الحركات الانفصالية صناعة استعمارية

كردستان مثالا

بقلم: صالح عوض

وحدة الأمة أهم عناصر قوتها.. ووحدة أمتنا هي أحد تجليات انتصارها، وهي وحدة لا تشبه سواها، ذلك لأنها عملية مستمرة تقوم على تكريس رسالة عالمية مبنية على عقيدة ارتقت بالإنسان فوق دوافعه الغريزية نحو أواصر إنسانية ترفع همته وتسمو بأخلاقه وترسي قيما تجعل الإنسان أخا للإنسان بلا فوارق من لون أو عرق.. وكانت هذه هي أخلاق المنتصرين توحدهم على قيم ومفاهيم وسلوك.. ولطالما حذرنا القرآن الكريم من التفرقة والتشرذم والتنازع والارتكاس إلى المشاعر البهيمية وارتباطاتها، وسجل لنا التاريخ نتائج التفرقة والتنافر هزائم و اندحارا وفشلا.. 

لقد تعرضت أمتنا في رحلتها الطويلة لشتى أنواع الفتن طائفية وردة وتشتت وكان أسوأها بلا شك التنازع العرقي لمدى رسفه في أخلاق حيوانية تستبدل المشاعر والقيم السامية بدوافع بهيمية غريزية، وتسكن النفس انغلاقا وضيقا، والروح شرا وعدوانية، والسلوك عصبية والبلاد فتنا.. وفي هذا وجد الاستعماريون الانجليز والفرنسيون والصهاينة الفرصة في تأجيج الروح الجاهلية وبث الإحن، وفي كل مكان من بلادنا تحركوا فيه وجدنا أخطر مخلفاتهم: دعوات انفصالية لتفكيك وحدة الأمة إلى عرقيات، ومن ثم تفريغ كل عرقية من انتمائها الحضاري وتسييجها بمشاعر عدوانية ضد وحدة الأمة وأعراقها الأخرى، وهذا هو المقصود من قبل دهاقنة الاستعمار، واستدعى ذلك تكوين دعاة العرقيات في مختبرات ومراكز تدريب وتوجيه يشرف عليها أجهزة الأمن المعادية.. ومن لوازم هذه الدعوات الانفصالية أن ترتبط بالمخطط الصهيوني والاستعماري الغربي.. وأصبحت العلاقة بالكيان الصهيوني شرطا لوجود الدعوات الانفصالية، وأصبحت هذه الدعوات قنابل موقوتة في الدولة الوطنية. 

المسألة الكردية:

 لقد كان التحرك الاستعماري للمسألة الكردية مباشرة بعد تكوين الدولة الوطنية في تركيا وايران والعراق وبلاد الشام حيث تتواجد الكثافة الكردية وذلك لأن هذه المناطق الثلاث عملت على تعزيز الروح القومية المفرغة من بعدها الحضاري فكانت التركية العلمانية والفارسية الشاهنشاهية والعروبة القومية العلمانية.. فوجد الأكراد أنفسهم قد تجاوزهم قطار التقسيم العرقي وتم إدخالهم في الدولة الوطنية وهنا بدأ التحريك للمسألة الكردية، لقد تعايش الأكراد 1.5 مليونا مع إخوانهم العرب في سورية دونما تمايز إلى حد كبير و تقدموا خطوات في العراق 5 ملايين ليتحصّلوا على إقليم خاص يدخل في حكم فيدرالي مع الدولة العراقية، إلا أنهم في تركيا 15 مليونا وإيران 10 مليونا مروا بحالات قاسية تعرضوا فيها الى القمع والحروب والتهميش والتمييز العرقي كان أسوأها التي يمرون بها في تركيا حيث نهجت الحركات الانفصالية دروب المواجهة المسلحة.. لابد من ملاحظة ان الأكراد في الدولة العربية الوطنية رغم دعاوها القومية كانوا في حالة تداخل بلا محاصصة ولا تمييز.

هنا سندرس حالة الانفصاليين في العراق حيث كان للموساد الإسرائيلي دور بارز في تغذية الروح الانفصالية لهم وفي تدعيمهم وتوفير المناخ الدولي والإقليمي لدعواهم وقد تخصص ضباط أمن صهاينة بتدريب مجموعات مقاتلة كردية في شمال العراق وكان الضابط الصهيوني “ديفيد بن اليعازر” الذي أصبح في أواخر وظائفه وزير حرب هو المشرف على المعسكرات الكردية العراقية بالاتفاق مع مصطفى البرزاني قائد الحملة الانفصالية.. كان شاه إيران يومها حليفا للبرزاني والكيان الصهيوني فكان الدعم شاملا للحالة الانفصالية في شمال العراق وتواصلت هذه الحالة الانفصالية إلى ان تبلورت بعد سقوط العراق وحل جيشه.. وكادت تعلن عن قيام دولة منفصلة لولا تدخل الإقليم تركيا وإيران اللتين أرغما البرزاني على التخلي عن انتخابات الإقليم.

الدعم الصهيوني: 

قبل سبعة و خمسين عاما رن جرس الھاتف لدى ( آرییه ألیاف ) و كان المتحدث رئیس وزراء الكيان الصهيوني آنذاك (لیفي أشكول ).. لقد اعتاد ألیاف نائب وزیر الصناعة والتجارة الصهيوني أن یستدعى لمقابلات سریة فقد عمل لصالح الموساد في المغرب و سنغافورة وكان المساعد الشخصي لأشكول  الذي قال وھو یداعب ألیاف: لوفا..إن البرزاني الجنرال العجوز یرید من الحكومة الإسرائیلیة إرسال مندوب تختاره إلى مقر قيادتها في جبال كردستان كممثل للحكومة الإسرائیلیة و الكنیست، فھل تقبل بالذھاب لعدة أیام تكون خلالھا ضیفا على البرزاني؟. من هنا بدأ خط التجهيز الإسـرائیلي: بین عامي 1963 و 1975عاش المدربون العسكریون و الأطباء الإسرائیلیون مع الأكراد یؤدون طقوس الدیانة اليهودية في قواعد المتمردین في الجبال، و في ذروة التمرد نظم الموساد عملیة نسف أنابیب البترول العراقي والاستیلاء على احتیاطي كبیر منه في محاولة لمساعدة الأكراد على الانفصال.. أدت رحلة ألیاف إلى قیام مستشفى میداني للعنایة بالمرضى وتبني دفع رواتب للمقاتلین الأكراد، كما تم تقدیم الأسلحة مثل المدفعیة والهاون و الصواریخ والبنادق الخفیفة.. وكما صرح عملاء موساد سابقون عن كیفیة تنظیمھم الأكراد في مجموعات قتالیة هاجمت القوات النظامية في شمال العراق وكبدتھا خسائر قدرت بحوالي عشرة آلاف جندي عراقي..

كان القادة الأكراد الانفصالیون في أوائل الستینات متحمسين فقد كانت الحكومة العراقیة غیر مستقرة بسبب الانقلابات المتتالية، أما إیران الشاه فقد كانت تزودھم بالأسلحة والمستشارین.. وكان الإيرانيون والصهاينة یشتركون في مصالح مشتركة.. و كان أمل الأكراد أن تساعدھم إسرائیل في الحصول على دولة مستقلة مقابل تحالفھم معھا فيما هم يقيدون حركة الجيش العراقي عن التقدم إلى جبهات المواجهة مع الكيان الصهيوني.. ويشكل أكراد العراق نسبة 10 بالمائة من سكان العراق.. كان زعماء الانفصالیین الأكراد یدركون أن الجمیع بما فيهم الايرانيون في الجوار يرفضون قیام دولة كردية إلا أن هناك حلفاء يمكن ان يدعموا المحاولة على رأسهم إسرائيل والشاه أما ھدف إیران الشاه فكان إلھاء العراق والحیلولة دون تطلعه إلى تعدیل الحدود. 

تطور العلاقة مع الصهاينة:

ویتذكر ألیاف محاولاته مع البرزاني حیث كان في مواقع عسكریة جیدة قریبة من حقول النفط في الشمال وكان یحكم كل ریف كردستان تقریبا. وما كان یحتاجه البرزاني ھو المال.. رفضت الولایات المتحدة مساعدته في أواسط الستينات وكان السوفییت یدعمون العراق أما الإیرانیون فلا یمكن الاعتماد علیھم حیث قطعوا المعونة  عن البرزاني في اللحظة التي وافق فيها على إجراء مفاوضات سلمیة مع بغداد.. فماذا كان على إسرائیل أن تقدم له؟؟ یتذكر ألیاف: كان على البرزاني أن یدفع للمقاتلین رواتبھم وان یقدم الطعام إلى اهل الاقليم فكانت أصعب أیام البرزاني في صیف عام 1966 حیث حال الإیرانیون دون وصول المساعدات الإسرائیلیة إلى كردستان، فیما كان الجیش العراقي یقترب من الجبال وعقد الصهاينة مع البرزاني محادثات متواصلة وھم ینتظرون وصول المساعدات الحیویة من إسرائیل وكان البرزاني یشعر بالقلق والمرارة وقال: “بأن الأكراد لا یمكنھم تحمل عبء القتال من اجل الاستقلال”.. فوصل الدعم الكافي للبرزاني من الكيان الصهيوني.

لقد اثبت البرزاني ولاءه للكيان الصهيوني یوم 2حزیران یونیو 1967 بعدم التزامه بمشاركة العراق في مساعدة مصر قائلا : بأنه بدلا من الحرب سیطلب من الرئیس المصري “سحب قواته عن الحدود الإسرائیلیة وفتح مضایق تیران”.. ووافق البرزاني عرضا عراقیا بالھدنة وخشي من أن تقطع إسرائیل المساعدات بسبب موافقته.. 

واستمر الخبراء الصهاينة في عملھم بكردستان أثناء الحرب في 5 حزیران1967 على الدول العربیة وأرسل البرزاني برقیة تھنئة للحكومة الصهيونية باحتلال القدس وذبح جدیا احتفالا بھذه المناسبة وعمت الفرحة أوساط الانفصالیین الأكراد بعد أن سمعوا بان سلاح الجو العراقي قد دمر ورد البرزاني الجمیل للإسرائیلیین وساعد في العملیات المبذولة لتھریب مئات الیھود العراقیین عبر كردستان وكما یتذكر رئیس الموساد السابق زیفي زمیر فقد كان ذلك بالنسبة للبرازاني مصدرا لاعتزازه كونه فعل شیئا لخدمة إسرائیل، وكانت عملیة التھریب تلك محفوفة بالمخاطر على الأكراد.. وفي العام 1968 حضر البرزاني إلى إسرائیل لمعالجة ألم حاد في أسنانه وقابل رئیس الكيان الصهيوني آنذاك(زلمان شزار) الذي نصح البرزاني التخلي عن طلب الحكم الذاتي ودعاه إلى إقامة دولة كردیة ذات سیادة : تدفقت المساعدات الصهيونية المادیة والعسكریة على البرزاني الأمر الذي جعله أكثر جرأة في الإعلان عن أهدافه، وبناء على نصائح الخبراء العسكریین والأمنيين الصهاينة ھاجم المتمردون الأكراد عام 1969 منشأة نفطیة في شمال العراق وأوقفوا إنتاج النفط في كركوك بنسبة 50  %. 

الشاه يدعم الأكراد

وفي أوائل السبعینیات أصبح نظام الشاه أكثر سخاء في دعمه للأكراد كما قدم الأمریكان في  هدوء ید المساعدة ودرب الصهاينة الانفصاليين الأكراد على قیادة الدبابات وإطلاق الصواریخ فكانت الظروف مواتیة للبرزاني بناء على نصائح الصهاينة للهجوم على منابع النفط فأشعلوها في شمال العراق في الوقت الذي تحدث فیه القائد الكردي: عن( دولة كردیة مترامیة الأطراف تضم أجزاء من العراق وتركیا وإیران وسوریا یزید عدد سكانھا_ یومذاك _عن 11 ملیون نسمة). ما لم یدركه الأكراد على أي حال ھو أن الشاه بدأ یعرض غصن زیتون للنظام العراقي مقابل تخلي العراق عن سیطرته على ممر شط العرب الاستراتیجي. لم یستجب العراقیون آنذاك لمبادرة الشاه وشنوا ھجوما على القرى الكردیة فھبّ الشاه لمساعدة الأكراد، وفي شتاء العام 1975 تملك البرزاني اعتقاد أنه بإمكان الأكراد إقامة منطقة حكم ذاتي حقیقي في شمال العراق وكان شاه إیران یزود الأكراد بالمدفعیة والصواریخ المضادة للطائرات.. غیر أن المعاهدة بين النظامین في إیران والعراق آنذاك أوقفت فورا الدعم الإیراني للأكراد وأغلق الشاه حدوده مع العراق وھكذا توقف تدفق الأسلحة الصهيونية والأمریكیة التي تمر عبر إیران.  

ھجـوم عراقـي سـاحق: 

طلبت إیران من الأكراد تسلیم أسلحتھم أو مواجهة ھجوم إیراني عراقي منسق فاخبر البرزاني جنوده بأنه سیھرب إلى إیران فطلب الأكراد من صدام حسین مواصلة المفاوضات إلا أن الجیش العراقي ھاجم المنطقة دون أیة مقاومة كردیة وھرب حوالي ستون ألف مقاتل كردي إلى إیران . ولكن ما الذي أدى إلى إنهيار البرزاني؟؟ كان القائد الكردي یبلغ 72 عاما وشعر بعجزه عن مواجهة التناقضات معتقدا أن أي زعیم آخر لن ینجح فیما فشل فیه كما انه تجرع المرارة عندما رفضت الولایات المتحدة علاجه أو حتى استقباله وفي كانون الأول 1978 مات البرزاني وبعد عدة أسابیع ھرب شاه إیران من طھران اثر اندلاع الثورة الإیرانیة والتي أطاحت بنظام الشاه مغیرة شروط اللعبة في المنطقة.. وتوجه عدد من قادة التمرد الكردي إلى أوروبا. 

الدور الصهيوني في كردستان: 

احتل الأمریكان العراق في ابريل  2003 وكان لإقلیم كردستان و البشمرقة الكردیة دور كبیر في القضاء على مؤسسات الدولة العراقیة لإسقاطھا.. وتطورت الأمور فأعلن الأكراد عن برلمان كردي ورئیس للإقلیم.. ورفع علم خاص بھم.

 تعترف إسرائیل بتدریبھا لقوات البشمرقة في الأشهر السابقة لسقوط بغداد على المھمات الخاصة، وتنشر مجموعاتھا الأمنیة من خلال حلفاء أكراد في أنحاء العراق بعد سقوط بغداد تحت الاحتلال الأمريكي وهكذا قامت بمهماتها في تصفية علماء العراق وكبار ضباطه. 

وكأحد إفرازات الاحتلال الأمریكي للعراق وتفسیخ شبكة علاقاته المجتمعیة والسیاسية وتدمیر مؤسساته الأمنیة والسیاسیة لصالح شبكات أمنیة أمریكیة وأجنبیة وجدت الحكومات الصهيونية فرصتھا في التغلغل وإرباك الوضع الأمني و الإسهام في الإجهاز على بلد یتمتع جغرافیا واستراتیجیا بموقع حساس في الصراع ضد المشروع الصهيوني ومصالح الأمریكان غیر المشروعة في المنطقة فتحرك الموساد من قواعده الأمینة في كردستان إلى تشكیل شبكة تغطي كل العراق من شماله إلى جنوبه حسب ما یتسرب من أخبار من عدة مصادر وقد جعلت موقعا لھا في فندق في قلب العاصمة العراقیة يملكه شخص كردي..وھاھي تؤدي وظائفھا في تخریب العراق وإشعال الفتن فیه، وقد ذكرت الصحف العبریة مؤخرا أن دورات أمنیة مكثفة أجراھا جیش الدفاع الإسرائیلي لقوات البشمرقة الكردیة.. ولازالت الوفود الكردية تصل من اربيل إلى مطار بن غوريون تشمل فعاليات أمنية واقتصادية تعزز التواصل بين الحكم الفدرالي والأجهزة الأمنية الصهيونية.

 

 كلمــة أخــیرة

ھذا ھو أحد ملفات الخطورة في الأمة حیث اختراقات العدو في النزعات الانفصالیة والدعوات العرقیة والطائفیة.. ھذا الملف الذي یستدعي معالجات عادلة تقوم على أساس المواطنة وسلطة القانون..

 إن الأكراد قدموا تضحیات جسیمة وقد أخذتهم قياداتهم إلى ان يصبحوا جزءا من أدوات المشروع  الاستعماري في  استنزاف أوطانهم ورغم ولاء زعماء الانفصالیین الأكراد للغرب والأمریكان والصهاينة إلا أنهم لن يجدوا من یقویھم لقيام دولة كردیة كما یحلم الانفصالیون..إن فكرة الدولة الوطنية تواجه تحديا كبيرا و جاءت مرحلة تفتیت الأمة وبلدانها ودولها الوطنية تحت إشراف الاستعماريين.. وهنا يجد الأكراد والعرب والإیرانیون والأتراك وھم المكون الأساسي (للشرق) إنهم بلا شك الجسم الصلب الذي ينبغي عدم تنافره لأنه لن یستطیع أحد من ھذه المكونات إيجاد حل لأزماته دون حل أزمة الآخرین.

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك