“الحرقة ” تعود في زمن “الكورونا

خطاب المؤسسات للشباب فيه خلل ..

بقلم د.محمد مرواني /استاذ جامعي وكاتب صحفي

 

بعد اغتيال الشباب المغني “حسني ” وهو في سن السادسة والعشرين سنة كان “رمزا للشباب الجزائري الذي كان يتوق في مطلع التسعينات إلى التعبير بحرية عن أفكاره ويبحث عن متنفس ينقذه من كآبة المشهد السياسي والاجتماعي والأمني الذي كانت تعيشه البلاد آنذاك ” بعد الاغتيال هاجر العديد من الفنانين الجزائريين الجزائر خوفا من استهدافهم من الجماعات الإرهابية التي بدأت سنة 1993 في تصفية وجوه أكاديمية وفنية وثقافية وعاد الشباب الجزائري ليتملكه اليأس والخوف وازدادت الأوضاع الاقتصادية والمالية للجزائر سوءا بعد جدولة ديونها وما خلفه الإرهاب من خسائر مادية وبشرية على كاهل الحكومات التي تعاقبت على تسيير أوضاع البلاد من “1992 إلى غاية 1999 ”  قطاع واسع من الشباب الجزائري في منتصف التسعينات إلى “الحرقة ” والهجرة الغير شرعية والملاحظ أن الكثير من خريجي الجامعات والمعاهد مع منتصف التسعينات تحمسوا لإيداع ملفات لطلب التأشيرة والهجرة خاصة نحو فرنسا ولكن وعلى حد تعبير الجزائريين آنذاك “لم تعد الأمور مفتوحة لافتاك فيزا لفرنسا بعد أن كانت المسالة متاحة جدا في الثمانيات “

يقال إن الجزائر حققت وفق تقارير منظمات غير حكومية وبيانات الحكومة استقرارا امنيا واضحا شجع على إطلاق مشاريع تنموية ضخمة وانجاز منشئات قاعدية وشجع ذالك الوضع المالي المريح للغاية الذي عاشته الجزائر مع انتعاش سوق المحروقات وارتفاع سعر البترول ورغم هذا الحافز المالي المريح الذي دفع بالحكومة خاصة في العهدات الأولى الانتخابية للرئيس الأسبق الذي استفاد عهده من ارتفاع لأسعار البترول إلى أن أوضاع الشباب بالجزائر لم تتغير كثيرا خاصة في علاقته مع السلطات الرسمية المركزية والمحلية فالبطالة في أوساط الشباب وبلغت خلال السنوات الأخيرة ما معدله 10.5بالمائة حسب الديوان الوطني للإحصائيات وهي مازالت مستفحلة في أوساط خريجي الجامعات والمعاهد من حاملي الشهادات الجامعية ولم تحقق إستراتجية الحكومة في التشغيل النتائج المرجوة منها حسب ما يؤكده خبراء في قطاع التشغيل اذ تتحمل الخزينة العمومية تكاليف مالية باهضة بسبب ضخ ما يسمى أموال لتسديد أجور أصحاب عقود التشغيل المؤقتة وعددهم في الجزائر في تزايد دون ان يتم توظيف هؤلاء في القطاعات التي يشتغلون فيها  .

الشباب في الجزائر الذي يقال ان سئم من خطاب المجاملات الذي تردده على مسامعه أحزاب سياسية تستهدف استقطاب وعاءه الانتخابي في ظل العزوف الانتخابي الجارف الذي تبديه هذه الشريحة إزاء أي عملية انتخابية وتشير آخر التقديرات لهيئات رسمية أن واحدا بالمائة فقط من الشباب الجزائري “متحزب ” يعاني هذا الشباب قطاع واسع منه أعماره ما بين “28 إلى 35 سنة ” من غياب للأفق المهني الذي يتيحه منصب عمل ثم يتخبط الكثير من الشباب الذي منحت له الدولة إعانات مالية لإنشاء مؤسسات مصغرة في مشاكل الديون وغياب أي مردودية للمشاريع .

والواقع أن حالة التخبط التي يعيش فيها الشباب الجزائري خاصة الشريحة التي  لا تملك بدائل لتطليق واقعها الاجتماعي والمادي الصعب دفع بالآلاف من شباب هذا البلد إلى الهجرة الغير شرعية عبر قوارب بسيطة تبحر من شواطئ مدن جزائرية ك” مستغانم , وهران , عنابة ..” إلى اسبانيا أو ايطاليا وحسب أرقام رسمية فان هناك قوارب للموت كما تسمى حملت ما يقارب 30 شابا يبحرون في فترات معينة وبعضهم يصطحب معه أسرته في سلوك لم تشهده الظاهرة منذ بروزها في الجزائر ودول المغرب العربي ويقال أن الكثير من هؤلاء الشباب لا يحوز شهادات جامعية عالية ولكن جله قادر على العمل ومؤهل لوظائف بسيطة وقد يكون تأخر الإدارة في توظيفه وتوجيه طلباته سببا في اختياره للهجرة الغير شرعية نحو الضفة الشمالية للبلاد .

وفي نظر عدد من الأكاديميين فان ظاهرة “الحرقة ” كما تسمى شجعها أيضا غياب سياسة اتصال فعالة لدى السلطات الحكومية اتجاه الشباب فوسائل الإعلام الرسمية لا تخاطب هذا الشباب إلا في مناسبات او لتمرير برامج تنموية يقال أنها تستهدفه وتقوم على رعايته وتلبية لغته المطلبية كما أن غياب الثقة في النخب السياسية التي تبحث في المواعيد الانتخابية عن مغازلة صوت الشباب الجزائري الذي يبدو أن لا يهتم إطلاقا بالسياسة شجع هذا المعطى سلوكا للامتعاض والاستياء يبديه الشباب بالجزائر اتجاه كل ما هو رسمي وسياسي خاصة وقد أبانت تعلقيات الكثير من الشباب عبر مواقع ومنصات التواصل الاجتماعي في الانتخابات التشريعية والمحلية الأخيرة التي نظمت بالبلاد موقف الشباب اتجاه الطبقة السياسية التي يرى ان دورها هزيل في خدمة قضاياه وتلبية طموحاته وانشغالاته .

رغم المخصصات المالية المعتبرة التي توجه لقطاعات الشباب والتعليم العالي والتكوين المهني والاتصال والثقافة والتشغيل وهي قطاعات تتصل بالشباب في مجالات عديدة إلى أن الأرقام التي كشفتها هيئات رسمية في البلاد عن ظاهرة الهجرة الغير شرعية واستفحالها في الكثير من المدن الجزائرية والإحراج الذي تسببه للدولة أمام دول الجوار خاصة أوروبا يكشف هذا الواقع المتناقض حالة من غياب الرؤية المؤسساتية حسب ما يشير خبراء في قطاع الإعلام والاتصال في التعاطي مع سلوك الشباب الجزائري الرافض للأداء الحالي الذي تبديه مؤسسات وقطاعات تقدم خدمات للشباب الذي يبدو انه يبحث عن فرصة عمل وسكن وزواج ووضع مادي  مريح.. على حد تعبير احد الشباب الذي استجوبناه في الموضوع وقد أبحر عبر قارب للموت ونجا بأعجوبة .

من جهة أخرى تنتقد العديد من الفعاليات الجمعوية الشبانية عجز دور الشباب والثقافة ومصالح التشغيل في التنسيق فيما بينها للتصدي لظاهرة الهجرة الغير شرعية ورغم حملات التحسيس الموسعة التي طلب من ولاة في سنوات سابقة تنظيمها خاصة في الولايات التي انتشرت فيها الظاهرة وتنظيم ملتقيات وأيام إعلامية إلى أن الشباب الذي يقبل باحتشام على هذه اللقاءات لا يردد الا هذه الجمل ” أين هو الملموس في خطابكم أيها المسؤولون , لسنا في حاجة لتشرحوا لنا سياسة التشغيل ومناصب العمل غير متاحة …” يتبع 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك