الزاوي يحييى الفكر الضحل

تغريدة أخرى خارج السرب

بقلم: احسن خلاص

لم تمض إلا أيام قليلة على الحلقات التي أقامها القادم من باريس رشيد بن عيسى  للخوض في مسائل لغوية ودينية وعرقية تجاوزها الوعي الجمعي الجزائري منذ مدة طويلة حتى أطل علينا الروائي أمين الزاوي بمادة جديدة سريعة الالتهاب ليشغل بها الناس ويثير بها جدلا عقيما عابرا قد لا يقاوم طويلا أمام الرهانات الجديدة للمجتمع وهو يواجه خطرا حقيقيا قادما من الشمال اسمه فيروس كورونا.

وفي سبيل ضمان اتساع رقعة اللهيب لم يسلك أمين الزاوي هذه المرة مسلكا الكتابة في صحيفة خاصة باللغة الفرنسية ليلعن البداوة الإسلامية التي أظهرتها مظاهر الاحتفال بعيد الأضحى بل اختار أن يرمي بالوقود من أعلى شرفة مواقع اليوتيوب لتلتقطه نفوس مهيأة للرد على الفور وإشعال معارك جانبية بل تقع خارج الزمن مثل تلك التي كاد أن يشعلها عندما تحدث عن الفتح الإسلامي بوصفه احتلالا كامل الأركان.

هذا هو ديدن الروائيين والأدباء عموما عندما تظل بهم السبل، يميلون إلى الخروج عن المألوف ويرغبون في الخوض في الممنوع ويجدون في ما اختلف فيه من التراث أرضا خصبة لإحياء بؤر جدل بعد موتها أو دخولها في سبات عميق، وكم هي كثيرة في أرضنا التي التقت فيها الثقافات والحضارات والديانات وامتزجت فيها اللغات والأعراق وأنتجت فسيفساء اجتماعية بعيدة كثيرا عما يفترض أن تثيره من صراعات ونزاعات حتى في أشد لحظات التاريخ تشنجا واحتقانا عندما بلغت القلوب الحناجر وظن الناس بالوحدة والانسجام الظنونا.

يجد المثقفون المأساويون من أمثال الزاوي وبوجدرة وكمال داود وغيرهم ممن يعتبرون أنفسهم ضمن الأنتلجانسيا المبادرة والمزلزلة لأركان المقدس في الدين التربة الخصبة لإثارة ما نام منه وما كاد أن يحتل موقع الإجماع ومنها النظرة إلى الفتح الإسلامي الذي يتراوح بين النظرة المقدسة المبالغة في تشبيه الفاتحين بالملائكة الغلاظ الشداد، حتى أنك تجد بعضهم لا يحسب من الشهداء على هذه الأرض إلا الذين أسقوا هذه الأرض بدمائهم رفقة عقبة بن نافع وأبي المهاجر دينار من أجل نشر الإسلام فهم الوحيدون الذين ماتوا من أجل العقيدة بينما يستوي شهداء الجزائر منذ 1830 إلى 1962 مع ضحايا الحروب القومية والوطنية التي لا أساس لها في العقيدة ولا تعنيها في شيء فتجدهم يستنكرون مقارنة شهداء ثورة التحرير بشهداء بدر وأحد أو شهداء الفتح الإسلامي.

وفي الضفة المقابلة نجد قوما لا يفرقون بين دخول العرب الفاتحين إلى المنطقة ودخول الرومان والوندال والأتراك والفرنسيين فكلهم غزاة قتلوا وسلبوا وأحكموا قبضتهم على الأرض ورقاب الناس وفرضوا الخراج والجزية على السكان الأصليين وهم بذلك لا يختلفون عن باقي الغزاة. ويستمر الجدل برد الفريق الأول بأن الأمازيغ رحبوا بالإسلام وانتشر في ديارهم بيسر وسهولة وتبنوه في عبادتهم ومعاملاتهم وجعلوه شرعتهم في الزواج والطلاق وحتى في إقامة الحدود وأن الإسلام هو من كان له الفضل في خروج البربر من وحشيتهم وولوجهم الحضارة الإسلامية التي ساهموا فيها بعلماء أفذاذ في اللغة والفلسفة وعلوم الطبيعة وهم الذين نشروا الإسلام في الأندلس بقيادة طارق بن زياد وإفريقيا بفضل الحركة التجارية بعد أن اعتنقوه عن طيب خاطر وانخرطوا فيه لما وجدوا فيه من رحمة وتسامح وتفتح على الآخر.

هذا هو الجدل الذي يريد أن يحييه الزاوي بعد ممات ويرفع مشعله عاليا بعدما خفت وصار نسيا منسيا أو حديثا جانبيا في أحسن الأحوال لأن الجزائريين لم يعودوا يرون في إثارة مثل هذه القضايا البالية البائسة جدوى وهم يستعدون لإيجاد أرضية عيش مشترك جديدة مبنية على المواطنة الجمهورية التي تدمج الإنسان كقوة اجتماعية صالحة للبناء وليس لها الوقت للهدم أمام التحديات التي تفرضها العولمة.

وإذا كان الزاوي يرى أن الخوض في هذه المسائل هو السبيل لمواجهة مد التيار الإسلامي فقد أخطأ الطريق فهذه السبيل ستهدم كيان الأمة وتغذي التيار الإسلامي الذي سيتولى مواجهة هذا الطرح. وقد وجد فيه وقودا لإحياء مادة خطابية قد تكون مفيدة له في الاستحقاقات المقبلة.

 

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك