الصحراء والعرب واستقالة هيئة نيويورك

هل من دور جديد للجزائر؟

بقلم احسن خلاص

بعد أن فعلتها الإمارات العربية المتحدة ها هي المملكة الأردنية الهاشمية تعتزم فتح قنصلية لها في مدينة العيون المحتلة من طرف المغرب، ليس لرعاية مصالح رعايا إماراتيين وأردنيين بل كتعبير رمزي عن مساندة احتلال المغرب للأراضي الصحراوية ودعم ما تسميه الوحدة الترابية المغربية واعتراف صارخ ووقح بسيادة المغرب على الصحراء الغربية بعيدا عن الشرعية الدولية.

تمر هذه المقاطع المسرحية أمام مرآى ومسمع العالم وعجر تام عن أي رد فعل من الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي والبلدان المؤيدة لحق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره عبر استفتاء نزيه ترعاه الأمم المتحدة. وتواصل ملكيات وإمارات عربية ركوب موجة الفوضى الدولية القائمة وعجز الأمم المتحدة عن الحفاظ على الحد الأدنى من مهمتها التي بدأت عام 1991 دون أن تؤديها على وجهها الأكمل.

لا تزال المواجهات الجديدة بين نظام المخزن المغربي وجبهة البوليساريو تسقط الأقنعة عن نوايا العديد من الدول العربية التي تعمل على فك الارتباط بين العرب وبين مثل السلام والحرية وبين الدفاع عن حق الشعوب في تقرير مصيرها وإقامة دولها وفق ما تمليه الشرعية الدولية. فإذا كانت القضية الفلسطينية قد فقدت قداستها عند العرب منذ أن دنستها مصر عام 1978 فماذا ننتظر من الموقف العربي تجاه القضية الصحراوية التي انتقلت بها بعض الأنظمة الملكية العربية من اعتبارها نزاعا بينيا بين الجزائر وموريتانيا من جانب والمغرب من جانب آخر ثم اعتبارها شأننا أمميا قبل أن ينتهي الأمر ببعضها لإعلان موقفها المنحاز صراحة لصف المحتل المغربي.

منذ ظهور قضية الصحراء الغربية لم يكن العرب يجدون أي مجال للتدخل فيها سرا أو علانية فباستثناء ليبيا والجزائر لم يكن لأحد من الدول العربية أي موقف داعم للصحراويين في كفاحهم التحرري ضد المحتل المغربي وقبل ذلك ضد المحتل الإسباني وبالنظر إلى الصراع الإيديولوجي القائم بين الشرق السوفياتي والغرب الأمريكي فقد كان دعم الكفاح الصحراوي منحصرا أساسا على البلدان المنحازة إلى المعسكر الشرقي والبلدان الإفريقية التي استكملت تحررها حديثا بينما فضل الكثير من البلدان التي اختارت الأنظمة الليبرالية النأي بنفسها عن الخوض في القضية حيث لم تدعم الكفاح الصحراوي غير أنها لم تعترف صراحة للمغرب بأي سيادة على الأراضي الصحراوية المحتلة.

لم تكن القضية الصحراوية يوما في جدول أعمال الجامعة العربية إذ لم تكن تعتبرها ملف نزاع بين دولتين عربيتين مثل ما حاول المغرب دائما تقديم الكفاح الصحراوي على أنه نزاع بين الجزائر والمغرب وحله ينطلق من تفاهمات بين البلدين برعاية عربية أو إفريقية أو حتى أممية. وفضل عرب الجامعة ترك الملف الصحراوي بين أيدي الأمم المتحدة التي تولت تنفيذ مسار السلام عبر الاستفتاء.

ولعل ما دفع الإمارات العربية والأردن، ومن يدري لعل هناك بلدانا أخرى ستحذو حذوهما على غرار قطر أو العربية السعودية والبحرين مقابل عودة المغرب إلى الجبهة اليمنية، هو التراجع الصارخ الذي يشهده العمل العربي المشترك والموت الإكلينيكي الذي دخلت فيه الجامعة العربية والذي تزامن مع تراجع رهيب لدور الأمم المتحدة المتجسد في عدم إرسال مبعوث أممي جديد وغياب الرغبة في الإسراع إلى العودة إلى المفاوضات ولا حتى حماية المدنيين الصحراويين من الانتهاكات التي يتعرضون لها على يد نظام المخزن.

لقد أظهرت بلدان عربية لاسيما دول مجلس التعاون الخليجي وبلدان أخرى نفورا واضحا من أي حلول ضمن منظومة الشرعية الدولية وصارت تنزع إلى الحلول التي تفرضها التوازنات الإقليمية وقد ظهرت هذه التوجهات في ليبيا واليمن كما ظهرت في السودان وها هي اليوم تلج ملف الصحراء الغربية. صارت هذه الدول تزعجها المبادئ الأممية الداعمة لتقرير مصير الشعوب بل أصبحت توجه مساعيها من أجل القضاء على هذا المبدأ فهي لا تحتاج إلى الأمم المتحدة إلا لبحث الشرعية الدولية لأي اعتداء على دولة من الدول عن طريق مجلس الأمن عبر الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.

وأمام هذا التراجع الرهيب للمنظومات الإقليمية والدولية والهوان الرهيب الذي اكتنف الاتحاد الإفريقي ما الذي بقي أمام البلدان المدافعة عن تحرر الشعوب وتصفية ما بقي من الاحتلال مثل الجزائر وجنوب إفريقيا وبلدان أخرى من أمريكا اللاتينية ولمنظمات غير حكومية في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية؟

ولابد من الاعتراف بأن لتراجع الديبلوماسية الجزائرية خلال العشرية الأخيرة دورا في تراجع التيارات التحررية في العالم لحساب طغيان التحالفات الإقليمية المنازعة للشرعية الأممية التي تراجعت كثيرا في عهد أنطونيو غوتيريس عن لعب دورها في حل المنازعات الإقليمية بعدم تجديد البعثات الأممية في الصحراء وليبيا واليمن وترك المجال لموازين القوة لتفصل فيها.

أليس من الضروري لبلد مثل الجزائر أن يستوعب هذه الحقيقة، حقيقة نهاية الحلول المارة عبر الشرعية الدولية؟ وأن العهد الذي نعيشه اليوم هو عهد توازن القوى الإقليمية؟ وقبل ذلك أليس من الضروري أن تعد الجزائر جبهتها الداخلية لمواجهات تحديات جديدة مختلفة تماما عن التحديات التقليدية التي رسمتها خارطة للعلاقات الدولية تمزقت ولم تعد صالحة لقراءة تضاريس التوازنات الدولية المتحركة بمنطق مختلف تماما على ما كانت عليه خلال بضع سنوات فقط؟ أليس من الضروري أن يحدث وفاق وطني حول الخيارات والاستراتيجيات الواجب اتباعها أمام الواقع الجديد؟ أسئلة تنتظر أن تطرح قبل أن تنتظر الإجابة.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك