الدستور والحراك خلف المستقبل

بين الاحتقان والوئام

بقلم: احسن خلاص

عاد الحراك إلى واجهة الحدیث والنقاش بقوة لاسیما بعد أن ساعد على ذلك ما بثته قناة فرنسیة من أفكار اعتبرها نشطاء في الحراك انحرافا واضحا عن المقاصد الأساسیة للهبة الشعبیة الذي عرفتها الجزائر منذ أكثر من عام وأثار ردة فعل رسمية جزائرية.

 

وكانت وثیقة مشروع التعدیلات الدستوریة قد اقترحت من قبل إدراج الحركة الشعبیة في دیباجة الدستور في الوقت الذي یسود التساؤل عن واقع ومستقبل هذه الهبة الشعبیة وما الدور الذي یمكن أن تلعبه في الحركیة السیاسیة التي تتجه السلطة من خلالها إلى تنشیط أجندة التطبیع السیاسي من خلال طرح مسودة التعديل الدستوري للنقاش والاستفتاء ثم تعقبه انتخابات برلمانیة بینما یتوجس الشارع من التداعیات الاقتصادیة والاجتماعیة لأزمة وباء كورونا، والأضرار التي ستعرفها نشاطات حیویة إنتاجیة وخدماتیة، وهي أضرار يصعب تقديرها وإحصاؤها بالنظر إلى انتشار الاقتصاد الموازي بكثافة لاسيما في المدن.

 

هل یمكن في هذه الحال الحدیث عن مستقبل واضح يطمئن له الجميع للعلاقة بین السلطة والجموع الناشطة ضمن الحراك الشعبي وكافة المجتمع وأمام تواصل عملیات توقیف نشطاء ومدونين على مواقع التواصل الاجتماعي الذي یتزامن مع تمدید الحجر الصحي إلى آجال أخرى.

 

تقول الحكومة إنها بصدد إعداد خطة محكمة لتنشیط الآلة الاقتصادیة فور زوال خطر جائحة كورونا لكن لا أحد اطمأن بأن موعده قریب ولا أحد على علم بتفاصیل هذه الخطة وعلى ثقة بقدرتها على النجاح أمام التوجهات السریعة لتقلبات سعر المحروقات والركود الذي يعرفه الاقتصاد العالمي.

 

تساؤلات كثیرة تفرض نفسها ولا تجد لها أجوبة جاهزة. هل سیستأنف الحراك عبر المسیرات الأسبوعیة بمجرد انقشاع الوباء؟ وتحت أي شكل سيستمر إذا استمر وبأي محتوى؟ وعلى أي مدى سیكون انتشاره واحتضانه في المجتمع؟ وهل ستكون دسترة الحراك حجة في ید السلطة لتقف منه موقف الرافض لطبعة جدیدة منه قد تفلت من يدها ويصعب عليها ضبطها ورقابتها لاسیما وأن خطاب السلطة یؤكد كل یوم أنه دسترة الحراك خطوة أولى في اتجاه تلبیة جمیع مطالبه فلا داعي للاستمرار فیه ولا جدوى منه بل إن استمراره كما ورد في تصريحات مختلفة لأعضاء الحكومة ومنهم وزير الداخلية، يخدم أجندات أجنبية بما فيها أجندة الكيان الصهيوني.

 

ولیس أدل على هذا الموقف من الصیغة التي ورد بها الاعتراف بالحراك في مسودة الدستور الجدیدة إذ یقترح صاحب المبادرة أن الشعب “يعبر عن حرصه على ترجمة طموحاته في هذا الدستور بإحداث تحولات اجتماعية عميقة من أجل بناء جزائر جديدة والتي عبر عنها سلميا منذ الحركة الشعبية التي انطلقت في 22 فبرایر 2019 في تلاحم تام مع جيشه الوطني الشعبي”، وهو تعبیر جاء بصیغة الماضي للدلالة على أن الحراك حركیة اجتماعیة سیاسیة بدأت وانتهت في الزمن ولم یبق منها إلا إحیاء ذكراها في كل سنة وجعلها معلما تاریخیا مثلها مثل ثورة أول نوفمبر1954  وهذا یؤید ما أقدمت علیه السلطة بمناسبة إحیاء الذكرى الأولى لاندلاع الحراك في 22 فبرایر الماضي حيث جعلت من هذا الیوم یوما للاحتفال بتلاحم الشعب بجیشه”.

 

وفي الضفة الأخرى، عند الناشطین المیدانیین، نجد مفهوما آخر للحراك ینطلق من أن ورشة تغییر النظام لا تزال مفتوحة وأن الحراك دینامیكیة شعبیة موجهه نحو المستقبل ولیس مجرد ذكریات من الماضي تحفظ في الأرشیف ونستذكرها في كل سنة بالرغم من أن الحراك قد توقف عن إنتاج أدبیات جدیدة بل ظل یجتر خطابا مستهلكا وهو ما شجع على تنامي مظاهر التعامل الأمني مع المسیرات قبل أن یوقفها الوباء إلى حین.

 

غیر أن الغموض الذي أشرنا إلیه قد یرشح الوضع لمزید من الاحتقان وقد یهدد سلمیة الحراك ویرجح احتمالات الصدام لاسیما وأن سیاسة القبضة الحدیدیة تجاه النشطاء والمدونین عرفت تصعیدا جدیدا خلال شهر رمضان المنصرم ولا شيء یدل على أنها

سترتخي قریبا فضلا عن أن التدابیر الحكومیة تجاه المتضررین اقتصادیا من الوباء قد لا تكفي لمواجهة آثاره الوخیمة.

 

وبالرغم من تمدید الحجر هذه الأیام إلا أن تحركات حكومیة وأخرى محلیة على مستوى الولایات تدل على قرب التعویض عن الحجر الصحي بتشدید التدابیر الوقائیة وعلى استئناف النشاطات لاسیما تلك التي لها علاقة مباشرة بالحیاة الیومیة للمواطن فقد بدأ التحضیر في الولایات الساحلیة لموسم الاصطیاف في ظل الوضع الصحي الجدید كما أن قطاعات كثیرة مدعوة لاستئناف نشاطها بقوة بالرغم من أننا مقبلون على فترة صیفیة ملیئة بالمخاطر في ظل حالة الترقب السائدة.

 

لا شيء یدفع إلى الجزم بأن الأجندة السیاسیة التي اقترحتها السلطة قد تضمن مخرجا آمنا من الوضع الذي نعیش فیه إذ أن المسودة الدستوریة المقترحة لم ترق إلى مستوى بعث نقاش عام جاد یفضي إلى توافق بین كل الشركاء والفاعلین في الساحة ثم أن مقترحات لجنة لعرابة جاءت مخیبة للآمال حتى لدى الأوساط المقربة من السلطة حیث أنها لم تمس بجوهر نظام الحكامة الذي أدى إلى انفجار الحراك الشعبي ولا شيء یدل على أن إرادة ملموسة لتغییر النظام القائم بالرغم من الخطاب المطمئن للرئیس تبون.

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك