الدستور بين الاستمرارية والتداول

في صلب إشكالات الحراك الشعبي

بقلم: احسن خلاص

خلال الانتخابات الرئاسية الفرنسية عام 1995 طرحت على الناخب الفرنسي مسألة ذات أهمية تتعلق بالحفاظ على مبدأ التداول كأساس من أسس النظام الديمقراطي في هذا البلد، فقد جمع المعركة الرئاسية رئيس التجمع من أجل الجمهورية اليميني جاك شيراك بالأمين العام للحزب الاشتراكي اليساري ليونيل جوسبان وهي الانتخابات التي فاز بها شيراك، إلا أن فوز جوسبان في السباق كان سيظهر فرنسا كبلد متخلف سياسيا وأشبه ما تكون ببلدان العالم الثالث التي تعمر فيها الأحزاب في الحكم لعقود من الزمن. والسبب أن الحزب الاشتراكي كان قد استهلك عهدتين رئاسيتين من 7 سبع سنوات لكل واحدة منهما (في ذلك الوقت)، في ظل حكم فرانسوا ميتران ويستعد لعهدة ثالثة ليصل عدد سنوات حكمة 21 سنة وهو متوسط عمر الرؤساء والأحزاب الحاكمة في إفريقيا. كان المراقبون يتمنون فوز شيراك لأن فوزه كان بمثابة المنقذ لمبدأ التداول على السلطة الذي يعتبر أهم ركائز الديمقراطية.

وكان الحفاظ على مبدأ التداول على السلطة أيضا دافعا أساسيا للحراك الشعبي، إذ أن الطموح لعهدة خامسة لرئيس عدّل الدستور لفتح العهدات الرئاسية وضمان رئاسة أبدية كان قبل أن يغلقها في خريف عمره، بمثابة القطرة التي أفاضت الكأس لاندلاع الهبة الشعبية المطالبة بإيقاف المشروع والحيلولة مستقبلا دون بروز محاولات تحريف مبدأ التداول. وها هو مشروع التعديلات الدستورية اليوم لا يقف فقط عند اقتصار رئاسة البلاد في عهدتين متتاليتين أو منفصلتين بل أضاف إليها تحديد عدد العهدات البرلمانية في عهدتين.

والمتتبع للتجربة الجزائرية في هذا الجانب يلاحظ أن البلاد لم تعش تداولا على السلطة بصورة منتظمة ولم يكن يقع في كل مرة بشكل سلس وديمقراطي كما أنه ظل تداولا داخليا إذ لم يخرج عن دائرة عائلة سياسية واحدة وهي عائلة حزب جبهة التحرير الوطني ببعديه السياسي والعسكري، ثم أنه لم يكن مناسبا الحديث عن العهدات الانتخابية بل كان الأمر يتعلق بعهود، حيث انتقلت الجزائر من عهد بن بله (3 سنوات) إلى عهد بومدين (13 سنة) ثم عهد بن جديد (13 سنة) قبل أن تدخل في عشرية سوداء ثم تعود من جديد إلى عهد بوتفليقة (20 سنة). وما بين 1990 و 2000 عرفت البلاد خمسة رؤساء هم بن جديد وبوضياف وكافي وزروال وبوتفليقة بما معدله رئيس لكل عامين كما تداول على تسييرها سبعة حكومات من مجموعة 18 حكومة تولت تسيير البلاد منذ 1989 إلى اليوم، وهي معدلات للتداول فوق المعايير المتعارف عليها في أعرق الديمقراطيات، غير أنها لم تكن إلا تعبيرا عن الاضطراب والتخبط الذي كان يعيش فيها النظام المحاصر بأزمات أمنية واقتصادية وسياسية، ولم يكن التداول صحيا خاضعا لمرجعية دستورية بل كان ضمن حالة طوارئ جاءت بعد إلغاء المسار الانتخابي الذي مكن لأول مرة قوة خارج حزب جبهة التحرير الوطني من الأغلبية التي تؤهلها لأخذ زمام الحكم.

لا يمكن قياس حفاظ أي بلد على مبدأ التداول انطلاقا من التجربة الجزائرية، إذ لم يكن اعتلاء سدة الحكم يوما نابعا عن تنافس رجال نابعين من عمق المجتمع أو برامج تضع الناخب أمام خيارات مختلفة بل كان أغلبه عن طريق الانقلاب على النظام السابق فقد انقلب احمد بن بله عام 1962 بواسطة جيش الحدود على الحكومة المؤقتة قبل أن ينقلب عليه بومدين عام 1965 ثم يستخلف هذا الأخير بعد وفاته بطريقة لم تضمن الاختيار حتى بين أفراد الأسرة السياسية الواحدة مثل عبد العزيز بوتفليقة ومحمد الصالح يحياوي فقد جاء بن جديد مفروضا من قبل قيادة الجيش آنذاك وبتوجيه من مخابرات قاصدي مرباح ليتولى أمر البلاد حتى جاءت اللحظة التي نقل فيها الجيش الحكم إلى محمد بوضياف بطريقة غير ديمقراطية وهكذا دواليك بالنسبة لكافي وزروال وبوتفليقة إلى أن وصلنا إلى الرئيس تبون الذي ينتمي إلى عائلة حزب جبهة التحرير الوطني ولو أنه ترشح حرا مثل زروال وبوتفليقة وها هو يقترح على الجزائريين اليوم تعديلا عميقا من أجل إيجاد دستور “عابر للعهدات” ويربط قيادة البلاد بالإرادة الشعبية والاختيار الحر.

هذا هو التداول الذي عهدته الجزائر، تداول ضمن الاستمرارية، حيث لم يتفتح على المجتمع للمشاركة في صنع القرار حتى في أحلك فترات النظام القائم منذ عام 1962، وحتى التداول داخل النظام ذاته لم يكن مفتوحا إذ سرعان ما أغلق القوس الذي فتح في 1997 بظهور التجمع الوطني الديمقراطي بديلا لحزب جبهة التحرير الوطني الذي قاده عبد الحميد مهري نحو المعارضة، حيث أعاد بوتفليقة حزب جبهة التحرير الوطني إلى واجهة حكمه وترك للتجمع الوطني الديمقراطي دور الوصيف في تركيبة برلمانية لا دور لها إلا تزكية قراراته وتوجهاته تماما مثل ما يدعى الحزبان اليوم وهما يتأهبان لعقد مؤتمريهما ليكونا ركيزتي مبدأ الاستمرارية الذي هو أساس استقرار النظام بعد الهزة التي عرفها جراء الحراك الشعبي.

لا يزال التداول الديمقراطي يبحث له عن مكان تحت الشمس إذ أن النصوص التأسيسية لوحدها لا تكفي لإقامته وترسيخه دون رجعة في ظل نظام حكم يفضل التداور على التداول بين القوى السياسية والاجتماعية القائمة في المجتمع. غير أن مما لا يساعد على تحقيق التداول الصحي في الجزائر، ليس النزعة المحافظة والمتشددة للنظام فحسب بل لأن الطبقة السياسية هشة ولا تملك البدائل السياسية لصنع موازين قوى جديدة لتفرض التداول في الواقع.

 

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك