الحقوق والحريات.. نصوص يكذبها الواقع

قراءات في مخطط عمل الحكومة

بقلم: احسن خلاص

يعير مخطط عمل حكومة جراد اهتماما خاصا للحقوق والحريات، وقد أفرد لها فصلا مهما افتتحه بالعبارات التالية: “في إطار تعزيز دولة القانون وإرساء الجمهورية الجديدة ستقوم الحكومة بمراجعة مجموعة من النصوص التشريعية قصد ترسيخ الحقوق والحريات على ضوء الترتيبات الجديدة التي ينص عليها الدستور القادم.”

 

والحديث عن الحريات ليس بدعة في القاموس السياسي الجزائري، فقد رافقت الكلمة مطالب التيارات السياسية والثقافية التي نشأت في المهجر بعد الحرب العالمية الأولى وامتدت إلى الأرض الجزائرية طيلة العقود الأربعة التي سبقت ثورة التحرير، وكانت أداة من أدوات النضال من أجل الاستقلال من خلال تحول حزب الشعب الجزائري إلى حركة انتصار الحريات الديمقراطية من منطلق أن الاستعمار كان احتلالا للأرض ومصادرة لحقوق أهلها وحريتهم في التعبير والتنقل والاجتماع والتظاهر والممارسة السياسية والنقابية إذا لم تكن تلك الحرية مطية لتأييد الوجود الفرنسي بالجزائر. وكانت الثورة التي قادتها جبهة التحرير الوطني التاريخية تحمل مطلب تحرير الأرض وتحرير الإنسان من كل أشكال العبودية.

 

لكن التضحيات الجسام التي بذلها الجزائريون، وإن نجحت في تحرير الأرض إلا أن تحرير الإنسان بات عند الاستقلال في حكم المؤجل إلى موعد لاحق بسبب الصراعات التي دخلت فيها القيادات الثورية في صائفة 1962، فلم يكن ممكنا أن يكون للحريات مبرر وجود في ظل أحادية فكرية وسياسية ومركزية القرار وشموليته والحكم بقبضة من حديد من قبل جيل استولى على الحكم بالقوة والسيطرة وعزل وسجن ونفى بل قضى على كل صوت مختلف.

 

عندما انتفض الشعب في أكتوبر 1988 من أجل حد أدنى من العدالة في توزيع الثروة وإيجاد حل لمشكلات الندرة والأزمة المالية الخانقة جراء انهيار أسعار النفط، لم يكن ينتظر أن تجود عليه السلطة بإصلاحات سياسية إذ لم يكن على عهد بالحريات التي اختفت من المشهد لما يقرب من 27 سنة من الاستبداد، فقد كرس دستور 1989 لأول مرة الحق في الإضراب والتظاهر وإنشاء الأحزاب والجمعيات والصحف وأخرج النخب التي كانت تنشط في السرية إلى العلن وحتى حزب جبهة التحرير الوطني الذي كان رمزا لفترة الاستبداد والأحادية صار يرفع شعار التحرير والحريات في حين تحول الخوف على الحريات ذاتها من صعود حزب الجبهة الإسلامية للإنقاذ الذي كان يتوعد بنظام شمولي جديد. غير أن هذا التخوف بالذات هو الذي أعطى المبرر لسلطة عسكرية للانقلاب على المسار الانتخابي في يناير من عام 1992 وإعلان حالة الطوارئ في 9 فبراير من السنة ذاتها. وهو الوضع الذي كانت ضحيته الأولى الحريات النسبية والهشة المكتسبة خلال ما يسمى بالقوس الديمقراطي الذي أعقبه فتح قوس جديد استبيحت فيه الحريات تماما بحجة الأزمة الأمنية وضرورات مكافحة الإرهاب.

 

والواقع أن مكافحة الإرهاب صارت ذريعة لخنق الحريات حتى في الدول العريقة في الممارسة الديمقراطية عند إعلان حالات التأهب القصوى. وفي الجزائر استمرت حالة الطوارئ وأُجِّل معها العمل بالنصوص الدستورية والقانونية التي شرعت للحريات بل ظلت حبرا على ورق وزادت من غلق مجالها انتفاضة ولايات منطقة القبائل عام 2001 التي أدت أحداثها إلى منع حق التظاهر بالعاصمة الجزائر وضيقت عليه في مدن أخرى. وإن ألغيت حالة الطوارئ عام 2012 تحت ظل “الربيع العربي” إلا أن ممارسات السلطة الاستبدادية بقيت قائمة إلى اليوم، ليس باستمرار القمع وسلب الحرية عن أصحاب الرأي والشباب المتظاهر فحسب وإنما باعتراف السلطة الجديدة ذاتها التي تعد بأن تراجع النصوص التي تحول دون ممارسة حقيقية للحقوق والحريات مثل ما جاء في مخططها الحكومي.

 

وستشمل هذه النصوص حرية الاجتماع والتظاهر السلمي من خلال “إعادة النظر في الترتيبات القانونية التي تؤطر حق الاجتماع وتعزز الضمانات لممارسة حرية التظاهر السلمي كفعل مدني يمارس بعيدا عن كل أشكال العنف في ظل احترام قوانين الجمهورية.” كما تعد الحكومة بأن تكتفي الاجتماعات العامة وإنشاء الجمعيات بنظام التصريح بدل نظام طلب الترخيص القائم اليوم. وضمن سلسلة الاعترافات بتراجع الحريات تعد الحكومة ب”إقامة مجتمع مدني حر ومسؤول” من خلال “مراجعة القانون المتعلق بالجمعيات والتشجيع على بروز مجتمع مدني حر ومسؤول” بينما لم يشر مخطط الحكومة إلى حرية إنشاء الأحزاب السياسية واعتمادها ومصير الأحزاب التي لا تزال ملفات اعتمادها معلقة في وزارة الداخلية وعن أحسن السبل للتخلص من الإجراءات البيروقراطية التي تصاحب معالجة ملفات إنشاء الجمعيات الوطنية والأحزاب السياسية.

 

وتدل هذه التدابير التي أعلنتها الحكومة على أن الجزائر لا تزال تراوح مكانها في مجال الحريات الفردية والجماعية بعد أكثر من ثلاثين سنة على العمل بالتعددية السياسية والإصلاحات التي أتى بها دستور 23 فبراير 1989. كما تدل على أن المقاربة الحكومية للإصلاح لم تتغير بعد، إذ لا تزال تعتقد أن كل شيء سيتغير بمجرد مراجعة النصوص التشريعية بينما دلت التجربة أن الجزائر امتلكت أحسن النصوص المنظمة للممارسة الديمقراطية وما حال دون حضور الحريات والتعددية والتداول إنما هو ترسبات وذهنيات بيروقراطية استبدادية تقاوم التغيير وذهنيات بالية لا يمكن معها التقدم في الميدان حتى ولو توفرت لها أجمل القوانين فتغيير النظام والذهاب إلى الجمهورية الجديدة المنشودة يقتضيان إرادة سياسية قوية وجرأة في اتخاذ القرارات التي تصب نحو تكريس دولة القانون.

 

 

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك