الحلقة الأولى: حكومة تنطلق من الشارع

قراءات في مخطط عمل الحكومة

بقلم: احسن خلاص

نقوم في هذه الحلقة وفي حلقات مقبلة بمحاولة فحص لما تضمنته وثيقة برنامج عمل الحكومة، انطلاقا من أن هذه الوثيقة، التي جاءت تحت عنوان: “مخطط عمل الحكومة لتنفيذ برنامج رئيس الجمهورية”، لا تخرج عن التقاليد المتوارثة التي تجعل عمل الحكومة جزءا من برنامج شامل لرئيس الجمهورية يمتد على طول ولايته الرئاسية، وفق المنهج المكرس في الدستور الحالي.

لقد أخذ تحويل “رؤية” رئيس الجمهورية إلى مخطط عمل حكومي الوقت اللازم وتناول الأمر مجلس الحكومة في عدة مناسبات لتوضع أمام البرلمان هذه الوثيقة التي تعبر رسميا وليس انتخابيا عن التحليلات والتفسيرات التي يقدمها تبون الرئيس للوضع والمقترحات التي يقدمها تحت العنوان الكبير: “الجمهورية الجديدة”.

سنحاول في هذه الحلقة الاقتراب من جانب من الفصل السياسي من المخطط الحكومي، ليس لأن هذا المخطط فضل الاستهلال به، بل لأنه الأساس الذي يظهر جدية نوايا السلطة في التعامل مع الراهن الذي لم تحل فيه المسألة السياسية بعد، لاسيما وأن حكومة جراد هي الحكومة الأولى لما بعد اندلاع الحراك وأنها الحكومة الأولى التي لم يعينها بوتفليقة بالرغم من أنها تحتوي على أعضاء من بقايا عهده، كما أنها ستشغل وظل الحراك يلاحقها وضغط الوضع يرمي بثقله على أدائها.

والذي يفتح الصفحة الأولى من وثيقة المخطط تقابله عبارات تمجيد الحراك الشعبي من خلال الهبة التاريخية الرائعة التي عبر بها الشعب الجزائري وأكد بها على تطلع قوي إلى التغيير والديمقراطية والعدالة الاجتماعية ودولة القانون. واعتبرت ديباجة المخطط أن الغرض من خروج الجزائريين والجزائريات إلى الشارع بكل سلمية في 22 فبراير 2019 إنما هو “وضع حد لأخطاء السلطة الحاكمة آنذاك والمطالبة بإصلاح حوكمة الدولة على نحو يصب في بناء ديمقراطية حقيقية”.

تبين هذه العبارات الأولى للديباجة بوضوح القراءة التي تقدمها السلطة للحراك الشعبي فهو في نظرها هبة شعبية دقت ناقوس الخطر وأشعرت النظام بضرورة الإسراع في إصلاح ما أفسدته السلطة “آنذاك” أي عشية قيام هذه الهبة. ومن هنا لا تنظر السلطة إلى الحراك إلا كلحظة تنبيه آنية سرعان ما فقدت مبرر وجودها بمجرد أن تم إصلاح ما أفسدته تلك السلطة بأن نظمت انتخابات رئاسية أفرزت رئيسا جديدا يعد بتعديل عميق للدستور كفيل بتلبية مطالب الحراك الشعبي. فما تعيشه سلطة اليوم إنما هو معالجة تبعات تلك الأخطاء التي، على ضخامتها، يتطلب إصلاحها وقتا طويلا. ولا تعتبر السلطة الحالية أن الحراك يستهدفها هي بالذات بل تعتبره من خلال خطاب الحكومة أنه يمكن أن يكون حليفها في مواجهة تلك التبعات.

وبعيدا عن تكرار نمطية التبويب التي ميزت مخططات الحكومات السابقة التي كانت نسخا متطابقة، ذهبت وثيقة تبون الحكومية مباشرة إلى إبراز خطتها “الإصلاحية” للأوضاع الموروثة عن عهد الرئيس السابق ومعالجة مشكلات لا ناقة لها فيها ولا جمل.

وفي خضم تعبيرها عن نية الإصلاح المفضي إلى “الجمهورية الجديدة” تتعهد الحكومة بأن تجري إصلاحا عميقا في “منظومة تنظيم الانتخابات بهدف جعلها وسيلة تعبير حقيقية للإرادة الشعبية”. ولهذا فإنها ستدفع نحو “بروز جيل جديد من المنتخبين من الشباب والنساء من أجل المشاركة في إدارة شؤون البلاد ولاسيما من خلال التمويل العمومي للحملات الانتخابية للشباب”. وهو ما يحمل مفارقة عجيبة إذ كيف نجعل من منظومة تنظيم الانتخابات وسيلة تعبير حقيقية للإرادة الشعبية وهي تعتزم إنشاء ما يشبه جهاز أنساج انتخابي خاص بالشباب والنساء وهو ما يعني دفعا إراديا للتأثير على نتائج الانتخابات لا يختلف كثيرا عن نظام كوطة التمثيل النسوي الذي أرساه حكم الرئيس بوتفليقة.

ومثل هذه التدابير التوجيهية لا تخلو من الشعبوية فهل هي طريقة جديدة لإنتاج مجالس منتخبة على المقاس مناقضة لمبدأ التعبير الحقيقي عن الإرادة الشعبية أم هي تعزيز لمبدأ تكافؤ الفرص وإبعاد تأثير المال على نتائج الانتخابات؟ ولعل ما أوحى بمثل هذه التدابير عزوف الشباب في السنوات الأخيرة عن الفعل السياسي والانتخابي بالأخص ومحاولة إدماج شباب الحراك في ديناميكية تتحكم فيها السلطة وتستثمر فيها بغية امتصاص “الاحتياجات” التي عبر عنها. لكن الذي يخشى منه أن يتحول ملف المترشح للانتخابات إلى ملف توظيف فتفقد المؤسسة التشريعية استقلاليتها ومكانتها كشريك في صناعة القرار.

ومع ما يؤاخذ على هذه المقترحات فإن عزم الحكومة على استكمال استقلالية السلطة الوطنية للانتخابات بتمكينها من انتزاع ما بقي من السلطات التي لا تزال تحتفظ بها الإدارة يعد خطوة مهمة في اتجاه استكمال جهاز تنظيم الانتخابات فقد نشأت هذه السلطة في ظرف خاص واستعجالي تعلق بتنظيم عاجل للرئاسيات  في غياب تركيبة اللجنة العليا لمراقبة الانتخابات بالرغم من دستوريتها. فإن دسترتها وضمان استقلاليتها يتطلبان إرادة سياسية تعزز صلاحياتها وتضع المسؤولية الكاملة على عاتقها.

سنعود في حلقة قادمة إلى جوانب أخرى من الإصلاح السياسي الذي تضمنته وثيقة الحكومة. وسنولي أهمية خاصة لأخلقة الحياة العامة ومكافحة الفساد.

 

 

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك