الدين والموقف من الآخر

العلة وأدوات العلاج

بقلم احسن خلاص

في الوقت الذي تبحث فيه الجزائر عن دستورها الأمثل وتضع السلطة مراجعة جديدة هذه الأيام أمام اختيار الشعب وهي في طريق البحث عن تحقيق توازنات سياسية وأخرى ثقافية واجتماعية وتحاول تفكيك ألغام مدسوسة قبل أن تنفجر كقنابل موقوتة في الساعة التي أريد لها أن تنفجر فيها، لاسيما تلك التي تتعلق بالهوية والانتماء الديني والحضاري وعلاقتنا بالآخر المختلف سواء ذلك الذي يعيش بيننا أو ذلك الذي يعيش في الضفة المقابلة أو المجاورة.

في هذا الوقت ذاته نعيش مع العالم الذي يجاورنا ويشترك معنا في الموروث الحضاري الثقافي والديني اضطرابات وقلاقل وفتن ناجمة في كثير منها عن انعدام القدرة على ضمان الإجابات النهائية التي يطمئن إليها الجميع عن أسئلة لا تزال جاثمة بثقلها منذ قرون كثيرة ولا تزال ترمي بثقلها وتجتر الجدالات التي طغت فكانت نقمة على الشعوب إن لم تكن وقودا لفتن وحروب بمجرد أن تتعارض المصالح بين الأطراف وتتزاحم هذه الأخيرة على المواقع.

ومن بين الأسئلة الكبرى التي ظلت عالقة وشديدة الإلحاح على النخب في العالم الإسلامي، سواء الدينية منها أو العلمانية، مسألة الدين والموقف من الآخر. وهو السؤال الذي أعاده إلى سطح النقاش مخبر الدين والمجتمع التابع لقسم علم الاجتماع بجامعة الجزائر ويرأسه الباحث (المناضل) الزبير عروس الذي بادر بفتح نقاش وإدارته بتقنية التحاور عن بعد بمعية مكتب الجزائر لمؤسسة كونراد إديناور الألمانية الذي ترأسه السيدة نورة بلجودي

حضرنا هذه الندوة الافتراضية التي دعي إليها باحثون ودارسون مهتمون بهذا السؤال الضخم، من الجزائر وتونس والمغرب ولبنان والعراق وفلسطين ومصر والكويت حيث تخللتها تدخلات متشعبة حاول كل منها عبثا الإمساك بالموضوع من جناح من أجنحته العديدة بالنظر إلى تشعبه وضخامته مقابل خمس ساعات من الوقت لم تكن كافية إلا لدغدغة جوانب هي جزء من جوانب أخرى أوسع، لكن حسب مثل هذه الندوات أنها فتحت فضاءات للنقاش في مسائل جوهرية لم يجد العالم الإسلامي إلى حلها سبيلا. ولأن المتدخلين حاولوا الإحاطة بإشكالات عديدة متداخلة أحيانا ومتنافرة أحيانا أخرى، سنجتهد في محاولة للملمة شتات الندوة وفق ما استطاع أن يحصده انتباهنا من رؤوس أقلام.

لقد تشعبت نظرة المتدخلين إلى المفاهيم المطروحة منها المفهومان الرئيسيان وهما الدين والآخر إذ كان من السهولة أن يلتبس الأمر على المتابع حول المقصود بالدين، هل هو العقيدة الدينية وما تفرع عنها من شعائر وشرائع وما يحمله موروثها من تأويل وتفسير وروايات وفقه وهنا يمكن الحديث عن الجماعة المؤمنة مقابل الجماعات غير المؤمنة أم هو الانتماء الثقافي والحضاري الواقع في حيز جغرافي يسمى دار الإسلام مقابل دار الحرب حسب تقسيمات القرون الوسطى. ولم يتضح جليا من هو الآخر، هل هو الذي يقع في الضفة الأخرى من الدائرة الحضارية الإسلامية أم ذلك الذي يعيش في أحضان العالم الإسلامي لكنه يختلف عن بعض أجزائه وأطرافه في طريقة التفكير وفي تصوره للإله والعالم ولنمط تنظيم المجتمع دينيا وسياسيا. ثم أن الخيط الأبيض لم يتبين من الخيط الأسود في ما يتعلق بالمفهومين السابقين للدين والغير.

ومع ذلك حاول المتدخلون أن يقدم كل منهم المفاهيم من وجهة نظره الخاصة المتعلقة بميدان بحثه أو بتجربته الخاصة وتجربة بلده مثل ما كان الأمر بالنسبة لمحمد أكديد من المغرب الذي تدخل حول موضوع الدين والمسألة الطائفية وجهة نظر مغربية أو صلاح الجورشي من تونس الذي تناول موضوع الدين وحقوق الإنسان والعلاقة بالآخر المختلف ليلتحق بنطرة الزبير عروس من الجزائر في موضوع الدين وعصر حقوق الإنسان.

غير أن تدخل الباحث الاجتماعي جيلالي المستاري أثار الانتباه لكونه حصيلة بحث سوسيولوجي ميداني حاول تحري الموضوعية في الطرح ما أمكن له من منطلق أنه ينتمي إلى ميدان البحث وإلى جماعة هي طرف من طرفي الصراع. ويتعلق الأمر بموضوع الآخر ومطلب الاعتراف: الحالة الإباضية. وانطلق من معاينة أن المجتمع في منطقة غرداية يعاني مما أسماه الآخرية المأزومة وعرج على الصعوبات التي يشكلها ثقل الموروث الرمزي في محاولة نخب جديدة لاسيما عند الجماعة الميزابية الخروج من الجماعة إلى المجتمع وذكر في ذلك مثالا عن المناضل خير الدين فخار.

وذكر المستاري أن الصراع في غرداية الذي ينطلق من خلفيات طائفية ومذهبية وأخرى إثنية يستدعي في كل مرة عراكا حول الرموز يصل إلى حد النزاع حول تأويل اسم المنطقة من تغردايت عند الإباضيين الأمازيغ إلى غار داية عند العشائر العربية المالكية وتمتد أيضا إلى الشرعية التاريخية من خلال إبراز مشاركة كل طرف في مسار الحركة الوطنية وتولي الطرف الآخر يوم الزحف.

وقد شكلت الأمثلة التي قدمها الباحث فكرة نموذجية عن أن أزمة الدين والموقف من الآخر لا تتعلق فقط بالنظرة إلى من هم خارج الدائرة الإسلامية بل تمتد إلى الصراع داخل الدائرة الواحدة. إذ أن العالم الإسلامي لا يزال بعيدا عن طرح إشكالية الموقف من الآخر المختلف في الديانة والعقيدة إذ عليه أن يبدأ بحل إشكالية العلاقة مع المختلف في الطائفة والمذهب وفي طريقة التفكير وتصور العالم. فالاعتراف بالآخر كما خلص إليه مدير الندوة الزبير عروس ينطلق من التنشئة الاجتماعية وتعلم قبول الآخر قبل أن ننطلق في رحلة التعايش مع الآخر الموجود في الضفة الأخرى.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك