الدستور بين الدولة الكفيلة والدولة الناظمة

الضمان في بيئة ليبرالي

بقلم:أحسن خلاص

عندما دخلت الجزائر في عهد الدستور- الإطار في عام 1989 ساد اتجاه لدى المتابعين للشأن السياسي والدستوري ولدى الدارسين والباحثين أن البلد قد خطى الخطوة الأولى غير الهينة تجاه انسحاب الدولة تدريجيا من الحياة العامة ومن دور الضامن والكفيل الاجتماعي إلى دور جديد تقتصر فيه الدولة على مهمة الضبط العام لمجتمع يفترض أنه صار حرا وتعدديا وتنافسيا ووظيفيا.

كان الطموح يغلب على تلك التصورات وكذا الرغبة في تحقيق تحول اجتماعي سياسي عميق نحو مزيد من الحريات المجتمعية قد أعمى الأبصار عن واقع مجتمع لم يخرج بعد عن ذهنية الكفالة التي تكرست فيه وترسخت منذ ما قبل الاستقلال حيث كان قادة الحركة الاستقلالية يبشرون الجزائريين، وهم تحت وطأة الاحتلال، أن تشكيل دولة مستقلة سيدة هو الوحيد الذي يضمن لهم التعويض عن الحرمان الذي وقعوا فيها جراء الاستغلال والبطش الاستعماري لثروات البلاد وكرامة العباد.

هذه المنطلقات أرستها الحركة الوطنية، إذن، وثبتها نداء أول نوفمبر بهدف إنشاء دولة ديمقراطية اجتماعية وأكدتها الآثار الوخيمة لحرب التحرير التي مست من شارك فيها ومن لم يشارك، إذ أن الاستعمار وزع الحرمان بالتساوي بين الجزائريين فجعل من الضروري أن تكون الدولة المستقلة بديلا بدورها المعاكس وهو توزيع الرفاهية بالتساوي بين الجزائريين.

دستور 1989، الذي لا زال المؤسس الدستوري يحوّر فيه ويستنسخ منه ويعدل إضافة وحذفا في كل منعرج عندما يتبين أنه لا يتضمن الآليات المناسبة لحل الأزمات وإنقاذ النظام من المآزق والأزمات التي يقع فيها، أدخل الجزائر في عهد لم تألفه لاسيما وأن أحداث أكتوبر 1988 التي جاء على إثرها كانت تستهدف تقويم سياسة الدولة في توزيع الثروات الوطنية التي كانت “الجماهير الشعبية” المنتفضة ترى أنها بدأت تنحرف عن مبادئ العدالة الاجتماعية وبدأت مظاهر الترف والتميز تظهر لدى بورجوازية صغيرة نمت كالفطريات خاصة في المدن وضمن اقتصاد ريعي لم يكن فيه مدخول الفرد انعكاسا حقيقيا للعمل والجهد والإنتاج والإبداع الفردي ولا نتاجا للمبادرة والابتكار بل ظل لسنوات ضمن واجب كفالة الدولة واستجابتها للحاجات الملحة للتخلص من الحرمان والآثار المترتبة عن حرب تحرير مريرة. كان واجب إطعام الشعب من الجوع دون إغنائه من الفقر همّ كبار المسؤولين في الدولة الذين أنشأوا لهذا الغرض قنوات “اقتصادية” من خلال الشركات الوطنية لتوزيع الريع وتشكيل المجتمع الاشتراكي الجديد في المدن والقرى.

ولم تكن الدولة خلال الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي بحاجة إلى إطار دستوري لإضفاء شرعية على توجه الدولة الكفيلة، فقد فرضتها الظروف التاريخية كما أشرنا، كما فرضها توجه عالمي لدى جل الدول المستقلة حديثا والتي انضوت تحت حركة عدم الانحياز ومالت إلى التوجهات الإيديولوجية للمعسكر الأوروبي الشرقي تماما كما فرض انهيار هذا المعسكر التوجه نحو الردة عن هذه التصورات الإيديولوجية التي ظهرت أنها عقيمة ونالت انتقادات داخل المجتمع الذي استفاد منها مما برر المرور عام 1989 إلى دستور يتجه نحو التخلص تدريجيا من دور الضامن والكفيل إلى دور الناظم الضابط للحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

غير أن دستور 1989، بالرغم من فتحه باب الحريات وإحداثه لنوع جديد من الحقوق المتعلقة بممارسة الحريات ذاتها إلا أنه لم يجرؤ على القطيعة التامة مع الدولة الكفيلة لاسيما وأن الظرف الذي اعتمد فيه هذا الدستور كان صعبا على الفئات العريضة من المجتمع بعد دخول الجزائر في أزمة مالية خانقة جراء تدهور أسعار البترول منذ عام 1986 ولم تكن لتنجو منه إلا فئة قليلة اغتنمت من الانفتاح الذي باشره الرئيس الشاذلي بن جديد منذ عام 1982.

صار لزاما على الدستور الجديد أن يكون توافقيا بين “المكاسب الاشتراكية” والتوجهات العالمية نحو مزيد من الليبرالية والاحتكام إلى السوق في صيغة اجتماعية ديمقراطية هجينة إذ مزجت الدولة بين إتاحة المجال لبروز فئات من رجال الأعمال الخواص من رحم ريع الدولة مقابل الاحتفاظ بحقوق موروثة عن العهد السابق كحق العمل والسكن والتمدرس والعلاج وغيرها من الحقوق التي صارت لها مرتبة القداسة في مجتمع يتطور ديموغرافيا واجتماعيا وتتطور معه حاجاته ومتطلباته وقد ساهمت في الحفاظ على اجتماعية الدولة البحبوحة المالية التي عرفتها الجزائر خلال العشرية الأولى من هذا القرن، ومكنت الدولة من الحفاظ على السلم الاجتماعي الذي كانت بحاجة إليه بعد امتحان العشرية السوداء التي سبقتها من جهة ولتمكين السلطة القائمة من الاستمرار في نهب الثروات وتشكيل أوليغارشيات جديدة.

وعندما اندلع الحراك الشعبي لم يتضمن مطالب اجتماعية فئوية أو نقابية لكنه طرح، إلى جانب الإشكالية السياسية، إشكالية استغلال السلطة والنفوذ للاستحواذ على الثروات الوطنية ونهبها لحساب هذه الأوليغارشيات الناشئة في عهد البحبوحة المالية، فقد كادت هذه النزعة أن تعصف باستقرار الدولة بعدما أوهنت المؤسسات الضابطة وأضعفت آليات الرقابة على المال العام. ولعل هذا ما يفسر توجه المؤسس الدستوري من خلال التعديلات المقترحة في مسودة السلطة الجديدة للمراجعة الدستورية إلى تعزيز دور الضامن للدولة إلى جانب دورها الضابط. فقد أضافت التعديلات حقوقا جديدة للمواطنين على الدولة التكفل بها بمقتضى الدستور، إذ تلزم بها كل الحكومات والتوجهات والبرامج السياسية ليبرالية كانت أم محافظة منها حماية المرأة من كل أشكال العنف في الفضاء العمومي والمجالين المهني والخاص وضمان التكفل بالنساء الضحايا ماديا وقضائيا. وبالرغم من اعتراف الدستور بحرية التجارة والصناعة وتوليها ضبط السوق إلا أنه احتفظ بحق الدولة في التدخل في الاستثمارات الاستراتيجية بالمساهمة الغالبة أو بدور المراقبة المباشرة وغير المباشرة. ولضمان قيامها بدور الضابط الناظم أتاح المؤسس الدستوري إنشاء سلطات ضبط في جميع مجالات النشاط الاقتصادي والإعلامي وغيرها. وبالرغم من الإشارة إلى استقلاليتها إلا أنها تعد أدوات ضبط الدولة للحياة العامة بامتياز.

كما ظهرت مجالات ضمن التعديلات الجديدة لم يكن من قبل يشملها واجب كفالة الدولة منها حماية المستهلك والحصول على الماء الشروب وحق الأجيال القادمة فيه وجودة العلاج واستمرار الخدمات الصحية والتحسين الدائم لظروف المعيشة والعمل إلى جانب الوقاية من الأمراض والأوبئة وترقية التربية البدنية والرياضة ووسائل الترفيه كما تساهم الدولة في تمكين المواطنين من السكن وتحسين جودة التربية والتعليم وذهب المؤسس الدستوري إلى تضمين التعديلات مقترحات شعبوية تدخل ضمن البرامج السياسية منها توفير الوسائل المادة والمؤسساتية لتنمية قدرات الشباب وتحفيز طاقاته الخلاقة وتشجيع الشباب على المشاركة في الحياة السياسية كما شملت ضمانات الدولة المسنين وذوي الحاجات الخاصة ضمن دور الدولة التضامني.

لقد سقنا هذه الضمانات الجديدة التي دخلت على الدستور، على سبيل المثال لا الحصر، لنبين النزعة المحافظة للدولة في سبيل التحكم في التضامن والانسجام الوطني ودرء مخاطر التوجهات الليبرالية الجديدة التي نمت في المجتمع بالرغم من أن هذا المجتمع ذاته أظهر أنه وفي لتقاليده التضامنية العريقة.

 

 

 

 

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك