الروائي عبد المنعم بن السايح الفائز بجائزة “محمد ديب” لِـ “الوسط”: الجائزة الأدبية تدعم الكاتب لا تصنعه

 حاورته : محجوبة عبدلي

عبد النعم بن السايح اسم ارتبط بعدة جوائز محلية كانت أم دولية على غرار جائزة رئيس الجمهورية للرواية وجائزة “راشد بن حمد الشرقي” بالإمارات والجائزة الوطنية للرواية القصيرة، حازت روايته  “لنرقص الترانتيلا ثم نموت” الصادرة عن دار ماهر للنشر والتوزيع مؤخرًا بِجائزة “محمد ديب” للإبداع الروائي في دورتها السابعة، وذلك بعد إعلان  مؤسسة “الدار الكبيرة” يوم الثلاثاء الموافق لِـ 20 أكتوبر باسم صاحب المركز الأول للرواية باللغة العربية.

للإشارة ”عبد المنعم بن السايح” كاتب روائي من مواليد 9 ديسمبر 1990 بِـ “ورقلة” خريج كلية أدب العربي وناشط ثقافي له عدة أعمال أدبية وفكرية، بدايته كانت مع الشعر وبعدها توجه لعالم السرد والنثر الذي وجد نفسه وحقيقته بين أسواره. وكان لجريدة الوسط حوارا مع ”عبد المنعم بن السايح”  إذ حدثنا عن حيثيات الجائزة وعلاقة الكاتب بالجوائز الأدبية.

•في البدايةِ حدثنا عن مشاركتكَ في جائزة “محمد ديب” للإبداع الروائي؟

مشاركتي في جائزة “محمد ديب” للإبداع الروائي لم تكن وليدة الصدفة، بل كانت حلم مؤجل إن صدق التعبير، كنت أخطط بالمشاركة في دورة من الدورات أكون فيها قد استوفيت شروط الجائزة المقررة من قبل المنظمين؛ قرأت خبر فتح أبواب الجائزة للدورة السابعة في إحدى الصفحات الفيسبوكية الخاصة بمتابعة أخبار الجوائز الأدبية صفحة ” أدبرايز للجوائز الأدبية”، قرأت الشروط كاملة فوجدتها تُناسب روايتي “لنرقص الترانتيلا ثم نموت” الصادرة حديثًا عن دار الماهر للنشر والتوزيع.

ولأكون صريحًا أكثر كنت فقط أحاول المشاركة وأنا متردد، ولأني على دراية كاملة بتاريخ الجائزة ومكانتها الكبيرة وأيضًا قرأت أغلب النصوص الفائزة في الدورات السابقة فوجدت أنها نصوص قوية، ومن هنا طرحت السؤال: “هل يرقى نصي للمشاركة في هذه الجائزة؟”، ليس هذا أني أشكك في القيمة الجمالية للرواية، بل كنت أعلم أن لجنة التحكيم الخاصة بالجائزة لديها معايير صارمة لتختار رواية حقيقة تستحق التتويج في هذه الدورة، والحمد لله جاءني خبر وصول روايتي للقائمة الطويلة ضمن عشر روايات جزائرية قوية وقد قرأت أغلبها، وبعدها تأهل نصي للقائمة القصيرة، وبعدها عشت أجواء الانتظار وترقب النتيجة وكلي ثقة بقرار اللجنة، إلى أن تابعت فعاليات الإعلان عن النتائج عن بعد عبر الموقع الرسمي للجائزة، كانت فرحتي كبيرة بالتتويج كأي كاتب شاب يقطف ثمار تعبه، فالفوز في جائزة “محمد ديب” أعطاني شحنة إيجابية وفتحت شهيتي للكتابة، والجائزة اعتراف بقوة النص الروائي الشاب الذي أتهم في العديد من المرات بالرداءة والهشاشة.

•”عبد المنعم بن سايح” اسم ارتبط بعدة جوائز أدبية سواءً دولية أو محلية. ماذا يمثل هذا بالنسبة لكَ؟

الجائزة هي بمثابة العرفان، ماذا ينتظر الكاتب من هذا المجتمع نظير تعبه وسهره ومغامرتها التي تأخذ من جسمه و وقته وحياته؟، فقط العرفان والاعتراف بقيمة ما يكتبه، كم متعب أن تكتب ولا تجد من ينصف نصك، ولا تجد من يقول لك: ” شكرا على كل ما تفعله من أجل إضاءة ركن ما في هذه الحياة”.  الجائزة الأدبية تفعل هذا فهي بمثابة الشكر، و أيضًا تُعتبر بمثابة تجديد ثقة الكاتب بنصه وبنفسه، و تُجدد أيضًا ثقة الآخر بنصك. لا يخفي على الجميع أن النصوص الفائزة في أيّ جائزة تصبح تحت الطلب وتصبح أيضًا تحت مجهر النقد للكتابة عنها.

ولكن لا أخفي عليك الجائزة لا أستند عليها بكامل ثقلي، لأن الجائزة كما قلت في الكثير من المرات: “تغير بوصلتها كل موسم وهي لحظة فرح مؤقتة”، كل شيء يمر والفرحة تنتهي والضوء الذي سلط عليك سينطفئ وفي الأخير يبقى النص القوي والجاد هو الثابت الذي لا يتحول.

•هل يكتب عبد المنعم من أجل الحصول على الجوائز أو من أجل الفن والإنسانية؟

النص الذي يُكتب على مقاس الجوائز نص مقيد بالأغلال ولا تتعدى شهرته جيل الكاتب، لأنه يُعيدك للرجعية الأولى أي “الكتابة تحت الطلب أو الكتابة لإرضاء السادة، والسادة هنا لجنة التحكيم”؛ شخصيًا لا أكتب من أجل الحصول على الجوائز، أكتب من أجل الفن والإنسانية، من أجل الاكتشاف والمغامرة، من أجل إيجاد أجوبة لأسئلتي الطويلة، من أجل إثراء المكتبة الإنسانية لكي أترك أثرًا بعد رحيلي. كل نص تكتبه سيبقى يلاحقك في حياتك وبعد موتك، لهذا أيَّ نص أكتبه لا بد أن أدققه كثيرا، وأجعل أفكاره حرة غير مقيدة؛ في حدود ما يتطلبه الوضع الراهن.

أما الذي يكتب من أجل الجوائز أعتبره مجرد مقتفي للدولارات كالمستثمرين بالفن، لا يمكن أن نلقبهم بالكتاب والمبدعين، فالمبدع الحقيقي هو الذي يحاول تطهير نفسه من شوائب التبعية، زد على ذلك حتى لو كتبنا نصا بمقاس الجائزة تبقى معايير لجان التحكيم لأي “معايير جائزة “سرية، فكم نص كُتب على مقاس ميول الجوائز الخليجية ولكنه لم يفز وكم نص متمرد وحر وأفكاره متجددة وكتب في لحظة تجلي حقيقي فاز في العديد من الجوائز، على الكاتب أن يدرك دائمًا بأن الجائزة الأدبية لا تصنع الكاتب “ممكن تدعمه” ولكن وحده النص القوي هو من يخلد اسم الكاتب وأفكاره ويجعلها صالحه للعديد من الأجيال.

•ما هي خلفية رواية “لنرقص الترانتيلا ثم نموت” ؟

رواية “لنرقص الترانتيلا ثم نموت” تحدثت فيها عن المجتمع الفلسطيني، وغصت في عاداته وتقاليده وأعرافه، ما كتبت هذا النص الروائي إلا لكي أجيب على العديد من الأسئلة الجوهرية وأهمها: “هل يؤمن الفرد الفلسطيني المعاصر بقضيته؛ قضية استعادة الأرض والتحرر؟”، والعديد من الأسئلة الجوهرية الأخرى فكتبت بذلك نصين؛ نص كنت فيها أنا السارد ونص آخر كان فيه بطلي هو السارد، وتركت للقارئ حرية الاختيار.

تحدثت في نصي الروائي – القسم الأول من الرواية- على العديد من القضايا في المجتمع الفلسطيني،  كنظرته للثورة وللحب وللمرأة وللمتمرد، اخترت العديد من الشخصيات الفلسطينية المتنوعة كل واحد يحكي قصته وحكايته مأساته في هذا المجتمع الذي يراه الآخر أنه مجتمع ملائكي، و لكن في الحقيقة هو مجتمع معجون بالخطايا كأي مجتمع آخر. كان بطلي جواد (شاب فلسطيني خريج الحياة وشغوف بالكتب) ناقم على الأعراف ثائر ومتمرد، يمجد الحب و ينصف المرأة ويحاول أن يتحرر بفكره، وأيضا كان ضد السادة والسياسيين ويعارضهم في عقر دارهم، ولكن لم يتركه المجتمع يمارسه طقوسه التحررية المحببة، حتى اختار أن يثور ضد الاحتلال الإسرائيلي كون حق الثورة على العدو متاح للجميع، وينتهي به المطاف أن يسجن في سجون الاحتلال الإسرائيلي مؤبد، من هنا في الزنزانة المنفردة قرر بطلي أن يكتب نص روائي يعيش فيه الحرية والثورة والجمالية وأن يختار مكان آخر غير فلسطين التي أقصته وصادرت أحلامه فاختار ايطاليا حيث للحب معنى وللجمال ألف معنى ومعنى، من هنا اختار أن يرقص رقصة “الترانتيلا” رقصة الفرح والـأمل في فصول روايته واختار أبطال ورقية من عمق المجتمع الفلسطيني يتحكم في مصيرهم واختار لهم نهاية تليق بهم كبشر، ولكن في نهاية الرواية انقلب كل شيء على بطلي الذي قُدر له أن يعيش حزينا منهزما مقصيا للأبد، كأي فلسطيني ثائر.

•في رأيكَ إلى أي حد ينحاز الكاتب للواقع؟

لا بد أن تكون المادة الأولى للكاتب لكتابة نصوصه من واقعه، فالأدب خلق ليرمم تشققات الواقع، مع إضافة عنصر التخيلي فهو نقطة الفاصلة بين النص العادي والنص الإبداعي. الكتابات التي نجدها بعيدة عن واقعنا لا يقرأها القارئ، حتى وإن قرأها يصاب بخيبة أمل، لأن أي قارئ يريد أن يجد شيء يشبهه في النص ليقول: “ياه هذا الكاتب يكتبني! وكأنه يعرفني!”، ولكن أيضا لا يمكن أن تكون الكتابات خالية من التخييل كأن تكون كصورة فوتوغرافية عاكسة للمجتمع كما هو، لابد أن يدخل الكاتب البهارات الخاصة به للانفلات قليلا من الواقع لينتج نص إبداعي حقيقي.

•لكتابة تجاوز للذات، إلى أي مدى تنعكس الذاتية في كتاباتك؟

لحد الآن لم أكتب نص ذاتي، أريد أن أكون مبدعًا حقيقيا؛ يعني أن أكتب عن مجتمعات لا أعرفها لأتحدى نفسي نصيًا، مثلما فعلت في رواية “لنرقص الترانتيلا ثم نموت” عندما كتبت عن المجتمع الفلسطيني واصفا البيئة والفرد بكامل اختلافاته (المثقف/ الشعبي/ المهاجر..) وكأنني أعيش بينهم، وهذا هو التحدي الحقيقي لإنتاج نص إبداعي، الكاتب الحقيقي هو الذي يقف على آخر خطوة من الواقع يرى الخيال أمامه ويكتبه كما يراه ليدهش الآخر بما رأى.

•كيف كان تعامل النقاد مع نصك الروائي ؟

أنتظر بعد تتويج نصي ” لنرقص الترانتيلا.. ثم نموت” بجائزة “محمد ديب” أن يسلط عليه ضوء النقد، مثلما سُلط الضوء على روايتي الفائزة بجائزة رئيس الجمهورية “بقايا أوجاع سماهر”، وسلط أيضًا على رواية “المتحرر من سلطة السواد” الحائزة على الجائزة الوطنية للرواية القصيرة، للأسف لا بد أن يتوج النص ليُقرأ وليسلط عليه ضوء النقد.

•هل يفكر عبد المنعم بالمشاركة في جائزة البوكر العالمية؟

فوز “عبد الوهاب عيساوي” جدد ثقة الكاتب الجزائري بنصه و بما يكتبه خاصة الكتاب الشباب؛ فوزه بمثابة حافز للكتاب الشباب للمشاركة في جائزة البوكر العالمية والطموح للفوز بها، ولكن لا بد أن يكون نص يشرف الأدب الجزائري، وبصراح أخطط في المستقبل القريب المشاركة في الجائزة لما لا!

•حدثنا عن مشاريعك المستقبلية،

حاليا أشتغل على النصوص المسرحية، وقريبًا سيصدر كتاب جامع للنصوص التي كتبتها من 2016-2019،  كما إني بصدد توقيع عقد مع مخرج لتجسيد نص مسرحية “شعائر الإبادة” الحائزة على جائزة راشد بن حمد الشرقي للإبداع في دورتها الثانية 2020.

•كلمة ختامية للقراء ولجريدة الوسط.

أشكرك على الحوار الجميل والأسئلة الرائعة، وأشكر أيضًا قراء الجريدة، على أمل أن يكون لنا لقاء آخر في فرصةٍ أخرى للحديث أكثر والغوص في جماليات الإبداع، و لنغوص في أحاديث جانبية لاكتشاف ذاتي أكثر.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك