الحَراك في عين الحِراك

تساؤلات لابد منها

بقلم: احسن خلاص     

لا تهدف سلسلة المقالات التي نكتبها حول الحراك إلى تقديم حصيلة سنوية عن إنجازاته وإخفاقاته ولا البحث عن أحكام معيارية وقيمية حول نجاحه أو فشله ولا حتى إلى تصنيفه قبل توصيفه، إنما الهدف هو المساهمة المتواضعة في عملية استفزازية وطنية لابد أن يشارك فيها جميع المثقفين مهما اختلفت رؤاهم وتنوعت مشاربهم. لا بد من استفزاز الوعي الجمعي الوطني من أجل التفكير في مستقبل هذا المسار الثوري التحرري والمقاوم الذي استطاع التواصل لعام كامل دون انقطاع، بالرغم مما عرفه في الطريق من فرز وما فعلته فيه بعض المؤثرات الخارجية وما دفع إليه هو من مسارات ومآلات لم تكن منتظرة. وهناك أسئلة لا تزال تؤرق الفاعلين والمهتمين وجميع الأطراف المحيطة بالحراك من سلطة وأحزاب وحتى مجتمع دولي متابع لتطورات الحياة السياسية والاقتصادية في الجزائر، والإجابة عنها لم تكتمل بعد.

تدل التساؤلات التي تكون قد تدفقت على ذهن كل واحد منا، وحلقات النقاش التي تقام هنا وهناك في البيوت والقاعات والمنابر وعلى مواقع التواصل الاجتماعي وساحات الجمعة والثلاثاء، على أن هناك عزما جماعيا لدى أهل الحراك وخاصته لإجراء فحص موضوعي ودقيق وعقلاني يجعل الحراك ينظر مليا إلى نفسه من خلال المرآة، بعيدا عن الانفعالات، فقد آن الأوان أن يرى الحراك نفسه بعد أن رآه من حولَه بما يكفي.

تساؤلات عديدة، إذن، يتعين على أهل الحراك وخاصته أن يطرحوها ويفتحوا مجال النقاش العميق بشأنها من منطلق أن استمرار الحراك في الزمن ليس غاية في ذاته إنما العبرة في التأثير الذي يحدثه في مراحل تفاعله مع المحيط المؤيد والمعارض والصامت والغايات الجديدة والمتجددة التي يصبو إليها في هذه المرحلة. هل يمتلك الجزائريون مفهوما جامعا متفقا عليه للحراك وأهدافه؟ وهل ثمة فرق بين الحراك والثورة؟ وهل هناك اتفاق على استمراره إن كان لابد أن يستمر أو توقفه إن كان لابد أن يتوقف؟ وهل لا يزال الحراك يمتلك الدوافع القوية للاستمرار إلى أبعد نقطة له عبر الزمن؟ وهل يملك النفَس اللازم لذلك؟ وهل لا يزال يحتفظ بمبررات وجوده ذاتها التي انطلق بها في فبراير من العام الماضي؟ ثم هل كتب له أن يبقي على النمط الذي لا يزال عليه الآن أم عليه أن يبدع ويستحدث أنماطا جديدة من النشاط الحركي والثوري أكثر تأثيرا وفعالية دون أن يفرط في الأساليب المعتادة التي نجحت في الإبقاء عليه صامدا ورقما مهما في معادلات التغيير المطروحة؟ وهل يواصل الحراك في طريق الانكماش التلقائي على ذاته وتقليص أتباعه إلى صفوة من الناشطين العازمين ذوي النفَس الطويل مع مواصلة ادعاء تمثيل الشعب الجزائري برمته أم يعيد إلى بيته فئات عريضة كانت قد هجرته، بعد أن طال قطف ثمراته المستعجلة واختارت تجربة التعامل مع أجندات السلطة الأخيرة عن انتهازية أو عن حسن ظن بإمكانية الحصول على أدوات التغيير النافذة؟

هذه التساؤلات وأخرى، بقدر ما تتحول إلى فرضيات لدى المتابعين والدارسين فهي هواجس لدى كل فرد أو جماعة أو تنظيم أو حزب انتمى إلى الحراك من أول يوم إلى غاية هذه اللحظة التي يودع فيها عامه الأول. هل يقبل أهل الحراك وخاصته أن يكتفوا بنصف ثورة؟ وهل يقبلون أن تحمل أفكارَه نخبةٌ تقليدية من أحزاب وشخصيات ومنظمات متفرقة تدعي تمثيله لدى سلطة بالكاد تبحث لنفسها عن شرعية متينة؟ أم أن عليهم أن يجدوا لأنفسهم تمثيلا “شرعيا” متينا وجاهزا للتفاوض مع السلطة في الوقت المناسب؟ وهل يناضل أهل الحراك وخاصته من أجل تغيير النظام أم يطالبون النظام بالتغيير؟ أسئلة لا تنتهي، بعضها لا يوجد بشأنها رد جاهز وبعضها الآخر لا يتفق بشأنها على رد واحد، ثم أن بعضها الآخر لم يطرح بعد على نطاق واسع. بعض هذه الأسئلة اصطدم بها الحراك وبعضها الآخر ينتظره في إحدى المنعرجات وسيظل يراوح مكانه إذا لم يقدم بشأنها الإجابات الوافية المتفق عليها.

لقد شهد الجميع عاما كاملا من حراك نال طيلته المدح كما نال القدح، صدرت بشأنه المئات من الكتب والمنشورات، أقام الدنيا ولم يقعدها وشغل الناس وعرف لحظات الذروة ولحظات الضعف والتراجع، حافظ على سلمية مثالية بالنظر إلى حجم الحشود التي جمعها في الشوارع والساحات، في الداخل والخارج. لكن لم يتسن له أن يرى نفسه ويمارس عليها نقدا ذاتيا ويطرح عليها الأسئلة الكبرى والصغرى مثل تلك التي نطرحها في هذا المقام. فالحراك كلحظة وعي جمعي بضرورة رفض الوضع القائم وتغييره مدعو للتقدم وتحقيق قفزة جديدة وأن يربح مساحات تأثير جديدة بعد أن يميز بين ما له وما لغيره لأن حركية المجتمع نحو التغيير عملية تراكمية لمراحل من النضال الديمقراطي التعددي القائم منذ نشوء الحركة الوطنية ضد النظام الاستعماري إلى يومنا هذا، والحراك هو هذه الساحة التي تجمع اليوم النضالات على تعدد مشاربها ومناهجها ومنابعها الجغرافية والاجتماعية. فلا يمكن تصور حراك ناجح إذا بنى مساره على احتكار النضال وإقصاء حركيات التغيير السابقة كما لا يمكن تصور حراك يصد أبوابه أمام وافدين جدد أو “تائبين” بحجة افتقارهم للشرعية التاريخية. كما لا يمكنه أن يطمح للتأثير على مجرى التاريخ إذا كان حراكا فئويا أو مؤدلجا أو منحصرا جغرافيا وعمرانيا في المدن الكبرى، فعليه أن يسترجع المساحات التي خسرها وأن لا يترك شبرا واحدا للثورات المضادة. ولا يغرن الحراك الزخم الذي تعرفه المواقع الافتراضية، فهو زخم زائف مضلل عن حقائق الأرض. عليه أن يدرك أن المعركة الجديدة هي معركة وعي اجتماعي ليس بالقطيعة مع النظام القائم بل مع أنماط السلوك الموروثة على جميع المستويات.

 

 

 

  

 

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك