الرأي الصامت بين الحب و السياسة

الزواج المختلط

 

بقلم الأستاذة : هابط ملعيد /أخصائية في الصحة النفسية

 

كنا صغار تمنينا أن نكبر, تمنينا العبور لعمر النضج , كنا متعطشين للمسؤولية و عالم الكبار , كل يوم نراقب بشغف التغيرات الجسمية و البيولوجية التي تطرأ على أجسامنا و كأننا نبحث عن الوصفة السحرية التي تبرز فينا معالم البلوغ , لم نرضى أن يُرفع عنا القلم. كنا اندفاعيين للأمور نحشر أنفنا في كل المواضيع نكره تلقي المساعدة من أحد حتى من الأم نفسها نحب عمل كل الأشياء بتلقاء أنفسنا , كنا ضد الطبيعة و ضد الجملة الشرطية الصغير حتى يكبر .

دخلنا المدرسة كان يوما مميزا كان البوابة الرسمية للكفاح أول درس تلقيناه في الرياضيات كان عملية 1+1 = 2 نعم كانت سهلة و بسيطة لكنها كانت درس الحياة الأول هنا تتسع الرؤية و الرؤية كلما اتسعت ضاقت بها العبارات.

تلك العملية ديباجة لمبدأ الحقيقة و الخضوع للواقع أو كما يقال باللغة العامية { ما ينفع غير الصح } أين يجبر الفرد على مراعاة النشاط النفسي متوافقا مع الظروف و الواقع . 

في هذه المرحلة يكون فيها الفرد مقيد, تشاركه الأسرة جميع تفاصيله فهو يخضع لقانون الانتماء يعيش تحت التبعية و تكون مراحله الأولى تحت المجهر, في هذه المرحلة بالذات تكون الأشياء بلا أسماء و دورك أنت هو اكتشافها بأهداف ترسمها تكون متماشية مع العوامل الاجتماعية و مقتضيات التربية .

 

عتبات

 

و فعلا  كبرنا و خطونا خطوة جديدة نضُج فيها الوعي و زاد فيها الإدراك و أصبح الفرد في هذه المرحلة قادرا على إصدار الأحكام , هنا تغيرت المعادلة أصبحت 1+1 =3  لا وجود للقيود، الغلبة فيها لركائز الأنا, الطاقة طليقة يسعى فيها الفرد للبقاء و تحصيل اللذة و اجتناب اللالذة , هنا تكون لديه شرعية النضال فيُكبر الصغائر و يُصغر الكبائر و يحاول تحديد حجمه لا أحجام الأشياء لأن لهذه الأخيرة أحجام متغيرة لا تثبت على حال فكل صغير يكبر و كل كبير يصغر كما يقول المتنبي { و تكبر في عين الصغير صغارها و تصغر في عين الكبير العظائم } هي علاقة عكسية إذا كبُرتْ تصغر في عينك أشياء كنت تظنها كبيرة عندما كنت صغيرا,  وكلما كبرت تصغر أكثر في عينيك الأشياء نفسها لتكتشف لاحقا أن حجمها لم يتغير لكن حجمك أنت الذي تغير .

 

إحساس

 

في هذه المرحلة نتذوق الحرية و الاستقلالية و نكتشف أنفسنا في هذه المرحلة أيضا تفيض مكبوتاتنا و تصبح النفس آمة الصراعات و الرغبات و الشهوات لا شعوريا. يكتشف الفرد الحياة الجنسية و معالم الرغبة و الشهوة ويكون بحاجة لإقامة علاقات و الارتباط لكن خارج نطاق الزواج , كإقامة علاقات عابرة و مؤقتة و يتبنى العلاقات داخل نطاق العزوبة عوضًا من الزواج والارتباط بالشريك بصفة رسمية, فالمجتمع يضع العديد من القيود الاجتماعية ، بحيث يعيش الأشخاص في إطار محدد، يفضِّل المجتمع أن يراهم من خلاله، وهو ما دفع الكثير من الشباب إلى الهروب من هذه القيود وتفضيل حياة العزوبة، خاصة وأنها تتناسب مع موجة التحرر التي اكتشفها الفرد في نفسه , فهي تعطيه فرصة انفتاحه على المجتمع بعلاقات متعددة مع الأهل والأقارب والجيران، على عكس المتزوج الذي عادة ما يفقد معظم هذه الصلاحيات  ويصبح محصورًا في دائرة العلاقات الأسرية المحدودة.

 

التباس

 

هذه كانت مرحلة مختلطة و معقدة من حياة الفرد يكون فيها عبدا للحرية و الاستقلالية و يكره فيها القيود الاجتماعية وهنا تكثر الخلافات و الصراعات و كلما كبرت كبرنا .

انتهت الطفولة انتهت المراهقة نحن في مرحلة البلوغ كنا نكره القيود أصبحنا بحاجة لها بحاجة لمن يشاركنا الدرب لمن يتقاسم معنا عناء الحياة و أمورها بحلوها و مرها هنا أصبحت معادلة الحياة 1+1=1 الفرد مهما كانت قوته مهما كانت مكانته الاجتماعية يبقى بحاجة لمن يؤنسه كي تكون أحلامهم  واحدة مشاريعهم واحدة أحزانهم و آلامهم واحدة , لا يستهين أحد باحتياجات  و رضا و سعادة الآخر هذا الالتزام الثابت هو الذي يجلب الاستقرار للعلاقة  و هذا ما يجعل الفرد يخطو خطوة الارتباط و الزواج . 

 

التوافق

 

أول شيء  نفكر فيه قبل الارتباط هو معيار التوافق و هو من أبرز مؤشرات الصحة النفسية في الأسرة و يعني قدرة الزوجين على التكيف مع الحياة الزوجية و أهم مبدأين لتحقيق التوازن بين الزوجين هما الشرعية و نية الاستمرار في العلاقة فالشرعية تكون بتشريع ديني أو قانون وضعي أما النية فتبدأ بالإشهار لهذا الزواج على أنه نسق اجتماعي لعلاقة دائمة بينهما لإشباع الحاجات الجنسية بينهما بطريقة مشروعة .

هنا يتم الامتثال للمعايير الاجتماعية التي تعتبر وسيلة المجتمع في تنظيم المسائل الجنسية 

و التناسق الاجتماعي لا يشمل فقط التكافل النفسي و المستوى و التشابه بل يشمل أيضا العادات و التقاليد و الأعراف فكلما كان الزوجين متقاربين من مجتمع واحد و ثقافة واحدة كلما زاد مستوى التفاهم بينهما,  فهذه الأخيرة تلعب دورا هاما في الاتصال و التفكير ألتقاربي 

ففي الجزائر توجد ثقافات متنوعة و مختلفة و لكل مدينة أو واحة مساحة ثقافية معينة:  منطقة القبائل الأوراس  العاصمة و ضواحيها الهضاب العليا أهل مزاب , الهقار , الساورة القطاع الوهراني…… و لكل منطقة خصائصها الثقافية فهل يا ترى لو تزوج اثنين من ثقافتين مختلفتين فما مدى توافق و انسجام العلاقة الزوجية بينهما؟؟؟؟  

أمثلة

سنتوقف عند حكاية سامية قبائلية من ولاية البويرة تزوجت لولاية بشار تحكي الصعوبات التي صادفتها في زواجها و صعوبة تكيفها مع البيئة الجديدة تقول المناخ مختلف طريقة الكلام مختلفة العادات مختلفة و التقاليد مختلفة الطبخ و المأكولات اليومية مختلفة وجهات النظر و طريقة فهم الأمور و استيعابها أيضا مختلفة ……… لكنها مجبرة على التحمل و التكيف فحبها لزوجها يعتبر الذخيرة الوحيدة لإتمام حربها النفسية .

هذا مثال من ترابنا الجزائر لكن ماذا لو كان الزوج صيني ؟ أو ربما تركي أو مصري أو كوري ؟؟؟؟ أو من جنسية أخرى و بلد آخر نعم هذا يحدث كثيرا  تزامنا مع تفشي ظاهرة الزواج بالأجانب في ظل العولمة و الانترنت,  فالمحاكم الجزائرية اليوم تشهد ألاف القضايا لتثبيت الزواج المختلط الذي يكيِفه القانون الجزائري في إطار الزواج العرفي كونه لا يسجل في الحالة المدنية فيما تستقبل مكاتب المترجمين في الجزائر مئات الجزائريين شهريا الذي يطلبون ترجمة وثائق تتعلق بتثبيت الزواج المختلط في المحاكم الجزائرية بالأجانب , بلغت النسبة حوالي 50 بالمائة .

 

زواج مختلط

 

لقد تعودنا على حالات زواج الجزائريين من أجنبيات و أجنبين نتيجة عوامل مختلفة من بينها الهجرة لأغراض العمل و الدراسة و الإقبال الرهيب للجزائريات على الأجانب  ظاهرة تستحق الوقوف عندها .

في أحيان كثيرة تدفع القسوة و الوحدة بالمهاجرين الى اختيار شريك من جنسية مختلفة يساعدهم على التغلب على حنينهم للأهل و البلد , كما يساعدهم على التأقلم مع المجتمع الجديد الذي اختاروه للاستقرار,  لكن هل الاستقرار في البلد يليه بالضرورة استقرار العلاقة الزوجية و تحقق المعادلة 1+1=1 ؟؟؟؟ هنا السؤال يطرح نفسه .

 فنجاح  مثل هذه العلاقات و استمرارها لا يكون مؤكد بسبب التباين الشديد في الخلفية الثقافية و النظرة إلى الأمور حتى لو كان الزوجان يدينان بنفس الدين و هذا ما حدث مع الكثير من الزيجات المختلطة في الجزائر و ليس كلها , سنتوقف عند قضية اليوتيوب و الجزائريات اليوتوبورز اللواتي قررنا مشاركة حياتهن مع المشاهدين و تجربتهن من الزواج بأجنبي كثير من المشاهدين اعتبروا هذا النوع من الفيديوهات محرضة للزواج المختلط و لكن غيرهم رحبوا بالفكرة و دعموها أيضا .

الحلم الصيني

كمثال جزائرية تزوجت بصيني و أنجبت منه ولدين ومما فهمناه من حكايتها أنها تعيش حياة مستقرة مع زوجها الصيني رغم الاختلاف الكبير جدا لنمط الحياة لكلاهما فهي قامت بتغيير جذري , فكل ما كبرت عليه و تعلمته كانت مجبرة على وضعه جانبا لتحظى بالقبول في المجتمع الصيني الذي يعتبر من أغرب المجتمعات و أعقدها .

تقول : ليومنا هذا بعد 04 سنوات زواج لم أتعود لا على الأكل الصيني ولا على المناسبات الصينية و لا على الطبيعية بصريح العبارة لا شيء تعودت عليه  أما عن العلاقة الحميمية مع زوجي مملة جدا يسودها نوع من الركود .

أنا شخصيا أتساءل عن ما إذا كانت تستطيع أن تشعر بأنوثتها و هي متزوجة برجل صيني لأن إشعار الأنثى بأنوثتها مهمة لا يجيدها جميع الرجال فأحيانا المعاملة الحسنة و الخاصة و الحب و الرعاية لا تفي بالغرض فمن الأساسيات التي تُشرع المرأة بالأنوثة , الكلمات و اللغة  فالمشاعر غالبا ما تفقد قيمتها و مصداقيتها حين تُترجم .

تساؤلات

هذا لا يعني عدم وجود من تؤيد بشدة زواج الأجانب مثل الأخت ليندا المتزوجة برجل تركي مسلم أين تقول بأن الناس متشابهين في الطبيعة الإنسانية رغم اختلاف العادات و أسلوب الحياة إلا أن هذا الأمر ممكن أن يزول مع الوقت لان علاقتنا مبنية على الأساس بالمساواة بيننا كزوجين و انا فخورة بتقريب الثقافتين في زمن مليء بالعنصرية و التشدد .

فالزواج من الأجانب تتبعه نوع من المخاوف و الهواجس و هذا بعيدا عن الحب و المشاعر فمثلا في حالات الطلاق و ما أكثرها هل سيتشتت الأولاد و هم في رحلة الذهاب و الإياب بين البلدين للظفر و لو بالقليل من الوقت مع كلا الطرفين ( الأب و الأم )   أو سيحرمون من أحدهما وهذه هي الحالة الشائعة , فغالبا ما يحرمهن الطليق من أبناءهن و نفس الشيء بالنسبة للرجل المتزوج بأجنبية .

 

تجارب

 

و أحيانا تخاف المرأة من الموت و ترك أولادها في بلد غريب مع والد غريب حتى و إن كان أولادها من صلبه فهي تعتبره غريب فما مصيرهم ؟ و هل سيتزوج مرة أخرى ربما بامرأة من جنسيته و المعروف عن الأجنبيات حب الحياة و تبني شعار نفسي نفسي فمن المستحيل لو حدث ذلك أن تعتني بولد ليس منها و تكون نعم الأم له. 

مرة أخرى كل هذه العوامل و المخاوف تلوح دون الرغبة في الإنجاب أصلا في مثل هذه الزيجات و تصل لطريق مسدود.

الزواج سواء كان أجنبي أو محلي فهو قائم على الاتفاق بين الطرفين و لابد من الوقوف لدى مصطلح الدين فهو جد مهم للزواج فعندما يكون الطرفين من دينين مختلفين ينتج عن ذالك الاإنسجام خصوصا من جهة الزوج فهو غالبا ما يكون المسيطر و المؤثر, هنا يجب التفكير جيدا في الدين فزواج المسلمة من غير المسلم لا يجوز شرعا.  

اليوم من يرى أن الزواج المختلط أتى نتيجة لتضائل فرص الزواج في المجتمع الجزائري و أيضا التعرف على شريك من جنسية مختلفة صار متاحا للجزائريات و الجزائريين بسبب ظروف العمل و الانفتاح الاقتصادي لكن هذا لا يمنع رفض أغلبية  العائلات الجزائريات لهذا النوع من الزيجات و التحفظ عليها . 

أبعاد قانونية

تحدثنا كثيرا عن الأبعاد الاجتماعية للظاهرة و الآن سنتحدث عن الأبعاد القانونية  أين قررت وزارة العدل تنظيم عقود زواج الجزائريات من الأجانب التي تتم على مستوى السفارات الأجنبية في الجزائر من خلال دعوة القضاة على لتسجيلها على أنها دعاوي إثبات زواج عرفي كما أمرتهم بالتأكد على مدى توفر أركان الزواج وفقا للقانون الجزائري و أكدت أن عقود الزواج المبرمة على مستوى السفارات الأجنبية بالجزائر هي ليست سندات تنفيذية أجنبية بمفهوم القانون الجزائري الذي يلزم إبرام عقود الزواج أمام ضابط الحالة المدنية أو الموثق عليه فإنها تعتبر عقود غير صحيحة وفقا للقانون نفسه وضع إجراءات مشددة جدا  رآها البعض تعجيزية مما جعل أغلب الجزائريين يتجهون إلى تونس الشقيقة لإتمام عقود الزواج فيها .

موقف

أنا شخصيا ضد الزواج المختلط فكرة و مضمونا فما أراه أنا في الزواج على أنه توافق روحي لا يمكن أن يُجسد مع أجنبي فالإنسان وليد بيئته و لا بد من وجود انسجام بين البيئتين لضمان زواج تتوحد فيه الأهداف و الطموحات و الزواج بالأجانب غالبا ما تكون نهايته الطلاق خصوصا بعد الإنجاب فلابد من التفكير جيدا قبل اتخاذ هذا النوع من القرارات المصيرية.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك