الحل في صياغة “دستور المواطنة” وإقرار الحماية الذاتية للدستور

الخبير في القانون الدستوري الدكتور خالد شبلي

* نأمل استجابة الرئيس وتدارك الاختلالات والثغرات والتناقضات

* الحذر من تضخم المنظومة الحقوقية الدّستوريّة

* دمج النظام القانوني الجزائري بالقانون الدولي التعاهدي لصالح هذا الأخير 

 

 

 

في هذا الحوار مع الوسط يطرح الأستاذ خالد شبلي الخبير قانوني، والباحث المتخصص في القانون الدستوري و العضو بمخبر القانون، العمران والبيئة ، كلية الحقوق، جامعة باجي مختار –عنابة- فكرة دستور المواطنة و تثبيت ما أسماه بالمناعة الذاتية للدستور لحمايته من الأهواء و التقلبات و يطالب بإعادة النظر في هذا المسار عبر تغيير لجنة الصياغة وكيفية تشكيلها.

 

* أثارت مسودة تعديل الدستور ردود فعل متباينة،كيف تقرأ مسار هذا الاستحقاق؟

 

لبناء قراءة عامة متكاملة، قانونية ومحايدة، لهذه المسودة، يستوجب استقراءها من أوجه عدّة، أولها المسار المفضي (المنتج) لها، وثانيها : مضمونها؟ / وثالثها : الكيفية المقترحة لإثرائها.

فيما يخص النقطة الأولى ، هناك طريقان أو مساران مختلفان، هناك المسار الديمقراطي المنشأ لما يعرف بدستور ” العقد” ، وهو عقد رضائي بين الحاكم والمحكوم، ينشأ ابتداءً منذ وضع لجنة صياغة منتخبة، مرورًا إلى تعديلها أو إقرارها من قبل ممثلي الشعب المنتخبين بطريقة شفافة ونزيهة، وصولاً إلى الاستفتاء الشعبي كآخر محطة، وهذا هو المسار الذي ينتج لنا دستور حقيقي، أو قل “دستور الشعب”، وهناك المسار غير ديمقراطي ، أو ما يصطلح عليه بدستور “منحة”، وهذا الطريق المنتقد، لعدة أسباب ذلك أنه يقوم  على فكرة الإرادة المنفردة للحاكم وهو من يعين ويشرف على مخارج الوثيقة الدستورية  وهو مجرد دستور شكلي، لذا نرجو إعادة النظر في هذا المسار ابتداءً إذا أردنا صياغة دستورًا حقيقيًا، بتغيير لجنة الصياغة وكيفية تشكيلها.

ثانيهما، من حيث المضمون، نرى بأن طموحات الشعب أكبر مما تم الكشف عليه في هذه المسوّدة، ذلك أنها لا ترتقي لمرتكزات بناء ” دولة القانون والمؤسّسات”. فهذه الوثيقة الموسومة بمسودة القانون التّمهيديّ المتضمّن التّعديل الدّستوريّ، بشكلها الحالي لا تضع “أسسا للانتقال الدّيمقراطيّ الموعود” ، كما أنها تميّع وتضخم المنظومة الحقوقية الدّستوريّة، وتدمج النظام القانوني الجزائري بالقانون الدولي التعاهدي لصالح هذا الأخير !!!، والأخطر فيها أنّها تثير التوجس والتخوف على السيادة الوطنية والأمن القانوني، وفيها تناقض مع بيان الفاتح من نوفمبر المجيد، هذا البيان الذي يعد الإطار المرجعي للدولة الجزائرية المستقلة. 

ثالثهما، من حيث الإثراء والمصادقة عليها، الملاحظ أنّ الوثيقة قدمت لنفس الطبقة التي سكتت أمام التلاعبات والتعديلات التي مست القانون الأساسي للبلد سابقًا من قبل القوى غير  دستورية في فترة مرض الرئيس السابق، وبل كان منهم من روج لها بشراسة، والتي ثار الشعب ضد غالبيتها، كما أن البرلمان الحالي هو المقترح لإقرارها، وهذا لا يستقيم، لذا ينصح بتقديمها للمناقشة والتعديل لبرلمان أكثر تمثيلية، مما يدعونا إلى مناشدة السيّد الرئيس إعادة النظر في رزنامة الإصلاحات الدستورية بالقيام بانتخابات تشريعية مسبقة قبل أي تعديل دستوري .

 

 

* استنادا لتجارب سابقة ،هل من أوجه اختلاف؟

 

 

هناك ربما إرادة لتجنب اختلالات الدساتير الماضية ولكن واقعيًا لم يتفطنوا لمواضع الخلل، ذلك أنّ هذه المسوّدة لا تختلف اختلافًا جوهريًا، فنفس التوجه وفلسفة واضعي تعديل 2016 هو نفسه اليوم ، وخير دليل التوجه نحو المحكمة الدستورية فهذه الفكرة تم إقرارها في 2016، وكذا تحديد العهدات بعهدتين فهذا كان مكرسًا من قبل..إلخ، وبالمناسبة هنا يجب التذكير بأن تعديل 2016، هو تعديل غير دستوري أصلاً لأنه آنذاك مس بتوازنات المؤسسات وبالحقوق والحريات العامة، وأنشأ مؤسسات جديدة ورغم ذلك لم يقدم للاستفتاء الشعبي، فالأصوب أن لا يتخذ مرجعًا أو قاعدة لمراجعة حقيقية للدستور الجزائري لعام 1989 المعدّل في عام 1996 .

 

* مدى قدرة الأحزاب على تقديم إضافة نوعية لوثيقة تعديل الدستور؟

 

لإعطاء رأي متوازن يجب عليك أن تمتلك المعلومة، مما يستوجب طرح التساؤل؛ مّنِ الطبقة السياسية التي تمّت مراسلتها واستشارتها؟، هل هي نفسها الطبقة المفلسة، والتي ساهمت في إقرار السياسات الفاشلة سابقًا، أو هناك طبقة أو الفواعل الجديدة يمكن الاعتماد عليهم في إطار أخلقة الحياة السياسية والحد من توغل المال الفاسد وتدخله في السياسة، فالفواعل الجدد الشابة التي برزت خلال الحراك الشعبي المبارك لها رؤية واضحة ومشاريع ومبادرات بنّاءة، يمكن الاعتماد عليها في تغيير المشهد السياسي في الوطن … ، وبالرجوع إلى المرمى من سؤالك فإنني  أظن أن الإشكال الحقيقي هو كيفية الانتقال أو التحول الديمقراطي ككل وليس مجرد تبني تصنيفات فقهية نظرية، ذلك أننا كثيرا ما دسترنا أدوات ونقيضها في نفس الوقت، مفرغين إياها من مضمونها، والذي على أساسه يتم تصنيف طبيعة النظام القائم من المنظور الدستوري فقهيًا.

 

كمتخصص في القانون الدستوري بما تنصحون؟

 

يجب أن نتعلم من تجاربنا  السابقة، يجب عدم الاكتفاء بتدارس الوثيقة الدستورية بمعزل عن الممارسات العملية، بيد أنّ فشل التجربة الدستورية الجزائرية السابقة راجع بدرجة كبيرة إلى وجود ثغرات قانونية برزت في الميدان التطبيقي، لذا يستوجب أنّ يتمحور النقاش حول ” تشخيص الاختلالات الدستورية الموجودة لتداركها في المستقبل”، وتقديم المقترحات بناءً على ذلك، والحلول الحقيقية والناجعة وفقا لمشروع مجتمع متجدد، بدون مزايدات أو التشكيك في وطنية أحد، لهذا يجب أن يرافق عمل رجال القانون والفواعل السياسية حوار مجتمعي واسع. وهنا نذكر مجددًا بأن الدستور ما هو إلا وثيقة لعقد اجتماعي سياسي جاءت في شكل مواد وبنود قانونية، تؤسس لعلاقة الثقة ما بين الحاكم بالمحكومين تطبيقًا لمبدأ التعايش بين الحاكم والمحكوم، وبذلك نعالج جدلية الصراع بين السلطة والحرية، فالخبراء التقنيون دورهم صياغة وهندسة نظام الحكم وفق نظرة المجتمع السياسي وبكل أطيافه ومشاربه، وليس وليد تصور سلطوي أو هذا ما ينبغي أن يكون لكي يوصف بأنّه دستور ديمقراطي شرعي. 

وكما نؤكد مجددًا من خلال منبركم هذا بأنّ الحل الحقيقي يكمن في صياغة ” دستور المواطنة”  وإقرار الحماية الذاتية للدستور ” :

  1. دستور المواطنة ويُقصد به التأسيس لعلاقة المواطن بالدولة وفقًا لفلسفة وقيّم المواطنة الحقّة بدل فكرة “الرعايا”، كما أن فكرة “المواطنة” تحل مشكلة الهوية، لأن الجميع يكون متساوين أمام القانون دون تمييز على أساس عرقي أو جهوي أو إثني أو إيديولوجي أو لغوي، فالمواطنة تحدد الهوية وليس العكس، بوصف الحقوق التي يتمتع بها الفرد والواجبات التي تقع عليه.  
  2. و”الحماية الذاتية”، نقصد به أنّ يتضمن على آليات لحمايته من الخروق و/أو تعدي سلطة على صلاحيات أو اختصاصات سلطة أخرى”.

وأملنا كبير هنا في استجابة السيد الرئيس لمناشدات مختلف شرائح وفئات المجتمع في تدارك الاختلالات والثغرات والتناقضات الجمّة الموجودة في هذه الوثيقة الأوليّة، وفي نفس الوقت إعادة النظر في رزنامة الإصلاح الدستوري بأنّ يسبقه إصلاح للقوانين العضوية الناظمة للعملية الانتخابية وانتخابات تشريعية مسبقة، وفي الأخير ، يجدر بنا التذكير ، بمقولة المفكر المصلح مالك بن نبي ” فالحق ليس هدية تعطى ولا غنيمة تغتصب، وإنما هو نتيجة حتمية للقيام بالواجب، فهما متلازمان، والشعب لا ينشئ دستور حقوقه إلا إذا عدّل وضعه الاجتماعيّ المرتبط بسلوكه النفسيّ”. 

حاوره :وداد الحاج

                                           

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك