الصحراء الغربية في أجندات المعارضة

التأييد الذي غاب عن الواقع

بقلم احسن خلاص

تدخل جولات الصراع الدائرة في محيط الجزائر الإقليمي ضمن الملفات التي تستبعدها الأحزاب السياسية الجزائرية من أجنداتها في غالب الأحيان فلا هي تهتم بمناقشة الموقف الرسمي للدولة الجزائرية ولا ببلورة برنامج عمل سياسي يتوافق مع قناعاتها ووجهات نظرها سواء توافقت مع مقاربة السلطة أم جانبتها. وإذا ما استثنينا الهامش المتاح للاختلاف بشأن القضية الفلسطينية فإن قضايا أخرى مثل الأزمات الليبية والمالية والتطورات التي تعرفها قضية الصحراء الغربية لا تطفو على سطح اهتمامات الأحزاب التي تركن عادة لسبات عميق لا تستيقظ منه إلا عندما تقرع طبول الانتخابات.

وإن كان يمكن أن يتخذ مناخ الأزمة الصحية مبررا للجمود السائد لدى الأحزاب السياسية إزاء الأوضاع القائمة قريبا من حدودنا الغربية إلا أن أكثر التشكيلات السياسية التي عرفت بنشاطها في سبيل دعم أو رفض التعديلات الدستورية قبل أقل من شهر لم نجد له أثرا وهو ما ترك المجال واسعا لحزب جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي لاحتلال الساحة والتحرك تجاه نصرة الشعب الصحراوي في المنعرج الجديد الذي يعرفه كفاحه من أجل تقرير مصيره.

لكن، لماذا لا تتحرك الأحزاب السياسية المعارضة ذات التوجه الإسلامي أو العلماني إزاء هذه القضايا الإقليمية، ولماذا فضلت النأي بنفسها وتركت منظمات من المجتمع المدني تتحرك تحت مظلة السلطة رفقة الأحزاب التقليدية التي اعتادت مرافقة السلطة في مواقفها الدولية منذ أمد بعيد إذا ما استثنينا الموقف الناشز الذي اتخذه عمار سعداني وهو على رأس الأمانة العامة لحزب جبهة التحرير الوطني.

وإذا عدنا إلى أدبيات أحزاب المعارضة في الجزائر لا نجد حزبا واحد انفرد بموقف مخالف للموقف الثابت للدولة الجزائرية تجاه القضية الصحراوية وقد نجد المنحى ذاته عندما يتعلق الأمر بالقضية الليبية أو المالية غير أنها لا تسعى عادة للدفاع عن موقف مؤيد من خلال إصدار بيانات أو عقد ندوات وتجمعات تأييد فضلا عن تنظيم قوافل مساعدات للاجئين الصحراويين مثل ما تفعل مع الشعب الفلسطيني في قطاع غزة أو شعب الروهينغا في بنغلاديش، لقد تركت الأمر لمنظمات مدنية يتقدمها الهلال الأحمر الجزائري الذي تتعدى مهمته البعد الإنساني إلى البعد التاريخي باعتبار إنشاء هذه المنظمة الإغاثية خلال حرب التحرير.

وتبرر الأحزاب السياسية المعارضة صمتها تجاه القضايا الدولية انطلاقا من أن السياسة الخارجية للجزائر من اختصاص السلطات العليا للبلاد ورئيس الدولة بالأخص غير أن وراء إحجامها يكمن التوجه نحو الابتعاد عن الإحراج الذي قد يسببه اقتحام هذا المجال تجاه الشركاء السياسيين الفاعلين لدى هذه الدول لاسيما المغرب الذي يعد حزب العدالة والتنمية الإسلامي شريكا دوليا لحركة مجتمع السلم في الجزائر ضمن المنتظم الإخواني الدولي. والملفت أن اختلاف المواقف الرسمية بين الحزبين تجاه قضية الصحراء الغربية لم يكن يفسد للروابط التي تجمعهما قضية بالرغم من أن حزب العدالة والتنمية هو الذي يقود الحكومة في شخص وزير الخارجية الأسبق سعد الدين العثماني الذي سبق أن زار الجزائر بدعوة من حركة مجتمع السلم.

وتسارع الأحزاب اليسارية والعلمانية بالرغم من أن مواقفها المبدئية لا تشذ عن مواقف الدولة الجزائرية، إلى تبني مقاربة أخرى تنطلق من ضرورة الوصول إلى تكامل مغاربي جديد تصنعه الشعوب بدل أن تصنعه الحكومات وهي من خلال احتكاكها بأحزاب تشاركها التوجهات السياسية والإيديولوجية في المنطقة المغاربية توجه مساعيها نحو تكامل النضال حول موضوعات دمقرطة الأنظمة وترسيخ الحريات وحقوق الإنسان. وتنطلق هذه الأحزاب مما تعتبره من المسلمات وهو أن إرساء اتحاد مغاربي ديمقراطي من شأنه أن يتيح السبيل لحل جميع المشكلات العالقة في المنطقة بما فيها سعي الشعب الصحراوي لتقرير مصيره وأن الإبقاء على الوضع كما كان لا يمكن أن يخدم إلا الأنظمة على حساب شعوب المنطقة.

لقد ورث المجتمع المدني من أحزاب سياسية وحركة جمعوية القضية الصحراوي كموقف رسمي جاهز وثابت لم يخضع يوما لنقاش وطني هادئ يجعل الفاعلين السياسيين ينخرطون في الحل الأمثل ويسعون لتجسيده خدمة لاستقرار المنطقة المغاربية وتنميتها ضمن تكتل إقليمي لمواجهة تحديات لم يعد بمقدور أي بلد مواجهتها لوحده.

وأمام إخلاء الساحة الإقليمية لأحزاب السلطة تركت الأحزاب المعارضة المجال فارغا دون توجيه أو تأطير وتركت أمر الدفاع عن موقف الجزائر الداعي إلى الدفاع عن حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره وفق الشرعية الدولية للقنوات والأدوات التقليدية التي لم تتطور منذ عشرات السنين في الوقت الذي تطور منظمات وأحزاب أوروبية أساليب أخرى للتحرك ضمن مجال حماية حقوق الإنسان من خلال الضغط على حكومات بلدانها للتدخل لحماية الشعب الصحراوي وتمكينه من جميع حقوقه وعلى رأسها حقه في تقرير مصيره.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك