الدولة.. أهمية التوافق ومناعة الداخل

مقاربات

بقلم د.محمد مرواني /أستاذ جامعي وكاتب صحفي

 

المتأمل في الوضع العام في شقه السياسي والمتابع بدقة لتفصيلات المشهد يرى أننا أمام حالة من “السكون المخيف ” رغم ما يدار ويحاك ضد الجزائر لاستهداف الاستقرار وحالة من الثبات الموجودة في التوجه العام لمواجهة الوباء المستجد “الكورونا ” غير أن الوثائقي الأخير الفرنسي والذي كان “عدائيا ” وافتقد من وجهة مهنية لكل المعايير الإعلامية الموضوعية يؤكد أن حالة السكون التي أشرت إليها في المؤسسات والإيقاع العام رسميا يجب أن لا تبقى بالشكل الذي نرى فالدولة تواجه أزمة صحية عالمية خطيرة وفن نفس هي أمام مفترق طريق حاسم لبناء مسارات من التوافق الوطني الواسع على خيارات المستقبل السياسي والاقتصادي والاجتماعي أو البقاء في موقع ليس بالمريح للمجتمع ولا للدولة يطغى عليه “الاحتقان السياسي ” و”التخوين ” وشحن العقول بالأطروحات المفرقة للوحدة الوطنية والمشتتة لأي جهد وطني خالص يقوي مناعة الدولة الجزائرية من المخططات العدوانية من الداخل والخارج .

 

الاختراق والاستهداف مخطط عدائي ممنهج

 

يجب الانتباه أن “الوثائقي الفرنسي ” الذي سعى أصحابه إلى تسويق صورة سيئة للحراك الشعبي الراقي هدفه لم يكنى فقط تشويه مسار نضالي راقي أحرج فرنسا الرسمية في توقيته وفي أدائه بل إن المخطط العدائي الذي يسعى لاستهداف واختراق أي مسارات نضال وبناء جديد للدولة الجزائرية مازال متواصلا ومنذ انطلاق “الحراك الشعبي ” ثم انتخاب رئيس للجمهورية وهذا المخطط يجب أن يتم التعامل معه على مستويات رسمية وتعبوية فالمرحلة الراهنة سياسيا تحتاج لجبهة وطنية سياسية جديدة تؤسس لمسار جديد ولقطيعة مع ممارسات نظام ميع الدولة وأنتج جماعات ولوبيات استولت على القرار السياسي وأنتجت حالة من “الخواء والفراغ ” في مؤسسات الدولة وافسد العمل السياسي وأضعفت منابر التمثيل الشعبي التي فقدت طيلة سنوات المصداقية وصفة التمثيل لهذا فان الوضع الراهن خارج الضغط الذي فرضه “الوباء المستجد ” يتطلب منا قيادة ومجتمعا بمختلف فعالياته الحية الانتباه لهذه المخططات العدائية التي تريد التحرك في توقيت هام للغاية تأجلت فيه مسارات عديدة من التغييرات في توجه القيادة السياسية المطالبة بخطاب تطمين ومسار من الأداء الذي يتم على أساسه استرجاع ثقة الشعب في الدولة والتوافق على مسارات بناء سياسي ومؤسساتي للدولة في المستقبل وهذا الذي يجب أن يكون في أولويات المرحلة لقطع الطريق على من صدر صورة سيئة عن الحراك الشعبي وأراد به استهداف مؤسسات الدولة وتشكيك المجتمع والفاعلين ضمن مسار النضال في خياراتهم وتوجهاتهم التي تبقى محل نقاش ونضال بين جزائريين ولا دخل لفرنسا وأذنابها في أي شان وطني داخلي .

 

تأطير الأطروحات الجامعة للوطن ضروري

 

يجب الاعتراف أن مسارات سابقة من العمل السياسي وعلى مدار عشرين سنة عرفت حالة من التمييع للأداء وإفراغ للمؤسسات السياسية من كياناتها الحقيقية التي تبني إيقاعا ديمقراطيا في الحياة المؤسساتية وقد اضر هذا التوجه الغير أخلاقي بالمرة بالدولة الجزائرية وجعل مؤسساتها ومنظومة الأداء الرسمي غير قادرة على التأطير رغم حالة الاستقرار الهام الذي يمكن أن تستغله البلاد في إنتاج مسارات ديمقراطية حقيقية تبعد رجال المال الفاسد عن الساحة السياسية وتستدعي الكفاءات الوطنية القادرة على بناء الدولة والتخطيط لمستقبلها ضمن العملية الديمقراطية على التواجد في أعلى هرم مؤسسات القرار السياسي ولأنه غاب هذا التوجه بشكل كامل في تجارب نظام سابق عاش على “الولاءات ” وتوزيع ” الريع ” وشراء ما سماه “السلم الاجتماعي ” فقد وجد النظام منذ بداية الحراك الشعبي كيانه الهش أمام لغة “حادة ناقدة لكل مكوناته في حراك شعبي راقي سلمي وحد العديد من الأطروحات الجامعة للوطن خارج المنابر الكلاسكية والمؤسسات وأكد من جانب ضعف التأطير الحزبي للفاعل الحقيقي في ساحة العمل العام بإسقاطاته السياسية وتبعا لهذا أضحى من الضروري خلال هذه المرحلة بالذات توحيد “الأطروحات الجامعة للوطن ” التي تلتفت على قوة الدولة الجزائرية ومرجعيتها الوطنية والتي ترتكز على طابع نظام الحكم السياسي والتوافق الوطني العميق على خيارات الأمة في مختلف المجالات والقطاعات والاتجاه إلى سن شريعة “التقاعد الوطني ” الذي يحفظ مصالح الوطن ويعزز من مناعته اتجاه الوافد من تحديات خطيرة ومخططات عدوانية تستهدف الجزائر وهي محاطة بوضع اقليمي هش ومتدهور وغير مستقر سياسيا ولا أمنيا وهذه المعطيات التي يجب أن تكون ضمن أي تقديرات للقرار الاستراتيجي للدولة تستحق هي الأخرى أن يتم حولها تعبئة الرأي العام الوطني ومختلف الفواعل لبناء خطاب داخلي سياسي رصين يراعي خصوصية الوضع خاصة في أبعاده الإقليمية والدولية ويقطع الطريق أيضا على أطروحات تريد التفرقة وشحن “الجهوية ” في خطاب جماعات  

 

استرجاع ثقة الشعب يحتاج لواجهة جديدة

 

ما يبعث على القلق العام مؤخرا هو أن ثقة الشعب لم يتم لحد الآن استرجاعها وفي المقابل لا يمكن الحكم وبكل موضوعية على أداء قيادة سياسية جديدة في ظرف عصيب الم بالوطن والعالم بأسره ” وباء مستجد عالمي ” والفترة التي انتظرنا فيها الإيقاع العام والتوجه الجديد لم تتحرك وهذا يبدو أن واضح خاصة مع تبعات الوباء والتركيز على تأطير الأزمة الصحية الخطيرة واسترجاع الثقة في أي خطاب وتوجه رسمي لأي قيادة يحتاج لمسار طويل من العمل السياسي والمؤسساتي العميق الذي يستهدف بالدرجة إصلاح منظومة القيم التي تضررت كثيرا في هذا البلد وأنتجت ممارسات في غاية الضعف داخل مؤسسات الدولة كما أن استرجاع الثقة يجب أن يكون في أولويات المرحلة الحالية لان التخوف من أي خيارات أخرى تستدعي إنتاج واجهة قديمة غير مقنعة سياسيا قد تكون أضراره على الانسجام والتوافق الوطني خطيرة للغاية وهذا يجب أن تنتبه إليه القيادة السياسية الجديدة التي تملك بدائل متوافق عليها لإعادة بعث مسار تصحيح وتصويب شامل.

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك