الخوف سلعة يمكن تسويقها في زمن جودة الحياة

الكمامات الوجه الجديد للعبودية

 

هشام قاضي

مؤلف كتاب: كورونا؛ نحو موت الإيديولوجيا وميلاد الإنسان الجديد 

 

من قال ولى زمن العبودية فقد أخطأ، ولا أقصد هنا عبودية قائمة على العنصرية ولون البشرة أو الجنس، بل اليوم وفي ظل الإنسان ما بعد الحداثة وإنسان زمن كورونا نشهد أنواع من العبودية الناعمة التي لا نشعر بها، لهذا لا نحاربها ولا نتكلم عليها، بل نتبناها وقد ندافع عليها. ألسنا اليوم عبيدا للتكنولوجيا ونمط حياة الوفرة ؟ ألسنا عبيدا للفايس بوك والهواتف النقالة؟ إن التكنولوجيات لاسيما التي ترتبط بتقنيات الاتصال جعلتنا نعيش الكسل العاطفي مع أبناءنا وأزواجنا ومحيطنا، بحيث نتثبت بتلك التقنيات لدرجة أنه لا نشعر بأننا مُسْتَعْبَدُون ومُسْتَبْعَدُون عن العالم العاطفي الذي ينبغي أن نعيشه مع الذين يحيطون بنا والنتيجة أننا نعيش وهم الحرية، ونعتقد أن الحرية نفسها في تلك الوسائل.    

فهذا نوع من العبودية التي نالت من آلية الدفاع عن حريتنا معتقدين أننا أحرار وأننا مسيطرون، ولكن اليوم مع انتشار الوباء الكوني وسيطرته على سيرورة حياتنا الطبيعية يعاد السؤال عن الحرية، عن علاقة الفرد بالسلطة وعلاقته بالقيم وبالدين وعلاقته مع نفسه في حد ذاتها. مع الإنسان الجديد، إنسان مجتمع الكوفيد -19.

إن وباء كورونا جرد الإنسان من مقولة السوبر مخلوق أو الإنسان السيد، والمتحكم على الطبيعة، إلى مجرد إنسان يمكن لفيروس مجهري أن يقضي عليه، ويجعله يقبع في منزله خوفا من الموت أو خوفا منه.

إن الجائحة اليوم كشفت عن من نكون، وما سنكون عليه فعندما يرتبط الأمر بالموت والحياة، فلا أخوة ولا صداقة، ولا اتحاد ولا جار، ولا علاقة قَيْمِية يمكن أن تحضر أمام الوباء، أليس الوباء جعلنا جبناء وأكثر حمقا وغباء في بعض الأحيان؟  

ربما هناك من يشاطرني الرأي أنه لو كنا في معركة حقيقة حيث العدو ظاهر للعيان سنقاتل عن شرفنا، وعن شرف أصدقائنا، وجيراننا، وسندافع عن أحبائنا، وأهلنا بكل ما أوتينا من قوة بل بعضنا مستعد أن يموت من أجل ذلك. ولكن ماذا حدث للإنسان في زمن كورونا حتى يصبح جبانا لهذه الدرجة ويتنازل عن أعز الناس إليه أم أنه مضطر لأن يكون كذلك ؟

فالأمر هنا يرتبط بعبودية الخوف، أو الخوف الزئبقي الذي لا يمكن ضبطه، ولا حصره، ولا التحكم فيه، فجائحة كورونا استطاعت أن تتحكم وتسيطر ليس لأنها الأقوى بل لأننا نجهل حقيقتها،مع التضخيم المبالغ فيه حول حيثياتها في وسائل الإعلام، فلو نتتبع تاريخ الأوبئة سنجد أن كورونا ربما أقل وطأة بكثير جدا من الأوبئة التي سبقت وواجهت الإنسانية، فمثلا طاعون جستنيان 541 – 750م قتل ما بين 30 إلى 50 مليون إنسان ، الطاعون الأسود أو الموت الأسود حصد قرابة 25 مليون شخص، الأنفونزا الاسبانية أصابت قرابة 500 مليون شخص، ومات منها ما يقارب 50 مليون إنسان بين 1918-1919 فعلينا أن نتصور حجم الوفيات التي كانت كل يوم في ذلك الزمان، فأين فتك كورونا من كل هذه الأوبئة، أعتقد أن هناك من يتاجر بالخوف، فالخوف سلعة يمكن تسويقها في زمن جودة الحياة، لتحقيق أغراض معينة سياسية أو اقتصادية أو أيديولوجية، فالخوف يُصنع وله مخابره التي تجيد كيفية تصنيعه وتوجيهه للرأي العام ليستبد ويستعبد تحت مسميات مختلفة.

    فلو نعود إلى الكمامة فلها قصة ورواية ترويها خصوصا عند بداية انتشار الوباء كيف تحولت في رمشة عين سلعة نادرة وأغلى من سعر برميل البترول، فالذهب الأسود والأصفر والأبيض متوفر في بنوك الدول، وعند مختلف الدول. ولكن الكمامات لم تكن متوفرة فهنا تبرز قيمة الرعاية الصحية، بل وقيمة حياة الإنسان في مختلف الأنظمة وفي مختلف دول العالم لاسيما الدول الرأسمالية التي كنا ننظر إلي أنظمتها الاجتماعية والصحية بطوباوية ملائكية. هذا ما يثبت بأن صحة الإنسان في خطر لأنها في أدنى اهتمامات القادة والسياسيين حتى في أرقى الدول، فتخزين أسلحة الدمار الشامل، والأسلحة الفتاكة يشكل إستراتيجية أهم من تخزين الأدوية والوسائل العلاجية. وللأسف حتى في أعظم الدول كانت هناك مشكلة الكمامات حيث كلها لجأت للصين لاسترادها بل ومارست القرصنة في أعالي البحار للحصول عليها، وهذه تعرية أخرى للقيم التي كان الغرب يروج على أنه مصدرها، والراعي الأساسي لها، والمدافع عنها . 

   أما اليوم فالكمامة متوفرة بل أصبح ارتداء الكمامة إحدى الطقوس المعولمة والتي اعتقد في حقيقة الأمر أن لها تعبير عميق وبعد له مآلاتها على الإنسان وحياته، فهي تشكل الوجه الجديد لعبودية الإنسان في زمن كورونا لأنها نوع من طقوس العبودية التي تفرضها علينا الجائحة، عبودية يفرضها الخوف من الوباء، والخوف من الموت. فلو نرجع للتاريخ فالكامات كانت قديما عبارة عن قناع حديدي توضع للاذلال وللعبيد لعدم سرقة الأكل عند الجوع أما في هذا الزمان فأضحت الكمامة رمز عبوديتنا للوباء، رمز لضعفنا أمام الجائحة، رمز للخوف وتمسكنا بالحياة أكثر من كونه رمز للوقاية، إنها رمز الضعف البشري أمام الفيروسات.

ستشكل الكمامة ثقافة خاصة، وسيكون لها حضور كرمزية يصعب التخلي عنها بل أضحت إحدى مظاهر الطقوس التي نعيشها ونتعايش معها يوميا هكذا توضع الطقوس وتقدس ونتحول إلى عبيد لها دون أن نشعر. إن ارتوازية الخوف التي تزيد عمقا كل لحظة، تزيد من عبوديتنا أكثر فأكثر. فنحن اليوم بحاجة لنتخلى عن الخوف أكثر ما نكون بحاجة إلى الخوف، حتى تصبح رمزية الكمامة للوقاية وليس للعبودية الجديدة.عبودية زمن كورونا.   

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك