السودان.. بين العلمانية والفيضان وإثيوبيا

خسارة!!

بقلم: صالح عوض

سلة العرب الغذائية تتعرض لثلاثي البلاء علمانية وفيضان وإثيوبيا.. فاض النيل ولم يجد بنية تحتية تستوعبه وجد الفقراء يتصدون له بأكفهم العزلاء.. عندما تمد نظرك مع النيل الأزرق والنيل الأبيض والروافد الساعية إليهما بكرم جم وما يحيط النيلين قبل توحدهما وبعد ان يلتحما من ارض تنبت من الفواكه والخضروات ما يجعلك تحس إن المكان ممتلئ بالطمأنينة إلى وفرة الرزق الحلال القريب من شمال السودان إلى أجزائه المترامية ان كتب لك التنقل، فإن إحساسا مدهشا يجتاحك لعله ناتج عن الطاقة الايجابية لناس جبلوا على الطيبة والكرم والهدوء والوداعة .. وإن ركبت النيل في قارب يمخر مجراه والتفت ذات اليمين وذات الشمال فإنك تفرغ ما في جنبيك من قلق وارق لتعيش مع أبناء الأرض بعشق وود وسلام.. وفجأة فاض النيل.

الشعب والجغرافيا:

عرب السودان قبائل عربية تعتز بنسبها وأنها مردت على السعة والتنقل ورفض الضغط وحكم الدولة المستبدة، لذلك كانت ثورات أهل السودان على أنظمة الحكم سمة رئيسية في أهل البلاد كما أحب أن يشير ذات مرة الشيخ المرحوم حسن عبد الله الترابي في رده على أحمد منصور وهو يلاحظ الفرق بين المصريين والسودانيين : “نحن في السودان يمتد نظرنا للأفق البعيد نتنقل بلا قيود وأما في مصر فهناك فرعون وهامان وجنودهما”.. كل هذا مع سخونة الجو وميل إلى البساطة في القول والسلوك يدعو إلى ميلاد أدب وفن بلون خاص يمثل إضافة حقيقية للأدب العربي هو اقرب للحديث عن جوانية الإنسان وطموحاته العميقة يميل إلى الصوفية أكثر منه إلى الفلسفة، وكل من اقترب من الثقافة والآداب في السودان أدرك أن البلد ذخر بتنوع من حيث الشعر والنثر والموسيقى، بالرغم من تعدد اللغات والثقافات في السودان، ورغم ان اللغة العربية كانت محصورة في حيز من السكان لا يزيد عن 20 بالمائة قبل سنة 1961 إلا أنها تمددت بفعل جهود كبيرة للعلماء والأدباء حتى عادت لغة التخاطب بين الجميع حتى تلك القبائل الفيقية التي لا تعرف لغة تخاطب بينها والقبائل الأخرى إلا بالعربية.. ونشأت حركة أدبية في السودان وتطورت لتضاهي مثيلاتها في العالم العربي. وبرزت أسماء لامعة مثل الطيب صالح عبقري الرواية العربية، والبروفسور عبد الله الطيب مؤلف المرشد إلى فهم قصائد العرب وصناعتها (خمس مجلدات)، وليلى أبو العلا، والشاعر محمد مفتاح الفيتورى والتيجاني يوسف بشير وغيرهم..

والعارفون بالموسيقى يقولون ان للسودان موسيقى متميزة تقوم على السلم الخماسي وهو السلم الموسيقي الذي تنتمي إليه موسيقى الصين، واسكتلندا وبورتو ريكو وموريتانيا وجنوب المغرب وإثيوبيا وأريتريا والصومال. وترجع جذور الموسيقى السودانية الحديثة إلى أناشيد المديح الصوفي.. وفي هذا حديث يطول عن فن الموسيقى وامتزاجها بالموسيقى الإفريقية والنوبية لتخرج نمطا خاصا يمنح الذوق العربي بعدا جديدا.. ويمكن الحديث عن أعمال سينمائية متواضعة لكنها لا تخلو من البحث عن عميق الوجدان الإنساني بطريقة متأنية والميل إلى القصص التراثية كقصة تاجوج التي تشبه إلى حد بعيد قصة مجنون ليلى وهي أفلام قصيرة حاز بعضها جوائز دولية، كما أن هناك المسرح القومي في السودان الذي أسس لميلاد جيل من المخرجين والممثلين وأنتج المسرح السوداني مختلف الأعمال المسرحية على مختلف المدارس من المدرسة الكلاسيكية الرومانسية والعبثية والرمزية والواقعية.

السودان بأرضه الشاسعة وما تزخر به من خيرات تكللت باكتشافات معتبرة من البترول والدهب وبملايينه العديدة وما تحتويه من طاقات إبداعية على مستوى الفكر والأدب والفن عمق عربي استراتيجي يمنح العرب فرصتهم في واقع الامتداد في القرن الإفريقي ومستقبل الأمن الغذائي العربي.. وهو مع كل هذا يقدم نموذجا متميزا يغني الأدب والفن العربييْن.

على بوابة القرن الإفريقي يقف السودان مجاورا سبع دول إفريقية يتداخل العربي فيها بالإفريقي، مما يعطي للموقع حساسية خاصة بمساحة تقترب من مليوني كيلومتر مربع وبسكان يزيدون عن 35 مليون نسمة، وبموارد طبيعية بكر لم تمتد إليها يد الإنسان، وهي سلة غذاء العرب في معركة الصراع على الغذاء القادمة، ويمتد على البحر الأحمر مشكِّلا معبرا وحيدا لدول مغلقة في أعماق إفريقيا.. وللسودان امتداد نفوذ في إفريقيا المجاورة وله فيها مكانة الشيخ بالمريدين ولا يتردد السودان عن فتح ذراعيه لأبناء الدول المجاورة اريتريين وأثيوبيين وتشاديين وصوماليين ومن جنوب السودان ويبلغ عدد المتواجدين فيه- ومعظمهم بإقامات غير رسمية-  فوق الخمسة ملايين شخص يعملون ويتمتعون بكامل الحقوق.

الموقع والغذاء:

  وهنا لابد من الإشارة إلى مسألتين؛ الأولى تلك التي تتعلق بالموقع الجيوسياسي، والثانية المخزون الاستراتيجي من حيث الغذاء والمياه. وتكامل هاتين المسألتين يعني أننا نحدد ملامح السودان وأهميته وملامح قضيته في الحس العربي والمستقبل العربي.

نعطي بعض الأرقام لعلها تكون كافية أن تصدم عدم مبالاتنا وتركنا لنعم الله التي تجري بيننا دونما تدبر، ففي السودان تتنوع أصناف الحيوان “جمال وأبقار وأغنام وضأن” ويقدر عددها بـ110 مليون رأس تم إحصاؤها، وهناك ملايين الأبقار التي ترعى من دون إحصاء في مراع شاسعة تزيدها الأمطار والنيل بفرعيه وروافده العديدة خصبا وحيوية.. كما أن الثروة السمكية التي يوفرها النيل والبحر الأحمر تعد ثروة سمكية ضخمة يقدر مخزونها بـ110 ألف طن في العام، وفي السودان توجد كميات مذهلة من الذهب والفضة والكروم والزنك واحتياطي كبير من البترول والغاز الطبيعي، وتوجد الأراضي الشاسعة على مد طول وعرض السودان تصلح للزراعة بأرخص التكلفات وذلك لتوفر المياه وخصوبة الأرض.. ويكفي أن نعرف أن الأراضي الخصبة المسطحة متوفرة المياه تبلغ مساحتها أكثر من 100 مليون هكتار، تصلح لإنتاج تنوع مزروعات لا يجتمع لسواها، ويتربع السكر والزيت على رأسها، والغابات تغطي 12% من أراضي السودان.

أما الموقع الجيوسياسي فيكفي أن نشير إلى أن السودان يتحكم في مفاتيح القرن الإفريقي سياسيا وثقافيا، ولقد عاد السودان موئلا لشعوب الإقليم من حيث المعيشة والثقافة بقيام السودان بمهمة رسالية بالتعريف بالإسلام والعربية، من خلال معاهده وجامعاته المتخصصة في هذا المجال، ورغم أن الأجهزة الأمنية الصهيونية وبدعم فرنسي وأمريكي قامت بتحشيد قوى إقليمية وداخلية لتفتيت السودان، إلا أن الجغرافيا أصرت على إسقاط الدخيل المصطنع وواجهت وحدة السودان الجغرافية الحديثة اهتزازات كادت تعصف به، ونحن نرى كل دول المحيط تتآمر عليه بعمل عسكري تخريبي، وتعد القواعد العسكرية للمتمردين على كل حدوده وتقوم بتسريب السلاح للمجموعات المتمردة، التي كانت قوى الانفصال الجنوبي على رأسها، حيث كانت تتمتع بحضور لدى كل دول الإقليم، وبعد أن فرضوا على السودان خيارا اضطراريا، أما أن يتخلى عن جنوبه أو يتبعثر إلى أكثر من كيان سياسي متناحر، ترك الأمر لاستفتاء غير علمي وغير صحيح البتة وتم التزوير فيه باعلى وتيرة، خرج بنتيجة الانفصال الذي أهدى هديته الأولى للكيان الصهيوني بزيارة رئيس جنوب السودان في 20 ديسمبر 2011  تل أبيب في أول خروج له، مؤكدا من خلال تصريحات بثتها شبكات التلفزيون والإعلام أنه لولا إسرائيل لما قامت دولة جنوب السودان.. وكان الكيان الصهيوني يدعم التمرد الجنوبي الذي دام 22 عاما ضد الدولة السودان.

قضايا السودان:

هذا البلد الذي يكاد يكون مغيبا من وسائل الإعلام والاهتمام السياسي من قبل النظام العربي، يزخر بأنواع التعدد الاستراتيجي من حيث الثروة والموقع الجيوسياسي.. ولعل هذا أم القضايا أجمع، التي تفسر بوضوح أننا نقع تحت ضغط توجيهات غربية لصرفنا عن إمكانياتنا الطبيعية، واضطرارنا إلى التسوّل على أبواب الغرب وشركاته في مجالات عديدة، على رأسها الغذاء لتستمر عملية تبعيتنا.. فمثلا نترك اللحوم والثروة الحيوانية السودانية الضخمة ورغم تدني سعر تكلفتها لنستورد من أمريكا اللاتينية أو استراليا بأسعار مضاعفة، ونترك وفرة القمح والفواكه الموسمية لنستورد من أوكرانيا قمحا مسرطنا ومن أمريكا اللاتينية فواكه تنتشر بكثرة في السودان.

وتعرض السودان بفعل خياراته السياسية وتمسكه بالقضية العربية المركزية فلسطين إلى اعتداءات صهيونية أمريكية متكررة، من خلال قصف مستشفياته ومعامل الأدوية وقتل مواطنين أبرياء، ومن ثم فرض عقوبات مست كل أنواع الحياة في السودان، وفرض قوانين دولية تلاحق قياداته وتضعهم على قوائم الأنتربول الدولي.. واستمر الضغط لتفجير السودان إلى أقاليم متناثرة في دارفور وكردفان وسوى ذلك من ولايات.

خاض السودان معركة الوجود وحيدا وهو مهدد بتقسيم بلده إلى خمسة أقاليم، لتصبح إسرائيل جارتهم الإفريقية، كما أنه في ظل التقسيم سيؤدي التناحر القبلي إلى انتشار الإرهاب، وأن غياب دولة سودانية جامعة مانعة يعني أن بلاد السودان ستصدِّر الإرهاب والسلاح لكل المنطقة العربية، كما هو حال ليبيا الآن وأسوأ من ذلك.

جاء الانقلاب الأخير في السودان بعد سلسلة تظاهرات نظمتها قوى سياسية سودانية تعيش حالة ثأر مع النظام السابق وتوجهاته الإيديولوجية بعد أن ازداد الضغط الدولي والإقليمي.. ومن  خلال عملية تلفيقية بين بعض القوى السياسية وضباط الانقلاب تم التوصل إلى صيغ حكم هشة ولكن العلمانيين تحركوا تحت سقفها بأكبر عملية اجتثاث الحزب السابق من دواليب الحكم الأمر الذي يعني مباشرة تجويف الدولة و إقصاء الكوادر والطاقات بدون اتهامات إلا الانتماء للعهد السابق مما ترتيب عليه تأزم أعمق في إدارة البلاد و ازدياد حالة البطالة والفقر وعدم توفر السلع التموينية.. وذهب بعض عسكر السودان إلى الاعتقاد ان اعترافهم بالكيان الصهيوني سيرفع عنهم الحصار والعقوبات الأمريكية كما اعتقدوا قبل ذلك بان تخلصهم من الجنوب سيرفع عنهم الحصار واعتقدوا أن إخراج الشيخ حسن الترابي من الدولة سيوفر لهم رضى الإقليم ويهيئ لهم فرصة الاعتراف بهم ومن الواضح ان انخراط العسكر السابقين واللاحقين في الحرب على اليمن في ركاب السعوديين والإماراتيين كان بقصد العمل على رفع الحصار والعقوبات.. فكان ذلك ضنكا بعد ضنك

وترافق هذا مع أزمة سد النهضة في إثيوبيا بما يمثله من تحد وجودي لمنطقة النيل الأزرق كلها بل وكل حواضر السودان على النيل.. ورغم ان السودان حاول طيلة الوقت تجنب الأزمة الا ان التوجه الذي تقوده حكومة اديس أبابا لا تخفى دلالته في خنق مصر وتدمير السودان ولا تجدي كل التصرفات الاحترازية التي تقوم بها الحكومة المصرية اليوم من تجريف للبيوت في الدلتا لعلها توفر أرضا خصبة تحوطا من مستقبل صعب والتصرفات السودانية التي ما انفكت تعلن أنه بإمكانها التفاهم مع اديس أبابا إلا أنها في نهاية المطاف اكتشفت النوايا الإثيوبية السيئة.

وجاءت الضربة الثالثة حيث يعيش السودان منذ أيام كارثة طبيعية بسبب فيضان نهر النيل نتجت عنها أزمات إنسانية مع وفاة أكثر من مئة شخص وهدم أكثر من مئة ألف منزل، جزئيا أو كليا، و تضرر أكثر من نصف مليون شخص وارتفع منسوب مياه نهر النيل الأزرق، الذي يلتقي النيل الأبيض في الخرطوم، بشكل وصفه الخبراء والمسؤولون بالتاريخي والذي “لم يشهدوه منذ بدء رصد مستوى المياه في النهر عام 1902”.. فكانت فيضانات هذه السنة هي الأكبر والأشد ضررا، متجاوزة في دمارها فيضانات عامي 1946 و1988 التي كانت تعتبر الأسوأ.

وربط البعض، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، الفيضان بسد النهضة المتنازع عليه بين أثيوبيا ومصر.. بينما قال آخرون إن مصر بيدها إنقاذ السودان لو فتحت بوابات السد العالي!.. لكن خبراء ومسؤولين سودانيين نفوا علاقة سد النهضة بالفيضان، وأكدوا على عدم صحة “فرضية” تخفيف الضرر برفع بوابات السد العالي في أسوان المصرية. 

أمنيا واستراتيجيا، يوفر استقرار السودان حصانة عربية إستراتيجية للأمن القومي العربي، لاسيما لمصر وبلاد المغرب العربي، كما أنه تمدد للنفوذ العربي في مواجهة النفوذ الصهيوني في إفريقيا. واستراتيجيا يكون استقرار السودان فرصة كبيرة للاستثمار العربي في منطقة هي الأخصب في بلداننا العربية، يمكنها أن تغطي كل احتياجاتنا الغذائية وتوفر لنا فرص القرار السياسي المستقلّ غير المرهون بالتبعية الغذائية للغرب الاستعماري. واستراتيجيا أيضا يمكن النظر إلى هذا البلد على اعتبار أنه يمثل رأس القرن الإفريقي، وحماية خاصرة العرب الإستراتيجية بالقرب من باب المندب، وبذلك يكون البحر الأحمر بحيرة عربية بامتياز.

  هذا البلد العربي بمنزلة الركيزة الأساسية للأمن الغذائي العربي والأمن الاستراتيجي العربي. فهل من سبيل الى وقوف عربي مع بلد كريم يعتز بانتمائه لهم ويمر بكارثة كبرى؟ بالتأكيد لا تغري وجوه السودانيين الكرام المتعبة السيد ماكرون بزيارة نجدة لانه بكل بساطة لن يجد صدورا تعانق وأفواها مفتحة فرحا بقدوم المستعمر القديم.. في السودان شعب كريم أصيل صبور ولكن ما أحوج العرب للسودان والله غالب على أمره.

  

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك