الرجوع إلى الأمة

وهم الدساتير ..

بقلم: الوليد فرج

 

يُرتَّب الدستور في أعلى درجات سلّم تدرج القوانين ، بتصنيفه القانون الأسمى الأساس في العمران المؤسساتي القانوني للدولة ، يضبط عمل سلطاتها ، و يحدد تخوم اختصاصاتها ، و يضمن الحقوق الأساسية و يحمي الحريات الفردية ، وفي فلك مبادئه و أحكامه ، تدور قانونية كل التشريعات ، و في ظل سيرانه تراقب القوانين ، فلا يُسّن قانون ، و لا يُشرّع تنظيم ، إلا موافقا لأحكامه ، و محترما لحدوده ، تحت طائلة عدم النّفاذ ، بعيب عدم الدستورية. 

الدستور ليس صانعا لمؤسسات الدولة، و لا للدولة ذاتها بمفهوهما الموضوعي العضوي المادي ، و الطوبوية التي تتضمنها أحكام الدساتير ، من جنات حقوق ، و مثالية مبادئ و آليات حماية و وسائل ضمان ، لا نجد لها في غالب الأحيان تجسيد عيانيا في الفضاء العمومي ، ولا في مؤسسة الدولة ، ففي أرقى الديمقراطيات و أقدمها مازلنا نلاحظ انتهاكات صارخة للحقوق القاعدية ، المؤسسة لاجتماع الإنسان الحضاري ، فمشاهد العنف المادي و القمع الممنهج من طرف مؤسسات السلطات الفرنسية ، ضد المتظاهرين السلميين ، صار لازمة عند كل مظاهرة ، ويقود البحث عن خلفيات العنف الممنهج ، إلى الوصول إلى أنه منهج تسعى من خلاله السلطات الفرنسية إلى تأليب الرأي العام ضد أصحاب السترات الصفراء بعد اتهامهم بالخروج عن ضوابط و قوانين التظاهر السلمي ، المؤدي إلى الإخلال بسكينة و أمن الحياة العامة ، و الوصول إلى الإرهاق الاجتماعي ، للتغطية عن عجز السلطة القائمة على تلبية المطالب الإجتماعية للمتظاهرين ، الذين نجحوا في هيكلة انفسهم ، مما يوحي بشرعية مطالبهم .  

إن عجز الدولة لأسباب موضوعية خارجة عن إرادة مؤسساتها أو ذاتية شخصية تتعلق بأداءات المؤسسات ، تدفع للعجز والأحجام عن الوفاء في تنفيذ التزاماتها ، التي يحددها العقد الاجتماعي الذي يربطها بالشعب و الذي تتضمنه المبادئ العامة لشرائع حقوق الإنسان ، و قوانينها الداخلية و على رأسها دستورها ، يدفع الشعب إلى البحث عن آليات فرض لتنفيذ هذه الحقوق ، بما كفلته له القوانين نفسها ، مما ينتج التغاير المادي و التناقض في المراكز الواقعية ، الذي يجر حتما إلى انتهاك أحد الطرفين للنظم القانونية ، فانتهاك القوانين و خرق أو تعطيل الدستور ، وقائع مادية ، تعكس ضعف النضج البشري في تسيير شؤونه ، فبينما هناك شعوب تناضل من أجل قوانين حقوق الرفاهية ، هناك شعوب تناضل من اجل حق الحياة و السلامة الجسدية ، وليس ببعيد عنا مشهد تصفية ذلك المواطن الأمريكي الأسود ، بدم بارد يسري في عروق شرطي عنصري أبيض والمئات من المتابعين قضائيا و الموقوفين ، من أصحاب السترات الصفراء من المتظاهرين سلميا بفرنسا .

إن الوهم المتعلق بوثيقة الدستور وما يلحقها من قوانين عضوية ، و قوانين أخرى ، على اعتبارها أنها الصحائف المخلصة للشعب ، من الأوضاع السفلى ، و الإيمان بأنها جسور العبور من الضعف إلى القوة ، من خلال قنوات أحكامها و الانتقال إلى مرافئ الحرية هو وهم بشري عالمي ، موروث من تلك الحالة النفسية التي يعيشها الشعب ، المتولدة من رحم وطأة الإلزامية ، التي يعكسها العنف الرمزي الشرعي الذي تحتكره الدولة ، في تنفيذ هذه القوانين . 

لعل البرامج و المشاريع التي تتضمن بناء منظومات أخلاقية تستبطن التماهي مع الالتزامات الاجتماعية و الأعراف الجماعية المتضمنة للقيم الأخلاقية  ، تستطيع تشييد آلة تنتج التتام و التكامل و التضامن والترابط التدافعي الوظيفي ، بين فئات المجتمع و التنظيم الأفقي للقوى الاجتماعية ، و خلق طاقة اجتماعية ، تستطيع تغيير وضع الندرة ، بوسائل تدفع إليها الحاجة الإنسانية ، التي تحدد ميادين النشاط الاجتماعي ، مع رقابة جزائية صارمة .

يبقى اجتماع مجاميع منظومة الجزاء و العقاب في يد سلطة شرعية مع وفرة أحكام قوانين الحياة ، و منظومة قيم أخلاقية اجتماعية ملزمة هي الأداة الفعلية الحقيقية ، للوصول إلى اجتماع إنساني ، يحكمه التتام و يضمن استمراره تفاعل الروابط الروحية القيمية بين عناصره جماعات و أفراد ، و الإحساس بإلزامية الارتباط الوظيفي الوجودي فيما بينها .  

ليست الدساتير من تنظم الحياة السياسية ، وعمل المؤسسات الدستورية و ضوابطها، ولا هي من توفر البيئة السياسية الملائمة للعملية الديمقراطية، ولا هي من تضمن حماية مسرد الحقوق و الحريات التي تتصمنها ، و لا هي مورد و أساس السيادة ، ولا مرجع لكيان الدولة ، بل تبقى مجرد وثيقة تواطأ عليها واضعوها منذ بلوغ ظاهرة الدولة سنا من النضج ، لملئ فراغ تنظيم التدافع نحو السلطة ، وفي غياب مفهوم الأمة عن عالم الاجتماع ، او ما يشغل محلها ، تبقى القوانين المنظمة للحياة العامة مجرد تخديرات لاستمرار الأنظمة . 

ان مفهوم الأمة المبني على الترابط الروحي الهويي ،  هو الباعث الوحيد العميق على التذاوت و الاحساس بالمصير المشترك ، الذي يقود إلى وحدة الهدف و الوسيلة في الوصول إلى الأهداف التي تسطرها الأمة.           

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك