الدولة وثقافة الاعتذار

مسؤولونا نموذجا

بقلم احسن خلاص

المرء بأصغريه قلبه ولسانه
هذه العبارة الجزلة التي تنسب إلى علي بن أبي طالب تعد أفضل ما يتم التعبير به عن شخصية الإنسان التي ترتبط أكثر ما ترتبط بما يخرج من لسانه الناطق بما يحمله المرء من رصيد أخلاقي ومعرفي وقدرة على التواصل المرن مع محيطه. وأكثر الألسنة عرضة للرقابة ألسنة النخب والشخصيات العامة البارزة لاسيما السياسية منها.

بادر وزير الشباب والرياضة بتسجيل مقطع فيديو نشره على مواقع التواصل الاجتماعي يطلب فيه الاعتذار من فهم كلامه خطأ معترفا بأنه بشر يخطئ ويصيب مع أنه اعتبر نفسه غير مخطئ بل المخطئ من تلقى كلامه على غير وجهه الصحيح موضحا أنه لم يقصد الشعب الجزائري بالدعوة لمغادرة البلاد إنما أولئك الذين تزعجهم دسترة بيان أول نوفمبر، ذلك الخط الأحمر الذي لا يشك في أن الشعب الجزائري برمته ملتف حوله، فكأنهم والماء من حولهم قوم جلوس حولهم ماء كما قالها الشاعر ذات يوم.

تدل كلمات الوزير الممزوجة بالابتسامة التي تخفي وراءها حالة من الارتباك الذي ولده الضغط وكأنه اضطر إلى ذلك الاعتذار اضطرارا وفرضه عليه من حوله فرضا أمام ردود الأفعال اللاذعة التي أعقبت تصريحه وقد ذهبت إلى حد التشكيك في ماضي عائلته ومدى ارتباطها بالثورة التحريرية.

ومهما كانت الدوافع تبقى ثقافة الاعتذار شيمة لصيقة بكبار المسؤولين في العالم، وهي قليلة ونادرة عند كبار الشخصيات لاسيما عندما يقدمون الاعتذار أمام الملأ. وليست الانزلاقات اللفظية والتعبيرية حكرا على الشخصيات العامة في مجتمعاتنا بل هي تمتد إلى الشخصيات المؤسساتية الكبرى كرؤساء الدول العظمي مثل ترامب ومن قبله ساركوزي فضلا عن الشخصيات التي لا رقيب عليها ولا حسيب في بلدانها مثل القائد معمر القذافي.

وعرفت الجزائر أمثلة شبيهة بتلك التي شهدتها مع وزير الشباب والرياضة وقد أعقبتها مواقف اعتذار في العديد منها مثل العبارة التي انزلق بها خلال الحملة الانتخابية للرئيس بوتفليقة عام 2014 رئيس الحركة الشعبية الجزائرية عمار بن يونس عندما قال “انعل بو اللي ما يحبناش” كما ظلت مواقف أخرى دون اعتذار مثل وصف وزير الداخلية الأسبق نور الدين يزيد زرهوني التلميذ الثانوي الشاب مسينيسا بالمنحرف بعد مقتله على يد دركي ببني دوالة منطقة القبائل عام 2001.

إنها أمثلة قليلة مما لقي الرأي العام الجزائري من انزلاقات لفظية على يد المسؤولين غير أن الولاة صاروا أكثر المسؤولين عرضة للانزلاق اللفظي والمواقف العنيفة أمام المواطنين مثل ولاة البليدة وسكيكدة وسطيف وبومرداس وغيرهم وغالبا ما يقع الولاة في مثل هذه الانزلاقات عندما يحاولون الخروج عن وجهة تكوينهم الحقيقية في المحيط البيروقراطي لممارسة مهام هي من صلب عمل السياسيين.

عند مغادرته الحكم اهتدى الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة إلى توجيه رسالة اعتذار للشعب الجزائري وهي الرسالة التي لم تلق الاهتمام المطلوب بالنظر إلى أنها نزلت وسط الصخب الذي ملأ به الحراك الدنيا والغضب العارم من موقف التمديد الذي لجأ إليه فحفظت في الأرشيف لتكتشفها الأجيال القادمة وتقرأها على طريقتها الخاصة وهو ما يكون قد رمى إليه بوتفليقة بما يمتلك من حنكة ودهاء.

لقد استهلكت دواليب الدولة المئات من الوزراء وكبار المسؤولين العسكريين والمدنيين وقد تحمل كل منهم جزءا من المسؤولية عن الوضع المزري الذي لا يزال البلد يراوح مكانه فيه، ولا أحد منهم واجه الشعب الجزائري معترفا بخطأ أو بسوء تسيير ولا أحد ممن يصولون ويجولون أمام المحاكم من المسؤولين الحكوميين السابقين ارتأى أن يجعل من منبر المحكمة مجالا لتقديم الاعتذار للشعب الجزائري عن الضرر المادي الذي تسبب فيه فساده ونهبه للمال العام وضرره المعنوي الذي جعل عامة المواطنين يفقدون الثقة في دولتهم ونزاهة مؤسساتها.

وبالرغم من أن الاعتذار من الشمائل الحميدة لدى المسؤولين عن الشأن العام والشخصيات الفاعلة على الساحة إلا أن مجال نفاده لا يمكن أن يتعدى الهفوات التي قد تقع بين الحين والآخر بسبب سوء اختيار العبارات أو عدم تحري الدقة في اختيار الكلمات. غير أن أغلب الأخطاء التي يقع فيها المسؤولون في الجزائر تتعدى المجال اللفظي إلى منزلقات أخلاقية كبرى في التسيير وخرق الآداب العامة دون أن يترتب عنها اعتراف ومتابعة، ذلك أن القائمين على الشأن العام لا يشعرون عادة بأي مسؤولية أمام الشعب الذي لا يعود إليه الفضل في تبوئهم المسؤوليات بالرغم من أن الدستور نص في أكثر من طبعة على أن السيادة الكاملة ملك للشعب وأن الشعب مصدر كل السلطات.

لا يمكن فصل ثقافة الاعتراف بالخطأ وقبول المحاسبة والاعتذار عن الثقافة الديمقراطية الحقة والاعتراف بسيادة الشعب وأهليته للعقاب أو العفو عن الخطأ غير أن أغلب المسؤولين لا ولاء لهم إلا لمن كان وراء وصولهم إلى المسؤولية، وعند مغادرة وزير من الوزراء قطاعا من القطاعات لا يبقى من فترة مروره إلا الذكريات وقد يدعى إلى مغادرة البلد لتمثيله سفيرا في بلد آخر وتؤخذ له التدابير لينعم بتقاعد مريح يمكنه من مواصلة أعماله الخاصة. فهو بذلك لا يحتاج لأن يعتذر لأحد وقد تقدم به العمر ولم يعد له طموح لممارسة عهدة انتخابية يضطر بها للنزول إلى الشارع طالبا ود الناخبين.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك