الدستور ومجتمع الحريات

الحفاظ على شعرة معاوية

بقلم احسن خلاص

منذ دستور عام 1989 قفزت الحريات الفردية والجماعية إلى واجهة النقاش في بناء المسار الديمقراطي في الجزائر. لقد انتقلت مع الانفتاح نحو التعددية الذي حدث من موقع المسكوت عنه إلى مكانة المكسب الذي لا رجعة فيه حيث أبقى عليها المؤسس الدستوري كباب من أهم أبواب الدستور مع أنه ارتأى في كل مرة أن يجري تغييرات بالحذف والإضافة والضبط في كل مرة يعرض الدستور للتعديل.

ما الذي جعل مسألة الحريات تكتسب هذا الاهتمام في المجتمع وترتقي أحيانا إلى اعتبارها ضرورة حياتية مثلها مثل العمل والمأكل والمسكن والهواء وما الذي جعلها تبقى مطلبا دائما لا يزال السعي إليه قائما ويتسع أكثر مع مرور الزمن. لماذا تجتهد التشريعات القانونية والدستورية في كل مرة من أجل أن تطرح مسألة الحريات بشكل أدق يضبط توازناتها بين الحاجات المعبر عنها اجتماعيا وسياسيا ومقتضيات ممارسة السلطة وسيادة منطق الدولة ومبدأ توزيع الحريات بشكل متوازن ومتساوي في عملية مقايضة تفرضها السلطة بحجة أن الحريات ذاتها قد تمس بحريات أخرى فضلا عن أنها قد تهدد النظام العام وثوابت المجتمع. ولكي لا تبدو السلطة في موضع الخصم والحكم تطرح هذه التوازنات لتزكية المجتمع عن طريق الاستفتاء.

ثمة عوامل اجتماعية وثقافية تتضافر لتولد الحاجة إلى المزيد من الحريات منها الانتقال السريع من الأحادية إلى التعددية ومن التكتل إلى التنوع ومن امتداد النزعة الفردانية على حساب الروح الجماعية التقليدية منها مثل العشائرية والقبلية والطائفية والحديثة مثل المؤسسات والتنظيمات والجمعيات وغيرها. وتنمو الحاجة إلى الحريات أيضا مع بروز ثقافة المواطنة لتأخذ مكانها تدريجيا على حساب المرجعيات التقليدية ويساعد على ذلك ازدياد التثاقف والاحتكاك بالمجتمعات التي قطعت شوطا في تجسيد المجتمع التعددي الحر وقد لعب تطور تكنولوجيات الإعلام والاتصال دورا كبيرا في هذا الاحتكاك. ويشهد مجتمعنا عهد التحولات في هذا المجال بامتياز لذا نجد الحريات تقع في قلب صراعات متعددة ناتجة عن قوة المقاومة المجتمعية والسلطة المهيمنة لحاجة الأفراد إلى الحريات.

ونجد في صدارة الحريات التي تواجهها قوى المقاومة والضبط الحريات السياسية والفكرية والدينية والاقتصادية والجنسية التي تمثل في مجملها زحفا رهيبا للمجتمع الليبرالي الذي صار يطور مواقف دوغمائية شمولية مناقضة لمبادئه التعددية ذاتها. وتقع حرية التعبير على رأس الحريات بما تتميز بها من أفقية إذ تتقاسمها الحريات السياسية والفكرية والاقتصادية تليها حرية المعتقد والعبادة قبل أن تأتي حرية المبادرة والابتكار.

لقد تطور الاهتمام بالحرية في الدستور الجزائري بشكل ملفت للانتباه من منطلق أن الشعب الجزائري شعب حر ومصمم على البقاء حرا وهي العبارة التي استهل بها الدستور ديباجته حيث لم يفصل بين حرية الشعب وحرية الأرض التي اعتبرها منبت الحرية. غير أن الكثير من القوى الاجتماعية والسياسية التي انخرطت بقوة في الحراك الشعبي تنطلق من أن الشعب الجزائري وإن أنهى معركة تحرير الأرض فإن معركة تحرير الإنسان لم تنته بعد وتظل مجالا دائما للنضال على أساس أن مكاسب الحريات تبقى دائما هشة بعيدة عن أن تكتسب صفة الدوام والصلابة التي تجعلها محل تقديس، وقد رأينا من خلال التجربة السياسية التي خاضتها الجزائر منذ 1989 كيف كان زمن الحريات قصيرا بل أقواسا تفتح ثم ما تلبث أن تغلق وتفتح أشواط جديدة من النضال من أجل اكتسابها من جديد بل ويتقلص تدريجيا عدد المنادين بها أمام نزوع السلطة لفرض المزيد من القيود وإطلاق آلة الردع والقمع وغلق منافذ ممارسة الحريات بحجة الحفاظ على النظام العام وحماية الثوابت وحماية الحقوق والحريات التي يعتبرها الدستور من التزامات الدولة كما ورد في المادة 16 من الطبعة الجديدة للدستور التي تنص على أن “تقوم الدولة على مبادئ التمثيل الديمقراطي، الفصل بين السلطات، وضمان الحقوق والحريات والعدالة الاجتماعية” وأكدتها المادة 35 في بندها الأول الذي نص على: “تضمن الدولة الحقوق الأساسية والحريات” ويأتي تأكيد المضمون ذاته مرتين على حرص المؤسس الدستوري على أن تتولى الدولة ذاتها ضبط تطور الحريات وكبح جماحه تحت مظلة ضمان هذه الحريات.

لذا نجد أن المادة 34 الجديدة تقدم بعض التفصيلات لفهم المادتين 16 و 35 فهي تنص في بندها الأول على أن الأحكام الدستورية ذات الصلة بالحقوق الأساسية والحريات العامة وضماناتها تلزم جميع السلطات والهيئات العمومية دون أن تشير صراحة إلى درجة مرونة هذه الأحكام من طابعها الردعي إذ تشير المادة ذاتها إلى مسوغات تقييد الحريات عندما نصت على: “لا يمكن تقييد الحقوق والحريات والضمانات إلا بموجب قانون ولأسباب مرتبطة بحفظ النظام العام والأمن وحماية الثوابت الوطنية وكذا تلك الضرورية لحماية حقوق وحريات أخرى يكرسها الدستور”.

ونجد أن المؤسس الدستوري بقدر ما حرص على أن لا يجعل تقييد الحريات مفتوحا على اجتهادات أجهزة الدولة المكلفة من خلال ربطه بقانون إلا أن الحجج التي ينبغي أن يتضمنها القانون ذاته ليست دقيقة بل هي مفتوحة لتشمل مجالات واسعة تحتويها مسوغات فضفاضة مثل النظام العام والأمن والثوابت الوطنية وحريات أخرى…وهي مجالات لم ترسم بدقة حدودها مما يفتح المجال أمام المشرع للتمادي في تقييد الحريات إلى أقصى حدود التمادي ويفتح المجال أمام تعسف أجهزة الدولة الأمنية والقضائية وحتى التأديبية في تطبيق الأحكام أو الخروج عنها بشكل مرن بالرغم من الضمانات الأخرى التي وردت في المادة ذاتها بأن القيود لا يمكن أن تمس بجوهر الحقوق والحريات وأن الدولة تسهر على ضمان الوصول إليه ووضوحه واستقراره. وقد بين رفض الترخيص لأحزاب سياسية معتمدة بإقامة اجتماعاتها في القاعات العامة دون تبرير قانوني هشاشة هذه الأحكام والضمانات حتى ولو وردت في الدستور.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك