الخوف من الرجل الفينيقي

الإرث الاستعماري المسموم

بقلم: وليد فرج

ما كاد لغط إلغاء التظاهرة الثقافية، للاحتفاء بالأزياء التقليدية يخفت وسط الشعب، قبل ممثلي الجمعيات المشاركة التي توافدت من كل حدب و صوب على العاصمة ، لترجع لمنازلها بخيبة عريضة متجشمة تكاليف التنقل وسط هذا الوباء و الفاقة المالية التي انجرت عنه حتى تداعت مجموعة من الجمعيات الناشطة ، بمناسبة زيارة وزيرة الثقافة لمدينة وهران ، والتي حسب ادعائهم أنها أعادت تصنيف آثار فينيقية و تزييفها إلى آثار رومانية ، بلغ الأمر إلى حد مطالبة نائب برلمانية بتدخل رئيس الجمهورية لتصحيح الوضع و وقف عملية تزييف تصنيف هذه الآثار التي حسبهم تعتبر من مكونات الهوية . 

إن تضمنه رد مديرية الثقافة بوهران ، على هذا اللغط الحساس ، زاد الأمر تعقيدا إذ عبر عن ضعفنا في المجال الأركيولوجيي ، وهذا بإقرار رد مديرية الثقافة لوهران  بان الموقع الأثري لبطيوة ، مصنف كتراث ثقافي منذ 1900 من طرف السلطات الاستعمارية ، وهذا التصنيف اعتمد رسميا من طرف السلطات الجزائرية بتاريخ : 23/01/1968 تحت رقم 07 تحت اسم بقايا رومانية ، إذ اكتفت السلطات بما ورثته عن المستعمر . مع إقرار الرد على انه لم ،   لم تجر أي عملية تنقيب أو بحث في الموقع بحجة عدم وجود مخطط حفظ و استصلاح الموقع الأثري آنذاك ! ليستدرك الرد على أن الموقع مصنف (بقايا مدينة رومانية) نواته الأولى فينيقية (حسب الدراسة الأولية التي أجريت بالموقع من قبل مكتب دراسات المكلف بإعداد المخطط) .

فأين الخطر في اعتماد تصنيفات الآثار على ما تركه المستعمر من دراسات و أبحاث ؟ وما حقيقة هذه التصنيفات ؟

يشكل التأريخ لسياقات البحوث، الأثرية القديمة في الجزائر واحد من أقل المواضيع اهتماما من المختصين في الحضارات القديمة ، ويعود ذلك إلى الانفصال المعرفي الغير مبرر بين علم الآثار و العلوم الأخرى كالتاريخ و علم المخطوط و الخط وغيرهم ، فضلا عن كثرة الحواجز الفاصلة بين الباحثين ، الذين لا نتهيب في وصف منجزهم بالترميق الأدبي ، أو المعتمد على ما خلفه المستعمر ، الذي كانت تصبو نخبه الاستعمارية إلى ربط تاريخ الجزائر خلال مراحل ما قبل الإسلام بالحضارة الرومانية ، تكريسا لسياسة الإدارة الاستعمارية ، على اعتبار أن العثور على شواهد أثرية رومانية ، يعتبر موردا مهما ترتكز على إعادة تشييد الذاكرة اللاتينية العميقة للمستعمرة الإفريقية ، ومصدرا ملهما في تأسيس مشروع فرنسة الهوية الجماعية للجزائريين .  

إن حالة التوافق بين الإرث المسموم للباحثين و المستكشفين الاستعماريين ، و إدارة الجزائر في بدايات الاستقلال ، قد يكون له ما يبرره هو انعدام الأدوات الوسائل المعرفية و المادية ، لكن لا يجد له اليوم أي مبرر ، و ما إقرار الإدارة الممثلة في مديرية الثقافة بوهران ، بانعدام مخطط حفظ و استصلاح الموقع الأثري ، إلا واحدة من أكبر الجرائم ، والتي سبقتها سنة 2012 جريمة أشنع منها في حق آثار فينيقية، بمنح موقعها لمستثمر سياحي و القضية تداولتها آنذاك عدة وسائل إعلامية .

يتضح لنا ان التركيز على التعامل مع الآثار ، حماية و استكشافا ، يحتاج الى تفحّص الجوانب الايديولوجية و طبيعة مختلف الممارسات المرتبطة بأي عملية تمس الآثار ، فالبارحة كانت نتائج الحفريات الاثرية في خدمة السياسة الاستعمارية الفرنسية ، في إعداد الجزائر للاستيطان الاستعماري ، فلا يَتخيل اليوم إعادة إستكمال ما فشل فيه المستعمر ثقافيا ، الذي أقر ضمنيا حسب ما تضمنه رد مديرية الثقافة بأن الموقع الاثري روماني شُيِّد على نواة فينيقة ، حسب تصنيف السلطات الاستعمارية ، فإن لم يكن دليلا على ما سبق ذكره ، فهو قرينة دالة عليه . 

إن العداء للحضارة الفينيقية و القرطاجية ليس وليد اليوم ، بل يرجع إلى بدايات زمن المستعمر ، الذي قيد لها مجموعة من نخبه تولت تشويه الحضارة الفينيقية و طمس آثارها لغرض الترويج للتراث و الحضارة الرومانية و الإغريقية ، وتزعم هذه الحملة المدرسة التاريخية الفرنسية ، وما لبث هذا التيار حتى خفت بريقه مع مطلع الخمسينات ، لصالح البحوث الأكاديمية الجادة مثلما كتبه سينتاس في كتابه (الخزف البونيقي) إذ امتدح العبقرية البونيقية ،  ودعى العديد من المختصين إلى إعادة قراءة الفترة البونيقية بعيدا عن أي ايديولوجيا بل راح العديد منهم إلى تأسيس معاهد مختصة في الحضارة الفينيقية كما فعل سباتينو موزاكاتي سنة 1960 ، حين أسس مدرسة الدراسات الفينيقية و البونيقية ، لتطلق اليونيسكو سنة 1970 حملة (أنقذوا قرطاج) ، التي لاقت صدا واسعا لدى علماء الآثار ، مما جعل ساحة قرطاح مسرحا للدراسات و الأبحاث الأكاديمية المحكمة . كما يعتبر دليل البحث الذي نشرته (نامور) و (لوفان) البلجيكيتين سنة 1989 و 1995 متضمنا دراسات أكاديمية كثيرة متعلقة بنقد ما حوته المصادر الكلاسيكية عن التاريخ القرطاجي ، أو نظرتها إلى الحضور الفينيقي في الفضاء المتوسطي .

مع كل هذا الزخم و الحراك الثقافي الأوروبي حول الحضارة الفينيقية و البونيقية ، نلاحظ الغياب التام لأي نشاط ثقافي أو بحثي مغاربي يجاري هذه الدراسات ، بل رأينا تعمد تغييب هذه الحضارة عن أرضنا ، و إقصائها من تاريخنا ، بل وصل الحد إلى الاعتداء على آثارها ، و محاولات طمسها . 

فلماذا كل هذا الرهاب من الرجل الفينيقي ؟

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك