الرهانات السياسية لقانون الانتخابات الجديد

مفارقات

بقلم: احسن خلاص

 

اتخذ الحديث عن الانتخابات المقبلة منحى تصاعديا هذه الأيام ومنه عادت الساحة السياسية إلى النشاط بعد الركود الذي خلفته نتائج الاستفتاء على الدستور التي دفعت النخب السياسية المنخرطة في العملية الاستفتائية إلى ما يشبه اليأس من إمكانية النهوض من جديد والقدرة على التعبئة السياسية بعدما لم يعد الإيمان بالمحتوى الذي تحمله الطبقة السياسية التقليدية.

 

عاد رئيس السلطة الوطنية لتنظيم الانتخابات محمد شرفي إلى المشهد ليعد الجزائريين بمجالس منتخبة في الحلال على غرار تلك التي نجح فيها من قبل في أن أخرج لنا رئيسا لا تشوبه شائبة الحرام. وقبل أن يطلع رسميا على وثيقة التعديلات التي كلفت بإعدادها لجنة احمد لعرابة راح يطلق العنان لخطاب التطمين بأن ضمان نزاهة الانتخابات لا يكمن بالضرورة في تعديل القانون الانتخابي بقدر يمكن أن نجده في قدرة هيئته على تنظيم أحسن انتخابات عرفتها الجزائر منذ الاستقلال بحكم ما صارت تمتلكه من قدرات وإمكانات تضمن الشفافية بعد أن اجتازت إشكالية التزوير التي لم تعد هما بعد تجربتي الرئاسيات والاستفتاء على الدستور الجديد اللتين مكنتاها من تصحيح الأخطاء والتحكم أثر في العملية الانتخابية.

 

وبعيدا عن الخطاب الذي يتكرر في مثل هذه المناسبات والذي انتقل من وزارة الداخلية إلى هيئة شرفي بسأن نزاهة الانتخابات تظل النخب السياسية التي تعتزم الدخول في المعترك الانتخابي الجديد تنتظر ما يمكن أن تطلع به هيئة لعرابة هذه المرة لترد عليها تمام بنفس الآلية التي ردت بها على مسودة الدستور دون أن يجدد العديد من مقترحات الأحزاب والتنظيمات والشخصيات سبيلا نحو التجسيد في المشروع النهائي المعروض على الاستفتاء.

 

وفي انتظار مخرجات لجنة لعرابة تطرح العملية الانتخابية عدة رهانات سياسية بالدرجة الأولى وينتظر أن تصاغ صياغة تقنية قانونية في نظام جديد للانتخابات. وإن كان رئيس السلطة الوطنية لتنظيم الانتخابات محمد شرفي قد استبق المسودة القادمة بتنبيه المعنيين بالانتخابات بضرورة الحديث عن أشياء أخرى خارج التخوف من التزوير الذي صار من الماضي الغابر إلا أن هذا الهاجس يظل قائما عند الجميع بالنظر لغياب القدرة الكاملة لدى المشاركين في الانتخابات على مراقبة العملية الانتخابية برمتها لاسيما وأن عدد مكاتب الاقتراع يزداد وقد تجاوز 50 ألف مكتب على التراب الجزائري وانعدام الثقة بين أطراف الحقل السياسي فضلا عن استقلالية سلطة تنظيم الانتخابات غير مضمونة بالرغم من التنصيص عليها في الدستور.

 

ويضاف إلى رهان ضمان نزاهة الانتخابات رهان آخر لا يقل أهمية وهو ضمان إبعاد المال الفاسد عن العملية الانتخابية بعدما صارت عودته في كل مناسبة انتخابية تقليدا من التقاليد الراسخة في العملية الانتخابية وأعطت لتزوير الانتخابات دفعا جديدا ومحركا ليصل إلى مديات قصوى. وقد بين بعض الاعترافات حجم ما كان يستفيد منه بعض قادة الأحزاب تسابق المترشحين لنيل المرتبة الأولى في قائمة ترشيحات الحزب في الولاية إذ وقد بلغت الرشاوي المقدمة ما يقرب من سبعة ملايير سنتم للمقعد الواحد.

 

وبغض النظر عن الانحلال العام للساحة السياسية وخلوها من الوازع الأخلاقي فإن النظام الانتخابي المتبع منذ عام 1997 صار اليوم في قفص الاتهام فالاعتماد على القائمة الولائية مع نظام الاقتراع النسبي فتح بابا واسعا للفساد في منظور الكثير من المتابعين الناقدين لسير العمليات الانتخابية السابقة. وهو النظام الذي لم يخل اعتماده من خلفية سياسية تكمن في أنه يحول دون امتلاك حزب من الأحزاب أغلبية مطلقة حيث كان ظل فوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ ب188 مقعدا في الدور الأول من انتخابات عام 1991 يخيم على تفكير المشرع للنظام الانتخابي النسبي الولائي إذ لولا إيقاف المسار الانتخابي لظفر حزب واحد فقط بما يقرب من ثلثي عدد أعضاء المجلس الشعبي الوطني (389 عضوا) في الدور الثاني. 

 

وفي ظل الانتقادات التي صارت توجه لنظام النسبية الولائية عاد الحديث عن الأحادية الإسمية في دورين مع العودة إلى إعادة النظر في تقسيم الدوائر الانتخابية مع ارتفاع عدد نواب المجلس الشعبي الوطني وتطور عدد السكان إضافة إلى التغيير الذي حدث في التقسيم الإداري الوطني. ولا تبدو عملية الانتقال من نظام انتخابي إلى آخر سهلة ويسيرة على السلطة الوطنية لتنظيم الانتخابات ولا على الأطراف المشاركة فيها وهي التي تعودت لأكثر من عشرين سنة على نظام النسبية ثم أن موضوع تقسيم الدوائر الانتخابية قد يثير جدلا كذلك الذي أثاره عام 1991 ودفع الجبهة الإسلامية للإنقاذ لاتخاذه ذريعة لشن إضرابها السياسي.

 

آخر هذه الرهانات يكمن في موقف الرئيس تبون من هذه الانتخابات، هل سيكون مجرد حكم فيها أم سيلعب دور طرف من أطرافها وهذا ما لم يتضح بعد للنخبة السياسية أمام شح العملية الاتصالية في هذا الشأن. فدخول تكتل يمثل برنامج الرئيس تبون في المعترك الانتخابي قد يغير مقاربات المجتمع والأحزاب من هذه الانتخابات ويعيد النظر في تموقع الكثير من النخب السياسية. وحتى ولو قرر الرئيس خوض الانتخابات ليظفر بأغلبية رئاسية في البرلمان فإن الصيغة التي سيدخل بها المعترك الانتخابي لا تزال غامضة وهو ما جعل الأحزاب السياسية حذرة ولا تريد أن ترمي بكل أوراقها حول العملية الانتخابية المقبلة. فالمخرجات السياسية للعملية الانتخابية ستلعب دورا هاما وحاسما في طبيعة وسير المواعيد الانتخابية المقبلة.  

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك