الخطاب السياسي ، صانع و مصنوع

حركة النهضة القصة غير الكاملة

بقلم: الوليد فرج

 

إذا بلغ نصاب أسباب الثورة تمامه ، اندلعت بصورة آلية ، غير قابلة التأجيل ، لا سيما بعد نزوع الشعوب إلى أدوات الثورة الناعمة ، مستغلة في ذلك أدوات التداول الأفقي الرقمي و ميادين الفضاء السيبراني ، الذي يتسم بالسرعة ، و بتعدد فرص تصحيح الخطأ آنيا لوفرة و سرعة المعلومة ، غير أن تأجيل نقد بينان و خلفية الخطاب الثوري و السياسي ، إبان الثورة ، يمكن تأجيله ، إلى ما بعد الثورة ، لا سيما ما تعلق فيه بالموضوعية ، و التحيين و المصطلح المستعمل ، فالمشروع السياسي وليد الظرف و البعد الزماني و المكاني الذي ولد فيه.

من الأسباب السياسية لنجاح الثورة و ما بعدها ،  نهج المراجعة الذاتية ، كطريق للتجديد ، ونقد الذات السياسية ، وهذا مافعلته إجرائيا و واقعيا حركة النهضة في عدة مناسبات و استحقاقات سياسية ، مواكبة بذلك حراك التحديث التونسي ، فلم ترتكن و لم تسقط في الإرث القاسي للمظالم من نفي و سجن و إقصاء  الذي تشكلت مسيرتها منه ، و لم يرتهن عقلها السياسي ، إلى النهج التراثي  الأول الذي اتسم بالجمود ، الذي صاغت عليه تمثلاتها الإيديولوجية الأولى ، بل تفاعلت إيجابيا مع مكونات المجتمع المدني ، بشتى أطيافه و توجهاته ، لا سيما الفاعل الثوري ، الذي قطع جميع الأسباب مع عهد الاستبداد البائد .  

تزخر حركة النهضة التونسية ، بمجموعة من العقول التنظرية ، أثرت مكتبتها الفكرية السياسية و رصيدها النظري السياسي ، في سياق التجديد الفكري ، ومنهم عبد الحميد النجار و صالح كركر و رفيق عبد السلام و راشد الغنوشي ، و احمد الأبيض ، إلا أن النقد الذاتي يبقى ناقصا ، اذ على الرغم من تضمين خطابها بإيمانها بفكرة الدولة المدنية ذات المرجعية الإسلامية ، و قناعتها بالمزاوجة بين الإسلام و مكتسبات الحداثة ، و إقرارها بفكرة التداول على السلطة ، وتأمين حقوق المواطنة ، و كمثال على ذلك  رفضها لفلسفة نظام الحكم  السودان .

بقي البناء الفكري الأساس للحركة بحاجة إلى مراجعات عميقة ، لا سيما المبادئ التوجيهية التي تضمنتها أدبيات لحظة التأسيس ، فالمتمعن في وثيقة (الرؤية الفكرية و المنهج الأصولي لحركة النهضة التونسية) الصادرة في جوان 2012 ، يدرك استلهام محتواها و التأثر الفكري لمحررها بالمعلن في خطاب مؤتمر عام 1986 لحركة الاتجاه الإسلامي (النهضة حاليا) ، بل اعتبر هذا البيان وثيقة مرجعية رسمية ، من الوثائق التي تحدد هوية و اتجاه الحركة . 

من خلال هذه الوثيقة يظهر جليا أن التباس الدعوي الذي كان نهج البداية للحركة بالسياسي الذي يستوجب مواكبة أبجديات و مستجدات الاجتماع السياسي التونسي ، ونلاحظ إصرارا على المزج بين النشاط الدعوي و السياسي حيث قالوا ( لا يقبل عمل إذا لم تكن وراءه هذه العقيدة ، كدافع أو جاء مخالفا لمقصديتها ، فإن اختلت العقيدة او فسدت ، أو كانت باطلة كان العمل فاسدا أو غير مقبول ) وعليه فنشاطها يتأسس على تصور التقويم الأخلاقي على. أساس ديني ، الذي يدفع إلى التعامل مع المجتمع بتنوعها و اختلافه ، وفق خلفية عقائدية صراطيه منغلقة لا تتماشى مع النسبي و مبادئ المواطنة وحرية الانتماء الفكري ، باعتباره شأن فرديا ، يخص المواطن ، لذلك نلاحظ سقوط الحركة في تناقض مع الخطاب الذي تدعيه وخط التحديث الإسلامي الذي تحاول الظهور فيه ، معتمدة على التفاسير و التأويلات التراثية للنص التأسيسي قرآنا و سنة ، بعيدة عن اي اجتهاد ، كما يقول الهادي بريك : ( تؤمن بعمومية الخطاب التشريعي ولا ترى اختصاص النص بظروف نزوله وأسبابه ، فمنهاج الخلافة الذي جاءت نصوص الوحي تحدد مسالكه ، لم يكلف به قوما دون قوم ولا أهل زمان دون زمن آخر ) ففي ذات السياق ورد في نص الوثيقة (نحن نرى أن الأوضاع السائدة بقيمها و مفاهيمها لا تحدد أوجه الفهم في النصوص القطعية كالتعدد في الزواج والحدود و منع الربا …) . 

بذلك يفهم أن النص المؤسس لحركة النهضة قطعي الدلالة على وجه الإطلاق ، و لا بعد زماني ولا مكاني يؤثر في تفسيره و تأويله ، فلا يمكن أن يتأثر بالسياقات الثقافية و الاجتماعية و الحضارية . مما يثير الإبهام و اللبس حول مفهوم الدولة في أدبيات النهضة و طبيعة العلاقة بين الحاكم والمحكوم ، و مما يزيد الريب في كشف عن أبجديات عمل النهضة ، تكتمها عن نظامها الداخلي ، لتبقى وثيقة 1986. مرجعا تأسيسيا خاليا من التفصيل .

تعلن الحركة في كل مناسباتها ،  على أنها (حركة ذات مرجعية إسلامية) كما ورد في برنامجها الانتخابي سبتمبر 2011 ، و كما ورد في بيانات التأسيس أنها (حركة اصطلاحيه وسطية تجديدية معتدلة) وأنها كما ورد في بيان ذكرى التأسيس 24 الحركة (سليلة الحركة الإصلاحية في تونس من خير الدين التونسي والشيخ الثعالبي و الشيخ الطاهر بن عاشور و بقية أقرانهم في المشرق و المغرب ) وأنها تؤمن (أن الإسلام يمكن ان يكون في قلب منظومة القيم و التوجيه التي تنشئ الشخصية الفردية و الجماعية) كما تؤمن بـ : (الالتزام بمبادئ الإسلام منهجا و سلوكا أرضية عقائدية و فكرية تنبثق منها مختلف رؤاها و اختياراتها من أجل المساهمة في بناء مجتمع مسلم معاصر) .

واضح من خلال هذه النصوص ، أن هوية الحركة تتأسس على ثلاث ركائز أولها المرجعية الإسلامية ، و ثانيها النأي عن الفكر والسلفي المنغلق ، ثالثها هو الدعوة إلى تأسيس مجتمع إسلامي معاصر .

لا يخفى عن المطلع على خطاب حركة النهضة ، و أدائها النظري في العقد الأخير ، التطور النوعي ، و التحديث الفكري ، فقارئ برنامجها الانتخابي يقف على برنامج تنويري ثوري حداثي بامتياز ، خاليا من المصطلح التراثي الإسلامي و من المسلمات الإيديولوجية الجاهزة .  بل مثل أقوى برنامج واعد ، يعبر عن هموم المواطن ، في المرحلة الانتقالية بكل تحدياتها الاجتماعية و الاقتصادية و يؤسس لـ(تونس الحرية و العدالة و التنمية) و يحاجج بقيم الديمقراطية والنظام الجمهوري و التعددية و حقوق الإنسان و مؤسسات المجتمع و استقلالية القضاء والمواطنة و المساواة والتداول على السلطة .. هذه المفاهيم المستقاة من الفكر  الغربي ، فمن بين 364 نقطة شكلت البرنامج الانتخابي لانتخابات 2011 ، يستحضر الإسلام إلا نزرا قليلا ، بما يعكس المبادئ الأساسية باعتبار الإسلام دين الدولة ، و منبع قيم (التكافل و العدالة الاجتماعية و مكافحة الفساد و ترشيد الاستهلاك و الابتعاد عن سلوكيات التبذير و هدر الثروات و اعتبار العمل مقوما أساسيا لكرامة الإنسان ) من نفس البرنامج . 

لم تكتفي الحركة بهذا الظهور التحييني ، الذي أفصحت عنه في انتخابات 2011 ، بل برهنت على انخراطها الكامل في مسار الديمقراطية و عبرت عن ذلك في عدة مواطن في بيان ذكرى تأسيسها 25 بالقول (لا مجال للاستئثار بصفات الديمقراطية و الحداثة و الوطنية) كما تدعي أيضا أن لها (وصلا بتلك المشاريع و المطالب ، و لاتناقض عندها بين الإسلامية و الحداثة فضلا عن الإسلامية و الوطنية) .

و برهنت على ذلك في خطاب برنامج انتخابات المجلس التأسيسي ، مصرحة بارتباطها بكل موجبات العمل السياسي الديمقراطي .

فهل نزوع الحركة إلى الخيار الديمقراطي و الحداثة السياسية خيار استراتيجي أم تكتيك سياسي ظرفي ؟

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك