني تجريد القوات الفرنسية من سلطتها على الأرض الجزائرية فإن الاستقلال قد بدأ خطوته الأولى يوم 1   جويلية عندما قرر الشعب الجزائري بأغلبية ساحقة الانفصال السياسي عن النظام الاستعماري وإقامة دولة لنفسه. أما استرجاع  السيادة الوطنية فهو مسار ممتد عبر الزمن إذ أنه مرتبط بقدرة الشعب المستقل على التخلص من جميع أشكال الوصاية على قراره ومصيره سواء من مستعمر الأمس أو من أي تدخل أجنبي في شأنه الداخلي.

 

الواقع أن الجزائر منذ 58 سنة من الاستقلال لم تتمكن بعد من استرجاع سيادتها الكاملة على ثرواتها ورموزها وثقافتها ونظامها الاقتصادي والاجتماعي، وقد يختلف منسوب السيادة من فترة إلى أخرى فعندما سددت الجزائر كافة ديونها الخارجية رفعت منسوب السيادة وتخلصت من ضغوط واملاءات المؤسسات المالية الدولية وقد تغتنم فرص الأزمات الداخلية للمساومة في سيادة أي بلد مثل ما كاد يحدث خلال أزمة التسعينيات لذا ظلت معركة استرجاع السيادة الكاملة قائمة ولا تزال وقد تبقى لمدة طويلة بالنظر إلى ثقل الإرث الاستعماري، كما ستظل هذه المعركة محل مزايدات سياسية ومد وجزر بين الأطراف السياسية لاسيما الموضوعات ذات الصلة بالذاكرة وقد بدأت السلطة القائمة اليوم في عملية ترميم بيت التاريخ الوطني بإنشاء يوم للذاكرة الوطنية وقنوات إعلامية تعنى بالتاريخ إضافة إلى استكمال مسعى بدأ منذ سنوات على المستوى الشعبي وتواصل على المستوى الرسمي لاسترجاع جماجم المقاومين الجزائريين خلال القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، إضافة إلى معركة الأرشيف التي قد تمتد طويلا وقانون تجريم الاستعماري الذي قد يرى النور قريبا.

 

وإذا كانت تلك مكاسب جديدة مبشرة بالخير في طريق استكمال السيادة فإن مكاسب أخرى كانت قائمة إلا أنها مهددة من حين لآخر منها الوحدة الترابية واستقرار وأمن الحدود إلى جانب رموزنا اللغوية والثقافية واستقلال قرارنا الاقتصادي فضلا عن الضغوط التي تمارس من حين لآخر على السلطة في مجال الحريات وحقوق الإنسان والتعامل مع الهجرات غير الشرعية.

 

وليس ببعيد عنا ما يجري هذه الأيام داخل البرلمان الأوروبي حيث بادر نائب إيطالي بسؤال موجه إلى نائبة رئيسة اللجنة الأوروبية للشؤون الخارجية والأمن بشأن “وضع الحريات في الجزائر” يطالب فيه بتوضيح التدابير التي يجب أن يتخذها البرلمان الأوروبي تجاه “أعمال القمع الذي تقوم به السلطات الجزائرية لاسيما في منطقة القبائل التي تكثر فيها الاحتجاجات” وقد استند البرلماني إلى “منظمة الأمم والشعوب غير الممثلة” التي تعتبر منطقة القبائل أرضا محتلة تبحث عن استقلاليتها فضلا عن أنها تحتوي على عدد كبير من المسيحيين المضطهدين!! وذهب النائب الإيطالي بعيدا في وقاحته عندما امتعض من التعاون والتقارب الجزائري التركي واعتبره تهديدا للمصالح الأوروبية واستقرار الحدود الجنوبية.

 

وليست هذه المرة الأولى التي يتناول فيها البرلمان الأوروبي الشأن الجزائري بشيء من الوصاية فقد حدث أن أصدرت توصيات تتعلق باحترام السلطة لحقوق الإنسان والحريات الدينية واستنكر إصدار قانون تعميم اللغة العربية في الجزائر في عهد المجلس الوطني الانتقالي. فهل يكفي التنديد بالتدخلات الأجنبية للحفاظ على السيادة الجزائرية أم أن أفضل الحصون توسيع فضاء البيت الجزائري ليسع جميع أبنائه في ظل الاحترام التام للقانون. لقد بينت التجارب لاسيما المتصلة منها بالربيع العربي” أن البلدان الخاضعة لأنظمة الحكم الاستبدادية المركزية هي الأكثر عرضة للاستباحة بمجرد سقوط رأس النظام بينما تكتسب البلدان ذات المؤسسات القوية بشرعيتها الشعبية والقائمة على سيادة القانون مناعة قوية ضد أي وصاية أجنبية سواء من حكومات أو من منظمات ومؤسسات دولية.

 

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك