الدستور والقيود على الحريات

وسع مجالها وتحكم في ممارستها

بقلم: أحسن خلاص
تحظى الحريات بمكانة معتبرة في التعديلات الدستورية المتعاقبة على وثيقة دستور 23 فبراير 1989، بعد أن كانت الدساتير السابقة عنه قد كرست جملة من الحقوق كالحق في السكن والعمل وغيرها مقابل التنازل القسري للمواطنين على كافة حرياتهم في ظل دولة توجيهية ومركزية لا تعترف بالمبادرة الفردية والجماعية.

كان لابد للجزائر التي أراد حكامها بعد 1988 الانتقال من مشروع المجتمع المبني على سيطرة الدولة على جميع أشكال الإنتاج إلى مشروع ليبرالي مبني على اقتصاد السوق والمنافسة والمبادرة الفردية والجماعية أن يرتقي تشريعها إلى هذا الطموح الجديد، حتى أن حزب جبهة التحرير الوطني الذي بادر جناحها الإصلاحي بانفتاح ديمقراطي على المجتمع كان يسوق لفكرة مفادها أن مهمة الحزب الجديدة هي الانتقال من النضال من أجل التحرير من المستعمر إلى العمل من أجل الحريات والحقوق الفردية والجماعية الجديدة مثل الحق في الإضراب والتظاهر والتملك التي لم تكن مكرسة في الدساتير السابقة.
ولم تشر التعديلات المتعاقبة على دستور 1989 إلى المرجعية النوفمبرية لمبدأ الحريات فقد جاء في بيان أول نوفمبر أن تحقيق هدف الاستقلال الوطني يمر عبر إقامة الدولة الجزائرية الديمقراطية الاجتماعية ذات السيادة ضمن إطار المبادئ الإسلامية وكذا احترام جميع الحريات الأساسية دون تمييز عرقي أو ديني. ومن هنا فإن تحرير الأرض وإقامة الدولة المستقلة لا يتم دون تحرير الشعب الجزائري ذاته.
غير أن تحرير الشعب مسار طويل ومعقد تعترضه عقبات أكبر بكثير من تلك التي اعترضت مسار تحرير الأرض. ولعل من أكبر معوقات تطور الحريات في الجزائر غياب القابلية للتحرر لدى المواطنين في عدة مجالات. وإن كان تخفيف قبضة سلطات الدولة على الحياة العامة هو ما ظل يسعى المناضلون في مجال حقوق الإنسان إلى تحقيقه منذ زمن بعيد، إلا أن مجالات أخرى من التحرر لا تقل أهمية من التحرر من استبداد السلطة السياسية منها التحرر من قبضة البنيات الاجتماعية التقليدية التي ظلت تكبح الطموح إلى الرقي بالإنسان لممارسة مواطنته على أكمل وجه.
وهنا ينطلق الجدل حول ما إذا كان تكريس الحريات في الدستور والنصوص القانونية كافيا للقول باتساع مجال الحريات. فلا معنى لتكريس الحريات السياسية وحرية التفكير والإبداع والعبادة في مجتمع ينشئ مواطنيه منذ نعومة أظافرهم على الطاعة العمياء ويغيب عنهم روح النقد والدحض عبر منظومة أسرية ومسجدية ومدرسية تغيب العقل والجدل وتغذي روح احتكار الحقيقة، ولا جدوى من وضع أكبر عدد من النصوص المكرسة للحريات في مجتمع لا يؤمن بالتعددية الاجتماعية واللغوية والفكرية ولا يقتنع بالرأي والرأي الآخر، مجتمع يكرس التمييز والكراهية والعنصرية منطلقا من حرية التعبير ذاتها.
نوهت لجنة الخبراء القانونيين التي كلفتها السلطة بتقديم مقترحات التعديلات الدستورية باتساع مجال الحريات في المنظومة الدستورية الجزائرية وذهبت إلى أنها كرست الحقوق والحريات القائمة وأضافت إليها عشرين حقا وحرية جديدا لم تكن منصوصا عليها من قبل في الدستور بالرغم من أن الجزائر التزمت بها في المعاهدات والمواثيق الدولية. كما أنها عملت على ضبط وتحديد هذه الحقوق والحريات لكي تؤدى بالشكل الذي لا يضر بحقوق وحريات الغير وبالمبادئ الأساسية التي نص عليها الدستور، فضلا عن أن البنود المقترحة لا تتعلق بتوسيع الحريات بقدر ما بينت حدود وكيفية تقييدها، ثم أن عدم التنصيص على حرية من الحريات لا يعني بالضرورة عدم القدرة على ممارستها في الواقع لأن المسكوت عنه مباح بالضرورة. لكننا نجد المقترحات المطروحة تدور في فلك الضوابط التي تلتزم بها السلطات والمواطنون الممارسون للحريات لاسيما في مجال النشاط الجمعوي والسياسي.
نجد من بين الحريات المكرسة حرية الاجتماع وحرية التظاهر المضمونتان، وتمارسان بمجرد التصريح بذلك على أن يحدد القانون كيفيات ممارستهما، ومجال القانون هو المجال الذي يتيح للمشرع وضع القيود التي تحد إجرائيا ممارسة هذه الحريات مثل منع إجراء التظاهرات في أماكن محددة ورفض إتاحة الفضاءات كالقاعات لممارسة الاجتماعات والتظاهرات. وينطبق نظام التصريح على إنشاء الجمعيات مع الإحالة إلى القانون المحدد لكيفية إنشاء الجمعيات وشروط منحها إعانات الدولة. غير أنه تم استثناء إنشاء الأحزاب السياسية من نظام التصريح مع إلزام الإدارة بالامتناع عن أي ممارسة تحول دون حق تأسيس الأحزاب الذي يضبطه القانون الذي يلتزم بالمعاملة المنصفة لكل الأحزاب السياسية وهو البند الذي لا يمكن تطبيقه في الواقع بالنظر إلى التفاوت بين الأحزاب التي استفادت من دعم الدولة بالأموال والمقرات بمجرد ولائها للسلطة مثل حزب جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني وبين التي لا تجد حيزا ضيقا لاجتماعاتها بسبب مواقفها المعارضة.
غير أن ما يبدو عموما على الطبعة الدستورية الجديدة أنها جاءت لتعزيز ضبط المنظومة السياسية التقليدية القائمة ولم تلتفت إلى أن الحراك الشعبي أنتج أشكالا جديدة من الوعي السياسي الجمعي قد لا تحتويه الأحزاب السياسية القائمة أو تلك التي ستقوم ضمن أحكام المنظومة القانونية القائمة وقد رأينا كيف أن الحراك أفرز قيادات محلية قادرة على تأطير الحياة السياسية تأطيرا جديدا دون أن تعترف بالأحزاب السياسية كإطار أمثل لممارسة الحياة السياسية بحرية بالنظر إلى الطابع الاستبدادي الذي يسود في الأحزاب السياسية التقليدية. وتشهد الظاهرة الحزبية تراجعا كبيرا على مستوى العالم كله وليس فقط في الجزائر التي لم يترشح رئيسها بدعم حزبي بل بدعم من المجتمع المدني. قد نعود إلى جوانب أخرى لا تقل أهمية في موضوع الحريات في تحليلات مقبلة.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك