” الروائي لا يجب أن يكون حيوانا أليفا أو مدجنا “

محمد بن جبار في حوار مع جريدة الوسط "

حاروه: أمين بن لزرق

كاتب وروائي جزائري صنع تفرده خلال السنوات الأخيرة، لاقت روايته الأولى “أربعمائة متر فوق سطح الوعي” رواجا كبيرا، نشر بعدها روايته الثانية حملت عنوانا مثيرا للجدل” الحركي ” التي إستطاع من خلاللها أن يتوغل في نفسيَّة “الحركي”، متناولا واحدا من أكثر التابوهات في الجزائر المعاصرة باعتبار أن “الحرْكيين” هم عملاء الجيش الفرنسي الذين، لم يُسمح لهم بالحديث أو رفع أصواتهم منذ أكثر من نصف قرن.

الروائي إلتقته جريدة الوسط وأجرت معه حوارا شيقا، حاولنا من خلاله معرفة بعض التفاصيل عن فن الرواية وواقعها في الجزائر والحديث عن الرواية المثيرة للجدل رواية الحركي …

كيف ترى واقع الرواية الجزائرية  ؟ 

 

الرواية الجزائرية بخير، يمكنك النظر إلى الجوائز التي تتحصل عليها ، لتعرف أن الرواية الجزائر في حال أحسن،  لقد افتكت اعتراف و قيمة مع الأسماء الشابة

 

لكن لطالما اشتكى بعض الروائيين من مشاكل كثيرة غيبتهم عن الظهور  وتفجير طاقاتهم الروائية…  ماهي  المشاكل التي تعترضكم  ؟

 

هناك أمر مهم  جدير بالذكر، كانت لي مناسبات عديدة التقيت بالكتاب الشباب، اشتكوا للمسؤوليين عن سوء حظهم و قلة حيلتهم في نشر مخطوطاتهم و نصوصهم، صارت الشكوى تقليدا سيئا لديهم، يجب أن يعلم هؤلاء الشباب أن الكتابة قبل كل شيء هي تضحية و صبر جميل و تجلد و مقاومة الصعاب و كفاح مرير، ليس سهلا أن تنجح و تظهر إعلاميا و تقترب من النجومية و أنت لم تخطو خطواتك الأولى، أحترت من هؤلاء الشباب الذين يريدون القفز في عنان السماء بدون رصيد حياتي

رغم أن النشر أصبح متاحا للجميع.عقلية لونساج تسيطر على الكتاب الجدد

 

 

كونك ذكرت النشر،  فهل ديار النشر تمشي  على قواعد علمية تخص النشر ام انها تريد  المال فقط؟

 

من حق دار النشر أن تعطي الأولية للجانب التجاري و المالي و الجدوى الإقتصادية، هناك نصوص روائية لا ترقى إلى مستوى النشر صراحة و لكنها مفيدة بشكل ما للكاتب لكي يعرض نفسه لضربة شمس قاسية، لجلدة سوط أكثر قساوة، الاستسهال في الكتابة له ضريبته أيضا ..

 

أما القواعد الأخلاقية و العلمية، القليل جدا من دور نشر محترمة تحترم الأصول، أغلبهم بزناسة و لصوص ، أعني بالأصول التقيد بقواعد الاحترافية .

شخصيا، كانت لي تجربة مريرة مع دار نشر بالعاصمة، مع رواية ناجحة بيعت بشكل مذهل و نفدت كل النسخ ، أكثر من ذلك يطبع بشكل سري و في النهاية لم أحصل على دينار كحقوق .

 

 

يعني لا توجد آلية لضبط عمل دور النشر،  ولا توجد قوانين تحمي حقوق الروائي في بلادنا  ؟

 

قوانين حقوق المؤلف مازالت بدائية و غير خاضعة لرقابة الدولة، في الدول المحترمة الرقابة تتحرك آليا عند خرق القواعد العامة للنشر، مثل العقد و آليات تنفيذه و الضمانات المقدمة، دور النشر عندنا تستفيد من صندوق دعم الكتاب و لكنها لا تدعم الكتاب، أغلبها تقوم بأعمال لصوصية و استغلال خبيث.

 

إذا الروائي في بلادنا حقوقه مهضومة  ؟

 

أكيد، باستثناء شلة من الروائيين الجزائريين المخضرمين و الذين يفرضون شروطهم على دور النشر العربية و دور النشر العربية والأجنبية.

 

 

وماذا يتوجب فعله لحماية حقوقه وهل وزارة الثقافة مقصرة في ذلك  ؟

 

أجل، على وزارة الثقافة النظر إلى الجانب القانوني في تعامل الكاتب _و هو الطرف الضعيف_ مع دور النشر المختلفة، و المؤسف حقا أن الكثير من الكتاب يدفعون أموالا لنشر نصوصهم.

 

لو نتكلم عن روايتك المثيرة للجدل “الحركي” التي كسرت أحد التابوهات في الجزائر بخصوص صفة الحركي،  فكيف جاءتك فكرة كتابتها و معالجة مثل هكذا مواضيع  ؟

 

 

الكاتب الروائي لا يجب أن يكون حيوانا أليفا أو مدجنا ضمن النسق العام و الرسمي، أن لا يخضع لأي منطق سوى منطق الإبداع و الفن، رواية الحركي الكثير لم يفهمها، لأنه موضوع شائك و خطير و حساس جدا، رواية الحركة هي إدانة الحركي لشخصه، لذاته، لتاريخه الصغير، إدانة لعمالته أو بالأحرى لظروفه الشخصية التي جعلته يتنكر لقومه و لجزائريته، رواية الحركي هو صوت الآخر المقموع، أو بعبارة أخرى المسكوت عنه، في تاريخ الأدب الجزائري لم نره إلا كشبح لعين، لكن رواية الحركي جعلته يعترف و يقدم لنا تاريخا موازيا و من زاوية لم يتوقعها أحد.

 

 

ألم تجد أي حرج في تناولك لها أو فكرت في أن تتعرض لانتقادات أو مساءلات عن الرواية؟؟

 

في مدينتي، الجميع يعلم أنني من عائلة قدمت مواكب من الشهداء أثناء الثورة و كثير من الأبطال، لكن وطنيا تلقيت اللعنات خاصة من أولئك السذج و السطحيين، الرواية كانت تنشد وجهة نظر بعيدا عن الخيانة و الشرف.

 

 

لكن العودة للتاريخ تمثل مازقا كبيرا لانك ستجد نفسك تتعامل مع حقائق وانت تكتب المتخيل،  كيف ستحول الواقعي الى روائي ومتخيل دون المساس بمصداقيته  ؟

 

صحيح، هناك محاذير في الرواية التاريخية يجب التفطن لها، لكن عندما تكون لديك مقدرة و مهارة تستطيع تفادي بعص الصعوبات، في رواية الحركي، الحرب التحريرية كانت خلفية لشخصياتي، تتحكم فيهم الأحداث و مجريات الأمور و هذا لا يمنع أن لكل شخصية لها فرادتها و لها هامشها في الحركة و مشاركتها في الأحداث.

 

 

الحركي ملف مليء بالألغام فكيف كانت ردة فعل بعض المختصين وهل من ملاحظات أو انتقادات وجهت لك في هذا الخصوص  ؟

 

هناك قراء أذكياء ، مازلت أتواصل معهم بشكل مستمر، أعجبوا بالرواية و هناك من مول ترجمتها إلى الفرنسية، و هناك نقاد من أثنوا عليها و كانت محل دراسات جامعية متقدمة، و هناك من لم يقرأها أصلا و طعن فيها !

 

ماهي أجمل ملاحظة تلقيتها في هذا الخصوص ؟

 

أجمل ملاحظة وجهت إلي هي أني لم ألتفت إلى بعض التفاصيل أثناء إقامة الحركي في فرنسا.

 

ويصراحة ما هي أسوا ملاحظة وجهت لشخصك  ؟

 

أني كتبت على الحركي، عليه أن يبقى مجهولا، تائها، مقموعا، لا لسان له، قلت له : هنا في الجزائر ، في التسعينيات من قتل و سفك الدماء و بقر بطون النساء و فجر المواطنين الآلاف منهم و تم  العفو عنهم بموجب قانون المصالحة، و تم قطع كل متابعة جنائية عنهم ليس غريبا، أن تعرف بعض الخبايا التي لم تأت في كتب التاريخ

 

 

 

هناك من لا يحب قراءة الروايات التاريخية بسبب ما يتضمنه التاريخ من مغالطات و تزوير الحقائق،  لكن روايتك الحركي  لقت رواجا،،،  ما السر في ذلك  ؟

 

فضلا عن الأسلوب و الرؤية الواضحة، لقد استعنت بعشرات الكتب و الوثائق التاريخية ، و كتبت في موضوع لم يتطرق له أحد من قبل، فعلا وجدت هناك مئات القراء متعطشين للحقائق بعيدا عن ايديولوجيا السلطة.

 

 

كيف استطعت أن تجلب القراء  ،والمهتمين ،وعلى ماذا اعتمدت في روايتك  ؟  أم أن  العنوان وحده جلب الاهتمام للكتاب  ؟

 

يجب التنويه أن روايتي الأولى ” أربعمائة متر فوق مستوى الوعي” هي من صنعت لي القراء، هي من جلبت الفضوليين، كانت رواية مدهشة لمواطن جزائري يقوم بمساءلة التاريخ الحديث لما آلت إليه الجزائر سنوات الإرهاب و الدم و الرعب . أغلب الذين قرأوا الرواية كانوا ينتظرون عنوانا آخر كما انتظروا الاصدارات الجديدة.

 

 

لكن لماذا تختار مثل هذه المواضيع وتبتعد عن قصص الحب و والغرام وقضايا اجتماعية على غرار باقي الروائيين  ؟

 

الحب لا يغيب في رواياتي، هناك دوما قصة حب تنسج ضمن الحبكة الروائية، خاصة الرواية الأولى ، أنا لا أحب كلمة القضايا الإجتماعية، أنا قضيتي الإنسان بشكل عام، مصيره، مآلاته، آلامه، وضعه البشري و وجوده.

 

 

انت تميل للرواية التاريخية بدل العاطفية أو البوليسية أو السياسية أو الواقعية ؟  أم انك تقوم بمزج كل هذه الأنواع لتتحصل في الاخير على رواية متكاملة تجمع بينهم جميعا  ؟

 

رصيدي لحد الآن ثلاث روايات، من السابق لأوانه الحكم على أني أطرق سبيلا ما، و أفضلا شكلا ما، أنا أكتب عن وجهة نظر ما، عن فلسفة ما، أكثر من ذلك لا تهمني التسميات بقدر ما أجد سبيلا لسرد شيء ما، للقول، للحكي، أكثر من ذلك، هناك هوس و هاجس شخصي يجب شخصنته أو التعبير عنه، ممكن جدا أن انتقل من لون إلى آخر حسب ضرورات الكتابة و متطلبات الفن الروائي.

 

 

هل  الرواية بالضرورة تكون ناجحة إذا حولت ألى عمل مسرحي أو فيلم درامي مثلا  ؟

 

ليس ضروريا، لكن تحويلها إلى فيلم سنيمائي يزيد من رواجها ، و يلقي بعض الأضواء على مؤلفيها، لكن العمل الأدبي يخضع لقوانين غير قوانين السمعي البصري أو الصورة، العمل الأدبي الناجح يصنع لنفسه المجد و النجاح دون وسائط أخرى و لنا أمثلة لا حصرا لها.

 

هل ترى أن التحرر في الكتابة مطلب أدبي قبل ان يكون شخص  ؟

 

الحرية و الاستقلالية شرطا الإبداع.

 

 

وهل تشجع مثلا الكتابة العلمانية ولا تشجع الخوض في مسائل دينية  ؟

 

لا يوجد ما يسمى بالكتابة العلمانية أو الكتابة الدينية، أو الأخلاقية و اللا أخلاقية، هناك نص جيد أو نص سيء.

 

 

وهل توافق من يخوض في مسائل دينية تخدش معتقدات المسلمين مثلا  ؟

 

المشكل ليس في الدين بحد ذاته، كل الإشكال في الإسلام السياسي الذي يدعو إلى أشكال التطرف التي لم نعرفها في تاريخنا القديم ، مررنا على أزمة أخلاق حقيقية، عصفت بإيماننا و معتقداتنا، الكتاب الذين ضربوا بمقدسات الأمة أو تعرضوا لها بشكل من الأشكال ، في حقيقة الأمر هم يخلطون بين الدين و التدين..

 

ماذا تقول في الختام ؟

 

أشكرك على المحاورة الشيقة و على شجاعتك في تناول باقة أسئلة ذكية تخص رواية الحركي، أما كلمة الختام، أرجو أن يرفع عنا هذا البلاء العام و يحفظ وطننا العزيز..

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك