“الزنجيّة”…غوص في عمق جراح الأنثى الإفريقية

الروائية الجزائرية عائشة بَنـُور، حصريا لـ" الوسط"

فتحت الروائية الجزائرية عائشة بَنـُور قلبها ليومية” الوسط” في هذا الحوار الحصري الذي كشفت فيه عن روايتها الجديدة “الزنجيّة” الصادرة حديثا عن دار خيال للنشر والترجمة، والتي تطرقت فيها لمعاناة المرأة الإفريقية من التمييز العنصري، إذ قال عن هذه الرواية الأديب والناقد السوداني عزالدين ميرغني في مقدمته لها “أنها إضافة للرواية العربية والإفريقية”.  كما أن ” لابنة المعمورة “العديد من الإصدارات الروائية منها اعترافات امرأة، سقوط فارس الأحلام ، السّوط والصدى، نساء في الجحيم ، ..ليست كباقي النساء!! الموؤدة تسأل..فمن يجيب؟!، مخالب، ولقد ترجمت أعمالها إلى الفرنسية والإنجليزية والإسبانية وتحصلت على العديد من الجوائز العربية والدولية، حيث أننا نجدها في مختلف أعمالها الأدبية تنتصر للمرأة العربية ، كما أن إبداعاتها تحمل الكثير من الرسائل والمعاني الهادفة لصالح الفرد والمجتمع، كذلك حظيت مؤخرا بتكريم من طرف مركز الدراسات العربية والإفريقية بجامعة جواهر لال نهرو، نيودلهي ( الهند ) وأكاديمية التميز بالهند والمنظمة العالمية للإبداع من أجل السلام ( لندن)،  وقبله  تم تكريمها كأفضل الشخصيات الإنسانية لعام 2019 من مديرة المنظمة الدولية لريادة الأعمال ودعم المرأة الدكتورة حنان حنا رزق و الدكتور جابر كامل رئيس مجلس إدارة الأكاديمية الدولية للعلوم الإنسانية على اثر زيارتها لمعرض القاهرة الدولي.وتحدثت هذه الأديبة الخلوقة عبر هذا اللقاء الشيق عن نشاطاتها في العديد من الندوات الافتراضية على الإنترنت والتي تتزامن مع جائحة كورونا و فترة الحجر الصحي والتي شهدت مشاركة لجهابذة الأدب والنقد في الوطن العربي ،وبالتالي فإن مثل هذه الندوات مع مبدعي الحرف العربي ستساهم في إثراء النقاش وتبادل الآراء ووجهات النظر في مسائل عديدة تهم المثقف الكوني بصفة عامة.
بداية ، صدرت لك حديثا رواية جديدة “الزنجيّة” ، فهل لك أن تكشفي للقارئ عن مجريات أحداثها ؟
تلج رواية “الزنجيّة” في الفجوات المسكوت عنها، فتغوص في عمق جراح الأنثى الإفريقية وتختزل واقعا مريرا تعيشه المرأة خاصة في بلدان إفريقيا السوداء وبالضبط في النيجر مسرح أحداث هذه الرواية وتطورها، حيث تتحرك فيها البطلة بلانكا، أو الأنثى الإفريقية الزنجيّة في نفق التقاليد وتتخبط في دوامة الجهل والقهر والعنف كتعرضها للعنف النفسي والجسدي والجنسي وما ينجر عنه من آثار نفسية وسلوكية تنعكس على حياتها الكاملة مستقبلا كظاهرة ختان الفتيات وهن في عمر الزهور وكذلك في مواجهة آثار الصراعات القبلية والحروب والانقلابات.
البطلة بلانكا وزوجها فريكي يقرّران الهجرة  إلى بلد  شمالي يحلمان العيش فيه تحت سقف مع رغيف خبز واطمئنان. لكن يحدث لهم في البلد الحلم ما لم يكن في الحسبان، يجدان واقعا آخر يبخّر أحلامهما.
ما هي أبرز المواضيع التي سلطت عليها الضوء في هذا العمل الأدبي ؟
تتعرض الرواية إلى وجه آخر من المعاناة الإنسانية،  العنصرية والعنف ضد الفتيات، ظاهرة التمييز العنصري واستمراره والذي يعاني منه الأفارقة في الدول الأجنبية وما ينجر عن ذلك من معاناة نفسية رهيبة يعيشوها هؤلاء، هي أمور تشكل انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان ، الرواية تناهض العنصرية والظلم وذلك من خلال أشعار سنغور التي كانت الضوء بالنسبة للبطلة بلانكا “لأنك سوداء فأنتِ جميلة”في مشوارها الصعب، كذلك الرواية لم تغفل عن التراث الإفريقي الساحر و الزاخر بالألوان والطقوس وإعطائه البعد الثقافي العالمي وما يتميز به من خصوصية وقيم تاريخية…الخ بالإضافة إلى موضوع الهجرة ونزوح الأعداد الهائلة من الأفارقة وخاصة المرأة والأطفال نحو دول الشمال بحثا عن رغيف الخبز والحياة الكريمة، وما يتعرضون له من مخاطر في شساعة الصحراء هروبا.
عذراء إفريقيا تحوّلت رغم خيراتها وثرواتها إلى مقبرة للموت، و مرتع للفساد، والأمراض كالإيدز والملاريا فأصبح المكان مقموعا، وشخصياته مقهـورة، وتفاعل مأساوي رهيـب تعيشه شخوص الرواية في ظل الخوف من المجهول .
وفي الأخير الرواية كما يقول عنها الناشر هي وجه من أوجه المعاناة الإنسانية، العنصرية تجاه الآخر المختلف طبيعيا لم تغب طيلة تاريخ البشرية الطويل، رغم نضالات الحقوقيين وصراعات الزنوج ضد القهر والاحتقار. وهذا موضوع الساعة من خلال الأحداث التي وقعت في أمريكا مؤخرا وقد حاولت “عائشة بنور” الكتابة عن عالم داخلي مليء بالأسئلة والحيرة الوجودية لأناس لا ذنب لهم سوى أن الطبيعة اختارت لهم لونا لا تزال قوى التخلف تعاديه.
هل تنوين المشاركة بـ “الزنجيّة” في الطبعة 25 من سيلا  2020؟ 
بطبيعة الحال إذا كان هناك معرض دولي للكتاب بالجزائر، ولكن وحسب الظروف الاستثنائية التي يمر بها العالم لا أعتقد ذلك بسبب وباء كورونا 19 .
خضت غمار النشر مع دار خيال للنشر والترجمة ،هل لك أن تحدثينا عن هذه التجربة؟ وكيف كان التعامل مع هذه الدار النشطة؟ 
دار خيال للنشر والترجمة، والمتمثلة في مديرها الشاب الواعد، الروائي رفيق طيبي، هي دار نشر تنبئ بمستقبل يبشر بالخير في مجال النشر والاحترافية، نشطة و راقية في التعامل، شكري لكل طاقمها على الجهد والرقي في التعامل..مع تمنياتي لهم بالتوفيق والتألق.
حدثينا عن مشاركتك في الندوة الدولية الافتراضية عن بعد حول تطور “الرواية الإماراتية”؟
في البداية لم تكن هذه مشاركتي الأولى في الندوة الافتراضية عبر الأنترنيت التي ينظمها مركز الدراسات العربية والإفريقية بجامعة جواهر لال نهرو الذي يديره الدكتور رضوان الرحمان، بالتعاون مع أكاديمية التميز بالهند والمنظمة العالمية للإبداع من أجل السلام، لندن، فقد سبقتها عدّة ندوات منها، الرواية الجزائرية وموضوعها “المشهد الروائي المعاصر في العالم العربي إبداعا ونقدا، رواية الديوان الاسبرطي أنموذجا” للروائي عبد الوهاب عيساوي الفائزة بجائزة البوكر ،حيث أدار الندوة د.مجيب الرحمن، د.قطب الدين، وبمشاركة الروائي عبد الوهاب عيساوي، والناقد، د. شريف الجبار و ،د. أحمد القاضي، د. رفيف رضا وغيرهم من جهابذة الأدب والنقد في الوطن العربي ، وقد تشرفت بتدخل ضمن هذا الملتقى حول الرواية التاريخية والحركة النقدية في العالم العربي.
أما الندوة الافتراضية الأخرى ومن تنظيم نفس الهيئة فقد كانت  الندوة  حول الأدب العربي المعاصر: الآفاق والرؤى لمدة يومين متتالين، وقد شارك فيها كل من الشاعر محمد بنيس (المغرب)، أ.د. اليامين بن تومي (الجزائر)، أ.د. نبيل أحمد عبد العزيز رفاعي (مصر)حيث كانت لي مداخلة حول الأدب الجزائري وازدواجية اللغة.
أما في اليوم الثاني وفي نفس المحور فقد كانت المداخلات من طرف ،أ. عبد الفتاح صبري ( الإمارات) أ.د. أحمد عبد الهادي رشراش ( ليبيا)، أ. شاكر نوري ( روائي عراقي مقيم بالإمارات)، وقد كانت مساهمتي حول السيرة الذاتية للأدباء هل هي إبداع روائي أم جنس أدبي خاص يلجأ إليه الكتاب بعد جفاف المخيلة وعدم القدرة على التخيل في ابتكار عوالم روائية جديدة.، وقد شاد بهذا التدخل الروائي أ. شاكر نوري وأثار ذلك أ. الروائي اللبناني عمر سعيد معلقا على ذلك في صفحته عبر الفايسبوك.
ومؤخرا استضافت أكاديمية التميز بالهند بالتعاون مع قسم اللغة العربية وآدابها بالجامعة العالية بمدينة كلكتا الهند، ومن تنظيم د. سعيد الرحمن رئيس قسم اللغة العربية بالجامعة العالية ندوة دولية افتراضية حول تطور الرواية العربية في دولة الإمارات العربية المتحدة بحضور كوكبة من الأدباء والنقاد الإماراتيين وذلك كل من الروائي عبيد إبراهيم بوملحه والناقدة د. مريم الهاشمي والكاتبة الهنوف محمد رئيسة اتحاد كتاب وأدباء الإمارات والروائية لطيفة الحاج والكاتبة نورة الخوري إضافة إلى مشاركة كتاب ومبدعين من مختلف أنحاء العالم مثل مصر والجزائر والمغرب وتونس وقد كانت لي مداخلة حول حضور الأدب النسوي في الرواية الإماراتية ومواكبته لتحولات العصر.
وقد كانت المشاركات من مختلف أقسام اللغة العربية بالجامعات الهندية والإندونسية والماليزية ومن طليعتهم أ.د مجيب الرحمن و أ.د.حبيب الله خان و د. سيد جهانكير …الخ. وقد بلغ عدد الحضور إلى 270 مشاركا، وقد كتبت عن هذه الندوات الصحف الهندية.
أما الندوة الافتراضية الرابعة عقدها مركز الدراسات العربية والأفريقية بجامعة جواهر لال نهرو، نيو دلهي بالتعاون مع أكاديمية التميز بالهند والمنظمة العالمية للإبداع من أجل السلام بلندن  في 19 جويلية 2020 وكان موضوعها الأدب العربي في المهجر الفرنسي، بحضور الشاعرة والكاتبة وفاء عبد الرزاق (رئيسة ومؤسسة المنظمة العالمية للإبداع من أجل السلام (لندن) وبكلمة افتتاحية عرضت فيها فكرة الأدب الكوني ، د. والروائي واسيني الأعرج. وتجربة الرواية التاريخية، أ.د. أميرة عبد العزيز (أكاديمية وأستاذة في جامعتي أفيري والسوربون في باريس و أثر الأدب العربي في الأدب الفرنسي أدار الندوة أ.د. مجيب الرحمن أستاذ بمركز الدراسات العربية والأفريقية بجامعة جواهر لال نهرو ورئيس مكاتب الهند للمنظمة العالمية للإبداع من أجل السلام بلندن، وقد كانت مداخلتي حول” الرواية التاريخية والسرد التاريخي والفرق بينهما”، وقد بلغ عدد المشاركين 406.
كيف كان شعورك وأنت تكرمين من طرف مركز الدراسات العربية والإفريقية بجامعة جواهر لال نهرو، نيودلهي ( الهند ) وأكاديمية التميز بالهند والمنظمة العالمية للإبداع من أجل السلام ، لندن؟
وسام شرف كبير أعتز به، تثمين الجهد مهم ، يحفز على العمل وما انضمامي لمثل هذه الندوات الأدبية إلا كوني شغوفة بمثل هذه اللقاءات الأدبية والفكرية، فمثل هذه النشاطات الثقافية المهمة والتي للأسف لا توجد في بلادنا لها دور كبير في تفعيل الحركة الثقافية والفكرية للمجتمعات وتنويرها، وبالتالي لا يسعني من هذا المنبر الإعلامي إلّا أن أوجه كل الشكر والتقدير إلى مركز الدراسات العربية والإفريقية بجامعة جواهر لال نهرو، نيودلهي ( الهند ) وأكاديمية التميز بالهند والمنظمة العالمية للإبداع من أجل السلام ، (لندن) ، على هذا التقديـر..
كيف كان تعامل النخبة مع جائحة كورونا حسب رؤيتك الخاصة ؟ 
كورونا أزمة إنسانية عادت بالإنسانية إلى وقفة مع الذات وإلى التفكير في علاقتنا بالأرض والطبيعة والتي حاول الإنسان قهرها، وإلى التفكير بعلاقاتنا الإنسانية التي طغت عليها الماديات، وإلى التكاتف الاجتماعي والأسري،فيروس كورونا يعري الإنسانية جمعاء، هذه الأزمة تعري المواطن وتعري السلطة ومرآة كاشفة لحقيقة الوضع الصحي لأن بطبيعة المواطن أن يُحمّل المسؤولية للغير وللسلطة في كل شيء ، وبالتالي فالمواطن لم يتعاطى مع الوضع بجدية وحزم فكان التعامل مع الحدث بالاستهتار وباللامبالاة رغم التحذيرات بخطورة الوباء البيولوجي العالمي، وهذا راجع لنقص الوعي وروح المسؤولية، هذه الأزمة تعري المواطن وتعري السلطة وتكشف عن منظومة قطاع صحي بائس.اليوم نحن أمام حقيقة تقول أننا متخلفين في سلوكياتنا اليومية وفي علاقتنا مع بعضنا البعض ولا نملك ثقافة صحية في أبسط الأمور، الإهمال طال كل شيء ، اليوم علينا أن نقدر مدى درجة الوعي لدى كل مواطن، وكل شخص أن يكون طبيب نفسه. كثير من الأمور لم يَتخذ فيها المثقف موقفا لأنه انسحب من المشهد وتخلى عن دوره القيادي في المجتمع والرفع من مستواه الثقافي وهذا لعدة أسباب ليس مجالها الآن.وبعيدا عن الخطابات الشعبوية والتجاذبات السياسية والإيديولوجية على المثقف الغائب أو المغيب أن يساهم في التوعية بالمعرفة العلمية للوقاية من انتشار هذا الوباء الفتاك الذي يعصف بالأرواح وهذا من خلال الفرد والجماعة واستغلال شبكات التواصل لطرق الوقاية منه…الأمة في حاجة ماسة لكل أبنائها بعيدا عن التعنت والغوغائية والفوضى والاحتكام إلى صوت العلم والمعرفة.
هل من كلمة أخيرة للقراء ولجريدة “الوسط” ؟ 
تحية تقدير وإكبار للقراء الأعزاء على متابعتهم واهتمامهم بأعمالي الأدبية، شكرا لجريدة “الوسط” على فرد صفحاتها للمبدعين في كل المجالات …مرّة أخرى شكرا لكم على هذه الفسحة الثقافية الطيبة.
حاورها : حكيم مالك

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك