الصراع الصفري بين العرب و إيران

العبث

صالح عوض

تندلع الحرب منذ أكثر من أربعين سنة بين دول عربية وإيران ولم تكن أدواتها فقط السلاح والمال فلقد تم استدعاء التاريخ في مراحله القاتمة وبنعراته المفرقة.. هذا ما اقترحه برنارد لويس مهندس مشروع الشرق أوسط الجديد على الإدارة الأمريكية: “لابد من تسهيل تفكيك الدول العربية والإسلامية ودفع الأتراك والأكراد والعرب والفلسطينيين والإيرانيين ليقاتل بعضهم بعضا كما فعلت أمريكا مع الهنود الحمر من قبل”.. لقد تم تنفيذ ذلك في أكثر مواقعنا إستراتيجية، وعلى تخوم ممراتنا المائية الحيوية، وفي جغرافيتنا المباركة المركزية في الشام والعراق والجزيرة، وحيث ثروتنا النفطية الهائلة. 

عقدة العراق:

ثمان سنوات من الحرب حجمت تدفق الثورة الإيرانية، وأثقلت الموازنة العراقية بالديون.. ووجدت الحرب دعما لها من قبل الدوائر الاستعمارية، تؤجج نزعة الثأر وتكريس العداوة في وجدان الأمة لتعطيل حركيتها نحو الوحدة والنهضة وفلسطين.

على مدار ثمان سنوات دفعت دول الخليج بالعراق ليكون خطها الأمامي في مواجهة تحرك الثورة الإيرانية ودعمته بكل قوة.. توقفت الحرب على غير إرادة من الأمريكان والغربيين وأصدقائهم في الإقليم أولئك المستفيدين المباشرين من استمرار الحرب والمسعرين لها والمحافظين على استمرارها.. وبعد أن توقفت الحرب وخرج الجيش العراقي بخبرة قتالية متميزة وبدأ في  البحث عن مهمات جديدة في المنطقة وتصفية حساباته مع حلفاء الأمس من الدول الخليجية التي هالها خروجه من الحرب فلاحقته بديونها المتراكمة عليه الأمر الذي وتر الأجواء داخل معسكر الحلفاء حينها نصبت الإدارات الغربية والأمريكية بالذات الكمين الى إشعال حرب جديدة جرت إليها المنطقة كلها لتدمير العراق بأموال العرب فسقط الخط الأمامي لدول الخليج في مواجهة إيران..تماما كما شرحت أطروحة “بريجنسكي” مستشار الرئيس للأمن القومي الأمريكي سنة 1980 عندما قال: “إن المعضلة التي ستعاني منها الولايات المتحدة من الآن (1980م) هي كيف يمكن تنشيط حرب خليجية ثانية تقوم على هامش الخليجية الأولى تستطيع أمريكا من خلالها تصحيح حدود “سايكس- بيكو” 

 كان سقوط العراق في الحرب الخليجية الثانية بوابة للمشروع الأمريكي في البلدان العربية.. أصبحت المملكة والإمارات وبالتحالف مع الأمريكان في تسارع مع الزمن للعبث في الربيع العربي وتحويله الى مادة تفجير للمجتمعات العربية الرئيسية ضده حينا، ومعه حينا كما حصل في سورية واليمن لمواجهة التمدد الإيراني.. وقد يكونون ورطوا إيران في ملفات واستدرجوها في صراعات إقليمية داخلية في أكثر من مكان لاستنزافها وتشتيت قوتها وتعميق الهوة بينها والمنطقة.. وكما يتجلى في كل ساحات التصارع: اليمن والعراق وسورية ولبنان ان النتيجة تحت الصفر لكلا الطرفين.. فأنفقت دول الخليج مئات مليارات الدولارات لإخراج إيران وحلفائها من سورية والعراق واليمن.. فما كانت النتيجة الا تدمير العراق وسورية واليمن وليبيا والتي أصبحت برسم التقسيم.. وهنا تتعقد أدوات الاشتباك وتضطرب آليات الصراع ولم يبق في مجلس التعاون الخليجي سوى السعودية التي تعاني أوضاعا داخلية عويصة على صعيد نظام الحكم او المكونات الاجتماعية للبللاد.

  القنبلة الموقوتة:  

تبدو الأوضاع على ضفتي الخليج العربي هي التكثيف الأعلى لأخطر أزمات الأمة العربية والإسلامية بكل عناوينها التجزئة والتبعية والتدخل الأجنبي والتي تحرم الأمة من فرصة الانبعاث للنهضة والوحدة وفلسطين.. وهذا المشهد هو الوضع المثالي لاستمرار حضور المصالح الاستعمارية في المنطقة والأمة وتدخلاتها وإقامة قواعد عسكرية فيها لتشرف عن قرب على ديمومة التصارع الإقليمي والتصدي لمحاولات الإنعتاق من هيمنة السياسة الأمريكية.. وأصبحت المنطقة مقيدة بواقع استعماري جديد بشكل مباشر يحرمها من إمكانية نجاح ميلاد حالة عربية تكاملية متآخية ومستقلة وذات سيادة وهذا ليس فقط لغياب عقليات وعقائد ورؤى وعمل جبار على الصعيد النفسي والعقلي والمادي وهو ما لا يمكن حدوثه في المدى المنظور إنما لأن أنظمة سياسية واقتصادية وأمنية بطبيعة التبعية للأجنبي قد استتبت في المنطقة لن يكون سهلا على حكامها التقدم لتغيير شروطها.. وهنا لا يكون للحديث عن التحرر في تلك الدول العربية وجاهة بمعنى لن تكون هناك سياسات مستقلة عن رغبات الأمريكان مما يؤكد ان الاستمرار في التصارع مع إيران سيستمر بشكل او آخر وستظل المنطقة تدفع الثمن الباهض للأمريكان  بشراء أسلحة لا طائل منها او مقابل حماية الأنظمة والبلاد.. وهذه هي سلسلة القنابل الموقوتة في المنطقة والتي لن تسمح باستقرار بين الدول الخليجية العربية وإيران.. 

مجلس التعاون:

في بداية الثمانينات مباشرة بعد انتصار الثورة الإيرانية سعت الدول والإمارات والسلطنات العربية في إقليم الخليج باستثناء اليمن إلى تشكيل مجلس تعاون خليجي يتم فيه تنسيق المواقف والسياسات تجاه دول المنطقة وقضاياها وترتيب إيقاع العلاقات بالولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوربية.. لكن مجلس التعاون الخليجي لم يكن كيانا سياسيا وأبعد ما يكون خطوة نحو إيجاد حالة عربية بأبنية كيان سياسي. فهو ليس مهيئا لتعميق البناء الداخلي على صعيد المجتمع والمؤسسات نظرا لتباينات موضوعية وذاتية بين دوله ونتيجة لأنه لم يعتمد البنية التحتية للمجتمعات في ظل عدم تفاهمات حول الديمقراطية والتمثيل الشعبي والحريات السياسية وغياب الشورى.. فدولة الكويت برلمانية وفيها حرية الصحافة وتعدد الأحزاب والتيارات الفكرية تقابلها دول مغلقة بأمير أو ملك يعتبر المواطنين رعيته والثروة ملكه الخاص في غياب حريات الصحافة والرقابة و عدم السماح بوجود الأحزاب و قمع الرأي الآخر.. لذلك لم يكن هذا المجلس إلا لجنة مكونة من المسئولين الأمنيين والسياسيين للتعامل مع التحدي الخارجي وكيفية تنفيذ التوجيهات الإستراتيجية المقدمة من مراكز الأبحاث الأمريكية ذات الصلة بالسياسة الأمريكية.. وهكذا تتضح أهمية المجلس ودوره منذ البداية انه يتشكل لظرف سياسي مرحلي وعندما واجه المجلس تحديات بينية صغيرة تشظى وتلاشى ولم يصمد في مواجهة التحديات الداخلية أو الخارجية وتناثرت مواقفه فعاد كأنه لم يكن ولم يتبق فيه إلا  الإمارات والبحرين والسعودية على اعتبار أن البحرين حديقة الترفيه الخلفية للسعودية ريثما تنجز هيئة الترفيه في السعودية هياكلها ومشاريعها.. وعلى اعتبار ان الإمارات شريكة السعودية في الحرب على الإسلام السياسي وتكسير الدول العربية التاريخية والإمساك بزمام القرار العربي.

لا يمكن إدراج دول الخليج وسلطناته ماعدا الكويت تحت التعريف العلمي لمصطلح الدولة فهي أقرب إلى نظام القبيلة المسيطرة على رقعة من الجغرافيا تدير أمورها بالريع الاقتصادي وهنا بالضبط تكمن عقدة الخليج التي تفسر كل التصرفات والسلوكات التي تبديها دوله تجاه الآخرين وتجاه بعضها بعضا.. ومن هنا كان تعامل الأمريكان منذ عشرات السنين مع هذه المشيخات بنظرية الحلب التي أفصح عنها الرئيس الأمريكي ترمب ومنهجية الاستفزاز بصنع بعبع تخويف مستمر من الناصرية ومن الشيوعية وبعدها العراق وقد تم توظيف المال الخليجي في كل تلك الحروب.. وبقيت إيران والأحزاب الموالية لها والحركات الإسلامية السنية هي العدو الماثل فكانت حرب السعودية والإمارات على جبهتين، وهاهما تفتحان جبهة قتال مع تركيا فبعد أن أحرقوا سورية بحجة طرد الوجود الإيراني واحرقوا اليمن بحجة طرد النفوذ الإيراني والإخوان المسلمين هاهم يشعلون ليبيا بمرتزقة وبحرب تحرق البلد ومستقبله بحجة محاربة الأخوان.. فلقد كانت المهمة الأولى من تشكيل مجلس التعاون الخليجي مواجهة التحديات الخارجية وتبديدها إلا أن المعارك التي فتحها فجرته واستنزفته ولم يبق فيه إلا السعودية والإمارات تواجهان تحديات خطيرة بنيوية وإستراتيجية.

إيران والتخبط:

في مقابل دول الخليج العربية تقف إيران التي تسعى بكل دأب إلى امتلاك قوة عسكرية نوعية ومد نفوذها في أكثر من إقليم عربي وتعزيز المليشيات الموالية لها في لبنان واليمن والعراق وكذلك القوى المسلحة السياسية في البحرين وسورية وتفعيل هذه القوى وتحريكها إلى درجة التهديد المباشر للمصالح الأمريكية في حال أي عدوان أمريكي على إيران الأمر الذي يعني أن إيران نقلت المعركة إلى بلدان عربية مجاورة للجزيرة العربية بإمكانها إلحاق القلق والرعب في مؤسسات المملكة السعودية..

تدير إيران لعبتها الأمنية في الخليج بناء على مصالح الدولة الإيرانية الصرفة فبعد ان انسحب الأمريكان من اتفاقية النووي الإيرانية اتبعت الإدارة الأمريكية ذلك بسلسلة من العقوبات للاقتصاد الإيراني المنهك وتستمر في تصعيد الأمر شيئا فشيئا في محاولة لجر إيران لتفاوضات جديدة لن يكون التفاهم على الملف النووي أهمها بل حجم دور إيران في المنطقة والموقف من إسرائيل وطبيعة النظام والحريات السياسية.. يجيء الرفض الإيراني والسير مع أمريكا الى حافة الهاوية في محاولة أخيرة لكسب بعض أطراف الإقليم المتضررة من استمرار حالة التصارع مع إيران والتلويح بمخاطر تتهدد جميع من في المنطقة من خلال أنصارها المنتشرين في البلدان العربية المحيطة.. وبالفعل أتت سياسة إيران أكلها فهاهي الإمارات العربية تنسحب من الموقف السعودي وتجري مفاوضات وتتوصل إلى اتفاقيات مع إيران إلى درجة أن مدير مكتب الرئيس الإيراني أكد على أن الإمارات ترغب فعلا في التوصل إلى اتفاقية مع إيران.

صحيح أن إيران وجهت من خلال حلفائها صفعات متتالية لمجلس التعاون الخليجي وأبهضته بحرب مرتفعة التكاليف إلا أنها تحولت من خلال سياستها إلى مستفز لدول المنطقة التي لا تتخلف عن دفع كل الأثمان حماية لعروشها.. ولقد كان لتصرف إيران بتحريك القوى الشيعية في الإقليم دورا بارزا في خلق مناخ التوتر والهلع لدى دول الخليج لاسيما السعودية التي تجد في تحرك إيران إقليميا استهدافا لأمن المملكة بإثارة القلاقل في المنطقة الشرقية من المملكة حيث الكثافة الشيعية.

إيران ودول الخليج:

تفكك مجلس التعاون الخليجي وتفكك التحالف العربي وبقيت السعودية وحدها في مواجهة أخطار محدقة حولها ولم يكن نتيجة تدخلها في العراق إلا أن دمرت هويته العربية وتكوينه السني وأصبحت إيران المتنفذ الرئيسي في العراق كما أن تدخلها في سورية دفع بسورية العربية لتصبح رهينة للروس بما يشبه الاحتلال العسكري الروسي وكذا تمدد النفوذ الإيراني وفي اليمن بالإضافة للخسارات المالية الفادحة هاهو أمن المملكة يتعرض للأخطار والإهانة من قبل الحوثيين فيما تماطل الإدارة الأمريكية من انجاز دفاع جوي حقيقي للمملكة.. وهذه هي النهاية  التي خططت لها أمريكا بإتقان بالإضافة إلى الضغوط القضائية والبرلمانية تجاه السعودية ليتكامل الابتزاز إلى حده الأعلى كي تتحول كل إمكانات البلد الكبيرة إلى الخزينة الأمريكية التي تشكو من جوع حقيقي بعد أن بلغت الديون المستحقة على الخزينة ما يقارب 20 تريليون دولار.

وفي المقابل استنفذت إيران قدراتها المتاحة في حروب خارج مجالها لتثبيت حضورها الإقليمي وكان وجودها في الملفات الأخرى دعوة فاقعة لاستدراج الآخرين فخسرت من أبنائها وأموالها وسمعتها في المنطقة فيما تقوم أمريكا بالحصار المستمر والعقوبات الجائرة على الاقتصاد الإيراني وكل مناحي الحياة الأمر الذي انعكس بآثار سلبية على السلم الاجتماعي والاستقرار.. وفي هذا السبيل تجد أمريكا فرصتها بزيادة الضغط على إيران في الداخل الإيراني وفي  المنطقة حيث تبدو المواجهة عنيفة ضد النفوذ الإيراني في المنطقة..

النتيجة الصفرية:

هذا هو الواقع الذي يدعو دويلات الخليج إلى التنازل عن القدس والتساوق مع صفقة القرن والتطبيع مع إسرائيل وسيستمر الضغط الأمريكي والاستدراج إلى مرحلة التقسيم والتمزق في السعودية والإمارات كما خطط برنارد لويس و الإعلان عن عدة دول بدواع طائفية وجهوية.. ويدعو إيران إلى الانكفاء على نفسها وتلقي الضربات القاسية في أكثر من مكان و التحول الى نظام قمعي لقوى الشعب الإيراني الذي يتعرض لأوضاع معيشية قاسية ومحاولات التغيير وانغلاقه في دائرة الطائفة و قضاياها الإقليمية.

هل نرى الى أي حد يتطابق هذا مع قول برنارد لويس مهندس فكرة سايكس بيكو الثانية :”إن الحلَّ السليم للتعامل مع العرب والمسلمين هو إعادة احتلالهم واستعمارهم، وتدمير ثقافتهم الدينية وتطبيقاتها الاجتماعية، إنه من الضروري إعادة تقسيم الأقطار العربية والإسلامية إلي وحدات عشائرية وطائفية، ويجب أن يكون شعار أمريكا في ذلك، إما أن نضعهم تحت سيادتنا، أو ندعهم ليدمروا حضارتنا، وخلال هذا الاستعمار الجديد لا مانع أن تقدم أمريكا بالضغط علي قيادتهم الإسلامية- دون مجاملة ولا لين ولا هوادة- ليخلصوا شعوبهم من المعتقدات الإسلامية الفاسدة، ولذلك يجب استثمار التناقضات العرقية، والعصبيات القبلية والطائفية فيها، قبل أن تغزوها أمريكا وأوروبا لتدمر الحضارة فيها”

لكن يبقى للعرب أن تتحرك دولهم الوازنة بسياسة عملية حقيقية ذات رؤية إستراتيجية حضارية تتجاوز هذا العبث تملأ فراغا ترك عشرات السنين تحركت فيه دول الخليج محدودة الطموح وقاصرة لنظر أو دول إقليمية تعبث في المنطقة العربية.. تحرك عربي وازن يطرح القضايا الإستراتيجية على الجوار العربي لتفاهمات عميقة تحقق الجيرة الحسنة والتعاون الاستراتيجي والله غالب على أمره.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك