الدستور بين إرادة التمثيل وإرادة التعيين

السيادة الشعبية في تآكل دائم

بقلم: أحسن خلاص

عندما انطلق قطار الحراك الشعبي العام الماضي لوقف زحف الولاية الخامسة للرئيس السابق بوتفليقة أدرك الشعب أن ما يمكن أن يعطي لتلك الحركة الشعبية العارمة بعدا تاريخيا هو اغتنام تواجد الشعب في الساحة العمومية لينادي بأعلى صوته باستعادة السيادة الشعبية التي لم يكن يطالب بها من قبل إلا عن طريق قلة من المناضلين السياسيين الذين يرمون عادة بالخيانة ويزج بهم في السجون بالرغم من أن دستور 1976 في المادة 5 منه ودستور 1989 في المادتين 6 و 7 وآخر طبعة للدستور لعام 2016 نصت في المادة 7 و 8 على أن السيادة الوطنية ملك للشعب وحده يمارسها عن طريق الاستفتاء أو انتخاب ممثليه في المؤسسات.

لقد بينت التجربة السياسية للنظام الجزائري أنه كان يعتمد السيادة الشعبية مرجعا في مواثيقه الرسمية، على الأقل منذ عام 1976، حيث كان النظام البومديني شعبويا في خطابه السياسي بغية القضاء على الشرعيات التاريخية لقادة الثورة التحريرية التي لزمت النظام كالظل وحاولت في كل مرة فرض نفسها، لكن الخطاب السياسي المهيمن كان ينطلق بالمقابل من أن بطل الثورة التحريرية الوحيد هو الشعب وأن الثورة الاشتراكية يقوم بها الشعب ليجني ثمارها دون سواه.

ظل الشعب منذ الاستقلال في حركة مطلبية متواصلة من أجل إثبات مكانة مقوم من مقومات الهوية الجزائرية أو لتأكيد ضرورة تحقيق العدالة الاجتماعية في توزيع الثروات الوطنية غير أن هذه الحركة المطلبية لم تتجاوز إطار الاحتجاج لتطالب بافتكاك السيادة الشعبية من نظام اتخذها شعارا سياسيا دون أن يشعر المواطنون بوجودها في الواقع السياسي، فمنذ أن صوت الشعب في جويلية 1962 على استعادة الأرض ترك مصيره بين يدي قوى سياسية مسلحة متصارعة على السلطة دون أن يطالب بحقه في أن يكون مصدر القرار. وبما أن القرارات السياسية المتخذة منذ بداية الاستقلال كانت شعبوية فقد أغنت الشعب عن الحاجة إلى المشاركة الحقيقية في صنع قرارات وتوجهات الدولة فضلا عن آلة القمع الجهنمية لكل من يطالب بذلك، ولسان حال الشعب آنذاك يقول: اسكت فإن القائد يفكر. وهو الشعار الذي بسطه معمر القذافي في شوارع طرابلس لكنه ينطبق ضمنيا على قادة الأنظمة العربية والإسلامية.

لم يكن نظام هواري بومدين ومن بعده نظام الشاذلي بن جديد قبل عام 1989، يتيح الاختيار الحر لممثلي الشعب بالشكل الذي يجسد السيادة الشعبية بل إن أبواب المجالس المنتخبة لم تكن مفتوحة إلا ل”القوى الثورية” فقد كانت تمثل وفق دستور 1976 “مؤسسات قاعدية للدولة للتعبير عن الإرادة الشعبية وتحقيق الديمقراطية واللامركزية ومساهمة الجماهير الشعبية في تسيير الشؤون العمومية على جميع المستويات. ويجب أن تمثل المجالس الشعبية المنتخبة، بحكم محتواها البشري، القوى الاجتماعية للثورة وأن تتكون أغلبيتها من العمال والفلاحين الذين تتوفر فيهم مقاييس الكفاءة والنزاهة والالتزام بما يتنافى مع الثراء أو امتلاك مصالح مالية”. وبالرغم من هذه الشروط المحتكرة للتمثيل إلا أن اختيار نواب هذه المجالس كان يخضع لما يشبه “التعيين الانتخابي” إذ لم يكن الترشح متاحا إلا لمن نال تزكية أعلى سلطات الحزب والدولة ليتبوأ مقعده من المجلس الوطني أو المجالس المحلية. فقد كانت سلطة التعيين المطلقة والشاملة تمتد إلى المجال الضيق الذي كان يسمى تمثيل الإرادة الشعبية.

ظلت السيادة الشعبية في حدها الأدنى المشروط تتآكل ولا تجد من يدافع عنها حتى بعد اعتماد دستور 1989 الذي كان أكثر وضوحا في تبيان أن الشعب مصدر كل سلطة وأن السيادة الوطنية والسلطة التأسيسية ملك للشعب وهي السيادة التي يمارسها بواسطة المؤسسات الدستورية التي يختارها عن طريق الاستفتاء أو انتخاب ممثليه وهو المبدأ الذي ظل قائما دون تغيير في طبعات 1996 و 2016 من الدستور إلا أنها تجسد في مواد ديكورية لا صلة لها بالواقع السياسي والتوجه الصارخ، لاسيما لدى الرئيس بوتفليقة إلى إفراغ أي شكل من أشكال السيادة الشعبية من محتواه. وكان هذا التوجه قد صاحبته استقالة جماعية للشعب الذي وقع في شبكة المطالب الاجتماعية القطاعية التي لم تتوقف طيلة سنوات الألفين وبعدها، حتى أن أغلب الجزائريين لم يعثروا على المادة 7 و 8 من الدستور إلا بعد اندلاع الحراك الشعبي.

كانت الدولة الجزائرية منذ الاستقلال ولا تزال إلى اليوم تقوم على سلطة التعيين ولم يكن تمثيل الإرادة الشعبية التي نص عليها الدستور إلا عرضا وبشكل طالما شوهه ما اعترى الاستحقاقات الانتخابية من شبهة التزوير الذي يشرف عليه الولاة المعينون وشراء الذمم ودخول المال الخاص في التمثيل النيابي في الغرفتين التشريعيتين وفي المجالس المحلية فضلا عن أن جزءا من هذا التمثيل يخضع لتعيين السلطة التنفيذية مثل ما هو حال الثلث الرئاسي ورئيس مجلس الأمة.

لقد كان من اهتمامات الحراك الشعبي التخلص من دولة التعيين والانتقال النوعي إلى دولة التمثيل في جميع المجالات لضمان استقلالية المؤسسات وتوازنها بشكل فعلي فقد كان الطموح هو الوصول إلى رفع منسوب الإرادة الشعبية في القرار السياسي وتقليص مجالات التعيين وإلغاء مركزة أغلبها في مؤسسة رئيس الجمهورية إلا أن الذي فاجأت به مسودة التعديلات الدستورية هو النزعة إلى الغلو في تكريس سلطة التعيين التي شملت أغلب المناصب بما فيها منصب نائب رئيس الجمهورية المستحدث والمدعو لاستكمال العهدة الرئاسية للرئيس في حالة حصول مانع لهذا الأخير. لقد كان الطموح أن تمتد الإرادة التمثيلية وتتجاوز مجرد مناقشة البرامج الحكومية والنصوص التشريعية والمصادقة عليها إلى المصادقة على تعيين أعضاء الحكومة بتصويت الثقة على كل عضو منها كما هو جار في العديد من البلدان.

لا يزال منسوب الإرادة الشعبية يتآكل ويترك مكانه لإرادة التعيين المركزية التي لم تشأ الاقتراحات الدستورية الأخيرة مراجعتها إلا بما يعززها أكثر. وفي خضم هذا الوضع لن يصبح للاستحقاقات الانتخابية أي دور في التأثير على القرار السياسي الذي يبقى يحتفظ بمساره التقليدي المنطلق من السلطة التنفيذية مرورا بالإدارة وسلطات الضبط والمجالس الاستشارية الموازية للهيئات التمثيلية.

 

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك