الدستور بين الأحادية والتعددية

حضر الإقصاء وغاب الإصغاء

بقلم: احسن خلاص

تقوم الحياة العامة في المجتمعات الحديثة، وبشكل بديهي، على التنوع الفكري والاجتماعي والعقائدي واستعداد المجموعات البشرية بمختلف انتماءاتها ومرجعياتها للعيش المشترك والتبادل الثقافي والحوار السياسي، ويعتبر الاعتراف بهذا التنوع علامة على بلوغ مستويات من الحضارة والرقي والقدرة على التعايش والتثاقف والتبادل الذي يفضي إلى إثراء رصيد الجميع والشعور بأن الكل معني بالدفاع عن وجود الأجزاء وحقها في التعبير.

هذه هي القاعدة الراسخة اليوم وما دونها تراجع عن الرصيد الذي حققته البشرية والتجربة الإنسانية التي اكتسبتها بعد قرون من الصراعات والحروب المريرة إلى أن اهتدت ولو في حدود إدارة الصراعات فأنشأت مؤسسات عالمية للدفاع عن حق الجميع في الوجود وتحريم هذه المجموعة البشرية على تلك بسبب اختلاف عقائدي أو عرقي أو لغوي أو فكري وتقوم  الدول الحديثة من جانبها على رعاية الحق في التنوع والتعدد في جميع أبعاده.

لقد عاشت الجزائر التعددية السياسية والفكرية منذ بزوغ التيارات الطموحة إلى الحياة في دولة عصرية بداية من القرن الماضي، سواء كانت تحت لواء النظام الاستعماري أو بالانفصال عنه. فقد عرف فجر الحركة الوطنية نشوء أحزاب سياسية وصحف وجمعيات أهلية موازية للتعددية التي عرفها النظام الاستعماري. وبالرغم من خطورة الأمور محل الاختلاف بين مكونات النخبة الجزائرية، لتعلقها بمصير الأمة والمجتمع وعلاقتهما بالكيان المحتل، إلا أن ثقافة التعايش والتسامح والاحترام المتبادل ارتقت بالتعددية الثقافية والسياسية إلى مستوى لم تنل منه إلا بعض الخلافات حول ترتيب الأولويات وكذا الأزمة البربرية العابرة عام 1949.

لقد كان للقمع الذي تعرض له الشعب الجزائري خلال مجازر 8 ماي 1945 وقع على التعددية الفكرية والسياسية التي أنهكتها بعد أن ازدهرت منذ بداية القرن فقد شهدت فترة الخمسينات تراجعا للزخم الذي عرفه الإنتاج الإعلامي والنقاش السياسي بين الحركات السياسية والاجتماعية لما شعر الجميع بفقدان جدوى النضال السياسي واختلاف المنابر ودخول الحركة الاستقلالية في خلافات داخلية، مهدت لظهور مجموعة الشباب التي أغقلت قوس التعددية إلى حين ليسمح المجال للعمل الثوري الذي تذوب فيه الاختلافات من أجل هدف واحد.

لم تشر الدساتير والمواثيق التي عرفتها الجزائر إلى مبدأ التعددية وكأنها عارض مرضي في مسار بناء الأمة لأن الأصل في ذهن واضع نصوص مشروع المجتمع كما الدستور لا يوجد شيء اسمه التعددية أمام الوحدة كهدف أسمى والتي لا تعني إلا انصهار الجميع في وطن واحد ذي الفكر والدين الواحد واللغة الواحدة فيما يعرف بوحدة التصور والعمل الذي ورثته الدولة الجزائرية المستقلة من ثورة التحرير التي كانت حريصة على تذويب جميع التيارات السياسية القائمة قبل اندلاعها في قالب جبهة التحرير الوطني وما عدا ذلك فقد اعتبر حركات مناوئة متهمة بخدمة أهداف العدو.

ظلت التعددية إلى زمن متأخر من عمر الجزائر المستقلة سيئة الذكر إلا في أوساط نخبوية ضيقة بل تعني التشرذم المؤدي إلى تشتيت الصفوف إذ ظل يظهرها النظام كخطر على الوحدة الوطنية وهو يضمر خوفا من التهديدات التي قد تأتي من المعارضة والرأي الآخر.

لقد حسم الحراك الشعبي في الجزائر مسألة التعددية بشكل واضح حيث كانت الشوارع الساحات العمومية ولأكثر من عام كامل، ولا تزال لولا الهدنة التي نشأت بسبب وباء كورونا، مسرحا لالتقاء جميع الجزائريين في تناغم وتعايش سلمي انبهر منه العالم، وهو التعايش الذي لم يكن ذوبانا أو انصهارا بل كان يشكل التقاء وتكاملا بين كيانات سياسية وفكرية وعقائدية ولغوية وجهوية مختلفة أصرت على السير جنبا إلى جنب نحو هدف وطني واحد.

لم يؤسس الدستور لا في ديباجته ولا في مواده للتعددية كإحدى الأسس التي يقوم عليها المجتمع الجزائري ولو أنه أسس من قبل للمصالحة الوطنية التي جاءت كرد فعل على قوس من الصراع فتح عرضيا في فترة من الفترات قبل أن يغلق ويشكل التعايش في ظل التعددية القاعدة الأبدية وكان ينتظر في ظل النزعة الدولية للتعديلات الدستورية المطروحة اليوم أن تدرج فكرة العيش المشترك في سلام التي دافعت عنها الجزائر في المحافل الدولية واستطاعت جعل يوم 16 ماي يوما عالميا للعيش معا في سلام.

غير أن التعددية لم تكن غائبة في النصوص فحسب فقد غابت عن تفكير رجال السلطة المتعاقبين إذ لم تكن تكرس في أحسن الحالات إلا كواقع مفروض أو خيار متاح ومقبول ولم تكن ترتقي إلى مستوى واجب الدفع إليها من منطلق أنها منبع الثراء المجتمعي الذي يساعد على تحقيق تنمية وطنية خارج ما يوفره الريع. وهو ما يجعل الجزائر بعيدة عن أن تستفيد من تنوعها الجغرافي والفكري واللغوي وتعدديتها السياسية مثل ما تفعل الأمم المتطورة بذكاء.

ولم يكن لوضع مثل هذا الذي توجد فيه التعددية في الجزائر إلا أن يهددها ويهدد معها التماسك الوطني فقد ظهرت إلى جانب الصور الجميلة التي أظهرها الحراك الشعبي محاولات إذكاء النعرات ونشر خطاب الكراهية وإقصاء الآخر، خطاب يعتمد على تشويه التاريخ ونشر التهم الباطلة في صراع من شأنه أن يلهي الجزائريين عن الذهاب إلى المسائل الجوهرية المتعلقة بدمقرطة الحياة السياسية وضمان مشاركة حقيقية للشعب في صنع قراره ومصيره والتفرغ للتنمية الاقتصادية والاجتماعية باستغلال إيجابي لتنوعه الحيوي.

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك