الرقص والزينة في زمن المآتم ..

رسالة إلى معالي الوزيرة

بقلم: الوليد فرج

هل هناك من يحاول توريط وزيرة الثقافة في هزائم تسيير؟! من يشير  على الوزيرة بهذه الأنشطة السمجة في هذا الوضع ؟  ألم ترسم الوزيرة برنامجا مسبقا لنشاطاتها المفترض أنها تتحاقل والوضع الخطر الحساس الذي نعيشه؟    

لا يعقل لدكتورة فلسفة تعرف المعنى الحقيقي للأشياء ، فتقوم ببرمجة نشاط يحتفي بالزي التقليدي و نحن نعيش الألم و الموت في زمن هذه الأزمة الصحية الحادة ، والأدهى من ذلك أن الوفود المشاركة من شتى بقاع الوطن شدت الرحلة للعاصمة ، في حين أن الدولة منعت جميع الأنشطة الثقافية و الرياضية ، فكيف أغفلت معالي الوزيرة هذا ؟ وبعيدا عن المنع القانوني الذي اخترقته الوزيرة منتهكة بذلك الانسجام الحكومي ، فهل يعقل عرض أزياء الجزائر التقليدية على موسيقى آهات و أنين المرضى و نواح الثكلى ؟ 

استغربت يوم تصريح معالي الوزيرة الدكتورة مليكة بن دودة ، بأنها تفكر في مهرجان موسيقي صاخب على الواب ، ليس لأنها ناقضت تصريحها الأول وهي تسلم مفاتيح الوزارة قائلة : (الثقافة ليست مهرجانات ..) بل الحيرة التي انتابتني أن منتهى تفكير الوزيرة بلغ حد البحث عن طرائق  الترويح على الشعب المحجور عنه ، من وطأة الاحتباس المنزلي ، و التخفيف من مضاعفات القلق الاجتماعي ، كأن البحث عن مهرجان في الواب صعب على المبحرين في النت ، و أن الزمن زمن مهرجانات و زمن تهريج ، في الوقت الذي كان الممرض في الصين و ايطاليا يرتدي حفاظات لعدم مقدرتهم الذهاب إلى المراحيض لخطورة أوضاع المرضى و استحالة مغادرة أماكن عملهم . كان الفيروس القاتل يومها يزحف على ربوع الوطن ، و كانت البليدة يومها تستغيث ، و قوافل الإغاثة تتوافد تبعا من كل أنحاء الجزائر ، حينها كانت معالي الوزير تدعونا للرقص ، رقصة الموت الأخيرة ، على أنغام مهرحان واب ! قد نعذر معالي الوزيرة لعدم خبرتها في تسيير شؤون الدولة ، و قد تسيء تقدير وضع ما ، لكن أ ليست الوزيرة قلقة من الوضع ؟ ألا يحزبها مئات الجزائريين ممن ينهشهم هذا الفيروس يوميا ؟ ألا يحزنها العشرة موتى ممن يرحلون يوميا ؟ ألم تقرأ أن المسؤول الذي لا يتماهى مع الشعب هو ليس منه ؟ ألم تقرأ لحنه أرندت ؟ و كتبت عنها؟ الم تعي ان حنه قالت ان السياسة هي عملية التفكير القبلي السابق الأفعال ؟ ألم تقرأ أن الفن و فلسفة الجمال أولهما لذة الألم ؟ ألم تقرأ أن تماهي التابع للمتبوع فرض عين وإلا أنخرم عقد السياسة ؟ فكيف لها يوم كان الرئيس يأمر وزيره الأول بإعداد مشروع قانون بمجابهة و مناهضة الجهوية و المحسوبية وقبل أن يجف حبر هذا الأمر كانت هي تنصب ابن جهتها كمستشار لها ؟!

قد تبعث سمفونية الأنين و الوجع المبثوث اليوم  من قاعات الإنعاش بمستشفياتنا ، السلطة لإعادة التفكير مليا في عدة منظومات على رأسها منظومة الصحة لاسيما في جانب الأوبئة و علم الفيروسات ، فلا يؤتمن العالم اليوم ، وقد بينا في سابق مقالاتنا مستقبل الحروب ، وقد يبعث هذه السلطة على الانتباه أن التحديات أكبر بكثير من أن نتصدى لها بعقول تفكر في مهرجانات و أنشطة عرض أزياء تقليدية ، سقوطا تحت ضغط مجموعة من الناشطين الفيسبوكيين الذين دعوا إلى حماية الكاراكو و القفطان من السطو المروكي .

أجزم أن سلطة أعلى من الوزارة ، هي من ألغت هذه التظاهرة الساذجة، و تكون بذلك جنبت العاصمة بؤرة جديدة للوباء الفتاك ، كانت دار الثقافة مفدي زكري تكون مسرحا لها ، فبينما الوضع الوبائي بدأ ينحسر ، تخرج علينا رعونة التسيير بمجازفات قاتلة ، لا تغتفر و لا يقبلها عقل طفل صغير ! فماذا لو أصيب أحد المشاركين أو الحاضرين بالعدوى و كان فيها حتفه ؟ ومن مقالي هذا أكلف نفسي بإعادة تصويب بوصلة الثقافة بمجموعة من الأسئلة عسى أن تصل معالي الوزيرة فتصحح ما يجب تصحيحه بدلا من الإغراق الفاضح في هذه المهازل ..

يقتضي الحديث عن بناء إستراتيجية ثقافية ناجعة ، كمدخل أساسي للتنمية المجتمعية على كافة المستويات ، بدءا بتوطيد عرى الهوية ، الإجابة على الأسئلة التالية : 

ما هي أوجه الحديث أنثروبولوجيا عن التأصيل الثقافي و الاجتماعي ؟ 

ما هي تيمات و مواضيع الأنثروبولوجيا الثقافية؟ أليست هي البحث في الهوية؟ 

ما هي أدوات البحث في الطقوس و التراث المادي و اللامادي في أنظمة القرابة و أشكال الوعي و التفكير ؟ 

كيف يمكن الوصول إلى هوية بمفهومها المركب المرن المتحول دوما في سياق التوازن الذي يميز الأفراد والجماعات فيما بينهم ؟ أنظر الهوية عند تايلور .

كيف يمكن التصدي للنموذج الثقافي الغربي الذي يهدد تنوعنا الثقافي بالمحو و الأفول ؟ 

في أفق صيانة موروثنا الثقافي ، ما هي التحديات المفروضة في زمن العولمة ؟ 

ماهي آليات/برامج تشجيع الإبداع و الإبتكار في مختلف مجالات الثقافة كمدخل أساس للتنمية الثقافية ، وتأهيل المجتمع الجزائري حتى يصبح مجتمع معرفة ؟ 

ما هو تصوركم في استراتيجية تأهيل المؤسسات الثقافية و تفعيل دور المثقف وإعادة الاعتبار للوظيفية التنويرية؟ 

في ظل التحديات الأمنية التي تعيشها بلادنا ، كيف يمكن فهم علاقة الثقافة باعتبارها نسق مؤسس للاجتماع ، سيحضر الفرد من خلال تعالقه مع مؤسسات الدولة الحامية له كأُسِّ و أساس ؟

ترددت في كتابة هذه الأسئلة التي تعتبر فجة ، في زمن التسطيح و التبسّط و التفاهة ،  لأني مدرك لن أتلقى إجابة عنها ، و أن فحوى الأجوبة لن أجده اليوم ، بين أعضاء الترسانة التي استعانت بها الوزيرة في تأليف منبرها التثاقفي انزياحات ، والذي حمل أيضا شبهة انتحال ، بلغ صداها الوطن العربي . وتبقى الوصول إلى أسباب التردي الذي وصلنا إليها من نتائج خريف السياسة الذي عشناه على مدار أربعة عقود ، و إذا تساقطت أوراق شجرة السياسة ، فما على باقي أوراق الأشجار الأخرى إلا التساقط ، فهل يستصاغ قبول قطع وتكسير ما تبقى من أغصان  شجرة الثقافة ؟ أم تشذيبها و إعادة رعايتها و اقتلاع الحشائش الضارة من حماها ؟ حتى تتمكن من إعادة النمو و الانبعاث من جديد فتقدر على تلقي إنتاج الفعل الثقافي الصحيح من خلال استقبالها السلوكات و الظواهر الاجتماعية الشعبية و الرسمية و إعادة تقويمها أو تثبيتها و تثمينها ، في سياسة تتماشى و تتماهى مع السياسة العامة للدولة . 

إننا نجيد كفكفت دموعنا و لملمت جراحنا ، وجراحنا أفواه سوف تصيح فيكم يوما ، ارحلوا عنا .  

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك