الدستور وداربي الثوابت

فرص النقاش الحقيقي تضيع

بقلم احسن خلاص

عندما سئل رئيس حركة البناء الوطني عبد القادر بن قرينة خلال منتدى “الوسط” هذا الأسبوع عن القاعدة السياسية التي يمثلها أجاب أنه يقود التيار الثوابتي النوفمبري الباديسي العريض الذي حصل خلال آخر انتخابات على مليون ونصف المليون من أصوات الناخبين وهو ما يجعل من تشكيلته السياسية الأولى وطنيا ويحسب لها ألف حساب من منطلق أن هذه النسبة من المصوتين سترجح الكفة لصالح تبني هذا الدستور مقابل الأصوات التي يمكن أن تجندها حمس وجبهة العدالة والتنمية لرفض الوثيقة الجديدة.

ويكون بن قرينة بهذا الحديث قد استنهض من جديد حربا شرسة للاستحواذ على الوعاء الثوابتي وأشعل معركة استقطاب داخل التيار الباديسي النوفمبري الذي نشأ ضمن التفاعلات التي أفرزها الحراك الشعبي. كما يكون قد استدرج الصراع لينحصر حول مدى قرب هذا الطرف أو ذاك من هذه الثوابت وقدرته على الدفاع عنها.

تنطلق حركة البناء الوطني من أن الدستور الجديد على الرغم من التحفظات القليلة على بعض مواده إلا أنه يعتبر أفضل حصن دستوري لثوابت الهوية العربية الإسلامية وأحسن من دافع عنها فقد أضاف إلى المواد السابقة في هذا الشأن ما يقرب من 40 مادة جديدة تدعم الحصانة الهوياتية وتقيها من الهجمات التغريبية والتهديدات بالتقسيم وضرب استقرار البلد.

ويحق أن نلاحظ أن النقاش السياسي المفتوح بمناسبة التعديلات الدستورية لا يزال يراوح مكانه والحملة الاستفتائية قد دخلت أسبوعها الثالث ولم يبرح بعد الساحة الإسلامية إلا في حالات نادرة، فإذا استثنينا خطابات أعضاء الطاقم الحكومي الذين تدخل خرجاتهم ضمن التزاماتهم الوزارية ضمن مخطط أعباء الحكومة لهذا الشهر الذي يتضمن شرح مواد الدستور وتحسيس المواطنين للتصويت عليه، فإن النقاش حول الدستور صار بمثابة داربي إسلامي وكأن باقي الأطياف السياسية لا علاقة لها به مطلقا.

لقد انطلق السباق الإسلامي – الإسلامي منذ البداية حول من يحتل أرض المعركة على مرأى ومسمع الجميع، وحتى الوزراء الذين نزلوا إلى الميدان اكتفى كل واحد منهم بذكر مزايا الدستور على قطاعه من ماء ونقل وطاقة وتربية وغيرها. وترك المجال هذه المرة لتشكيلات التيار الإسلامي لتنشط العرس الاستفتائي وتحسم به معركة الريادة على العمل السياسي الإسلامي في الجزائر نهائيا.

لقد ملأ الإسلاميون الدنيا وشغلوا الناس إلى درجة أن محاولات بعض الأحزاب الموالية للرئيس السابق على غرار حزب جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي للانخراط في الحملة الاستفتائية باتت محتشمة أمام الجهود التي صار يبذلها بكثافة أطراف التيار الإسلامي الذي صار يستقطب اهتمام الإعلام وتعج به مواقع التواصل الاجتماعي.

ولم يتخذ الإسلاميون الدستور حصان طروادة فحسب بل جعلوا من الحملة الاستفتائية فضاء لإبراز قوة عضلات كل واحد منهم في ملحمة الدفاع عن الثوابت العربية الإسلامية التي أنشأوا لها أعداء وهميين من العلمانيين ودعاة الجهوية والفرنكفونية والبربرية والتقسيم وذهبوا إلى حد إقحام فرنسا باستغلال تصريح وزير خارجيتها لدريان الذي ثمن فيها التعديلات الدستورية وتمنى أن يخطو الجزائريون بهذا الدستور الجديد خطى نحو التقدم.

ولأن السياسة في جانب كبير منها تبنى على اغتنام أحسن الفرص فقد دعي الإسلاميون وحدهم هذه المرة إلى تنشيط المعركة من خلال دخول طرفين مختلفين المعركة أحدهما يدعم التعديلات الدستورية بينما يرفضها الآخر وبينهما طرف ثالث مقاطع وهو من بقايا التيارات الراديكالية القديمة.

وضمن هذا الاستقطاب السياسي الإيديولوجي الداخلي تضيع جوانب من النقاش العام الذي ينبغي أن ينطلق بجدية وعجالة. ومن هذه الجوانب تلك المتعلقة بالوضع الاقتصادي للبلد إذ قل ما نسمع الإسلاميين يتحدثون باكتراث عن التناقص المريع لاحتياطات الصرف لتصل إلى 47 مليار دولار ولا عن أفضل وأنجع الطرق لمحاربة التضخم وعن العجز المالي والزحف الرهيب للبطالة وتنامي التشغيل الهش فضلا عن الحديث عن إصلاح القطاع المالي وكأن مثل هذه المشكلات العويصة متروكة للعلمانيين بينما لا شغل للإسلاميين إلا رد الهجمات التي تتعرض لها ثوابت الأمة. وقل ما نجد انشغالا إسلاميا بمعضلة الدخول المدرسي والجامعي الناشئة عن تبعات انتشار فيروس كورونا وقل ما يهتمون بمصير ما يقرب من 10 ملايين تلميذ وأفضل ما يمكن به إنقاذ أبناء المدارس من الضياع.

لقد ضاعت النقاشات السياسية الحقيقية في داربي الثوابت والهوية حتى أن السيد بن قرينة صار يتباهى بأنه كان السند السياسي للمؤسسة العسكرية في موقفها الرافض لتمديد فترة الولاية الرابعة للرئيس بوتفليقة الذي كان يحمل مخططا لهدم الثوابت الوطنية وإنشاء مجلس تأسيسي وإرساء نظام فيدرالي.

وليس هناك ما يقيم الحجة على عقم الساحة السياسية من النقاش القائم اليوم حول الدستور الذي سيلزم الجميع بعد التصويت عليه في الفاتح من نوفمبر وحينها سيهرول الجميع إلى مناقشة بعض بنوده حسب الطلب وما تقتضيه المصالح.

ويبدو أن ميدان معركة الثوابت واسع ومادته لا تنضب مادام يوجد في هذا البلد من يذكي النعرات ويوقظ الفتن كما أن ميدان النقاش حول القضايا الكبرى الخاص بالنهوض التنموي سيتقلص وتصبح اهتماماته لا تتعدى الدائرية الحكومية.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك