الحرب النفسية.. لكي لا نخسر انتصاراتنا

أدوات

بقلم: صالح عوض

كانت مواجهاتنا الدامية مع المستعمرين تعبيرا قويا عن رفضنا لوجودهم ولقد استقر في أذهانهم أن لا قدرة لهم على مواصلة الاشتباك المسلح، فاتجهوا إلى تقوية جبهاتهم في حروب من نوع آخر، وبعثوا بالمؤسسات الاستشراقية والإعلامية والبحثية والأمنية لتكون هي القائد في المعارك القادمة، واستطاعوا تحقيق أهداف كثيرة أخطرها ما يحاولون تكريسه في وجدان الأمة من هزيمة نفسية و إحباط وتشتيت للطاقة و ذلك لإفقادنا ما حققناه في ميادين القتال الصعبة وكذلك صناعة جيل العلمنة واللائكية ليقوم بإرباك المجتمع والتشكيك في مسلماته.. إنهم يتحركون وفق عملية منهجية جادة لتنفيذ خططهم، التي تشترك فيها أطراف عدة، بأدوات متنوعة، بعضها ناعم وبعضها صادم، بعضها للتخدير وكثير منها للتشويه والإقصاء… 

تغيير المفاهيم:

يعالج الدكتور علي شريعتي والأستاذ مالك بن نبي وادوارد سعيد هذه العملية بدقة وبصبر جميل وقد رصدوا كيفية تحركها وتواصلها على صعيد صناعة منظومة مفاهيم وإدخالها على العقل العربي والإسلامي والعقل الغربي سواء.. فلقد اجتهدت مراكز الاستشراق والإعلام في الترويج لمفاهيم ومصطلحات وذلك على صعيد العلاقات السياسية او شبكة العلاقات الاجتماعية تبدو عليها الحيادية وكأنها مفرغة من أي غاية سياسية أو لون أيديولوجي من التعايش و حقوق الإنسان و حقوق المرأة والديمقراطية و العلمانية، والتفتح والانفتاح والشرعية الدولية، ثم التجارة الدولية والعولمة إلى آخر المصطلحات والمفاهيم وتم حشو مضامين هذه المفاهيم في عقول الناشئة وهي عملية منظمة لتثبيت مسلمات الوعي في العقل العربي والإسلامي ولقد تم ذلك من خلال تطوير نظم التعليم والقوانين في بلاد العرب والمسلمين بنسب متفاوتة، فبعض دولنا ذهبت بعيدا في هذا النهج، الأمر الذي أسهم بشكل كبير في ميلاد أحزاب وقوى سياسية ونخب ثقافية لا رابط لها بمجتمعها أو تاريخه البعيد أو القريب فكانت هذه الأحزاب التي تقتات على ما ألقي لها عبارة عن جزر انعزالية تعيش الغربة والاغتراب لتصبح مشاريع إرباك لثقافة أجيال متلاحقة وبذور فتنة لصرف المجتمع عن مهماته في التمدن والتنمية..

وكما أنهم قذفوا لنا بمفاهيم حديثة وجديدة علينا وقد أصبحت ذات مرجعية لجيل من المثقفين في بلداننا فهم كذلك شنوا حملة مركزة على مصطلحاتنا الخاصة وفرغوا مضامينها الأصلية وحشوها بمضامين غريبة تعمل على تزويدها بقوة طاردة منفرة، فتحول الجهاد والأمة والفتح والدعوة والإسلام والقداسة والخلافة الإسلامية والحضارة الإسلامية وفلسطين إلى عناوين للإرهاب والتطرف بعد أن مارسوا عليها الشيطنة المتعمدة والتشويه المستمر.. 

ولم تتوقف العملية على العمل في دائرة عقولنا ومعارفنا إنما انهمكت كذلك في صناعة سياج ثقافي معرفي لدى الغربي ليتزود بقوة رفض ونفور وأحيانا حنق وأحيانا احتقار واستعلاء تجاه تاريخنا وديننا ورموزنا المقدسة ومجتمعاتنا وهذا من خلال اختصار الإسلام في صور مقتطعة من سياق يفسر نفسه، واختصار الجهاد في ساحة الحرب والسيوف، واختصار الخلافة والنظام السياسي في الخليفة والحريم، والمرأة في الطاعة والتعدد، وتصوير العرب بالتخلف والمسلمين بالإرهاب، ويتم تمرير هذا التشويه المتعمد في المناهج التعليمية لتكوين مجتمع رافض للحوار والانفتاح الإنساني مع العرب والمسلمين..

ويجد المضمون الذي تقدمه مؤسسات الاستشراق ومراكز البحوث المختصة بالحرب الثقافية في نفوس علمانيي امتنا و لائكييها هوى فيندفعوا مزهوين بشعارات التشكيك في هوية الأمة وثقافتها وتاريخها.. و نعود إلى المعركة في نقطتها الصفر من جديد حيث الصراع على الهوية والانتماء والمفاهيم الأولى.

لقد كانت المفاهيم الثقافية مادة العمل للتحويل عن مقاصدها و استصدار معلبات جديدة للثقافة العربية منزوعة الروح مستبدلة المعاني و تم الترويج للمهرجين والببغاوات والمنبهرين بالمصطلحات فأصبحوا رجال ثقافة وفكر يقدمون على أنهم أصحاب التنوير والحداثة وتزداد قيمة الواحد من هذا الصنف بمقدار قدرته على التشكيك في هوية أمته وشخصيتها وإثارة الزوابع حول عناوين المجتمع العربي والإسلامي لاسيما في عنوان المرأة والعلمانية والإسلام والجهاد.. وتحصيل حاصل لهذا النهج ما يتم لعنوان فلسطين ومفهومها.. حيث يتخندق اللائكيون العرب بحجج كثيرة في فكرة التعايش مع العدو والتطبيع.

فلقد فرغ مصطلح السلام وتقرير المصير من مضمونهما.. وبتصعيد المضمون البديل أصبح القبول بالعدوان سلاما ورفضه إرهابا، و أصبحت فلسطين إسرائيل ويمسح اسم فلسطين من خرائط العالم، رغم أنها قبل سبعين سنة كانت بعلم الجميع تسمى فلسطين، وإذا بها حسب قوة المنطق الاستعماري وثقافته تصبح إسرائيل بدعوى خرافية لا سند علميا لها ويفقد المثقف والسياسي الغربي العلماني  توازنه ويروج مقولة دينية مصنّعة، ولا تحول علمانيته عن الانبهار بالفكرة “الدينية” التي تم بموجبها طرد ملايين البشر من وطنهم وجلب ملايين آخرين في مساكنهم ومدنهم في واحدة من أخطر ما تم في التاريخ البشري.

إن أخطر ما تم في عملية تغيير المفاهيم هو ما يتعلق باصطفافات الناس بين المتصارعين، وكيف يتم تحول العدو إلى صديق وأخ فيما يصبح الأخ عدوا وحليفا، وتبعا لذلك يتم كل ما تستلزمه العلاقة ووصفها.

وهذا الواقع يبعث برسائله الى أرواح الناس المقهورة بأن يفقدهم القدرة على التفاؤل والأمل في نهضة وكرامة تعزهم في أوطانهم وتحفظ لهم مفاهيمهم وقيمهم.. فيما المنهارون يتقدمون بقوة المال والأشياء بعيدا في التحالف مع العدو الذي يقتّل ويشرّد وينهب.

 البديل المشوه:

هنتجتون وبرنارد لويس وسواهما عدد لا يستهان به من المفكرين الأمريكان واليمين المتطرف في أوربا حددوا إطار الحرب والصراع القادم الذي على الإمبراطورية الأمريكية وحلفائها القيام به حيث حددوا العدو بدقة انه الإسلام والمسلمين.. كما ذهب ساسة كبار مثل كيسنجر وريغان وبوش وأوباما وترمب للترويج لمشاريع سياسية وأمنية “شرق أوسط جديد، وفوضى خلاقة” لتحطيم الإسلام بتحطيم بلدانه وتشتيتها.. انشغلوا معتمدين على المؤسسات المتخصصة و مراكز الأبحاث في صناعة البديل الإسلامي والعربي والقطري ليؤدي خدمات ضخمة على جبهات عدة.. ولا يخفي القادة والمسؤولون الأمريكان مهمتهم وقد انبرى بعضهم للإعلان عنها رسميا منذ  لورانس إلى كونداليزا رايس هيلاري كلينتون.

فلقد أسقطوا الخلافة العثمانية ببعث القوميات في الأمة بمفاهيم جديدة عن الاستقلال والسيادة  وبتزويدها بشعارات التفريق والتشتت الجاهلية فكانت الثورة العربية الكبرى بإشراف الضابط الانجليزي لورانس والتي انتهت بضياع فلسطين وتجزئة ديار العرب.. وفي المرحلة المعاصرة استطاعت الدوائر الاستعمارية صناعة تكتلات “إسلامية” بعد ان صنعت مفاهيم ومصطلحات وانهمك المستشرقون في صياغة منظومات فكرية لتزويد هذه التكتلات بمسوغات فكرية مستمدة بطريقة انتقائية من النصوص والتاريخ ووظفوا هذه التكتلات لإنجاز عدة أهداف إستراتيجية :الأول منها هو محاربة القوى العالمية كما حصل في محاربة الاتحاد السوفييتي في أفغانستان وحشد آلاف المقاتلين المسلمين لمعركة حققت هزيمة الاتحاد السوفيتي ومن ثم انهياره.

لقد كان الخصم الشيوعي هشا في مواجهة النظام الرأسمالي لافتقاده القدرة على تفعيل الرغبات والدوافع الفردية وافتقاده القدرة على مواكبة الهجوم الإعلامي والثقافي الرأسمالي.. وفي حقيقة الأمر يبدو الصراع بين النظامين إنما هو عملية حراك داخل الدائرة الواحدة وهذا ما صرح به ماركس وانجلز ومن بعدهم لينين وستالين في غير ذات مرة عندما كان الصراع ينتقل الى الهند او المغرب العربي أي العالم الإسلامي والوطن العربي.. فحينذاك ينظر الشمال كله إلى الموضوع من عين واحدة وبرؤى متقاربة.

انهارت الكتلة الاشتراكية وكأنها لم تكن.. لأنها كانت كتلة الحزب الحاكم لم تكن قناعات الناس ولم تشكل يوما دينا للناس وهذا المشهد بعكس حركية الإسلام تماما ففي حين سقوط النظام السياسي للأمة وتشتتها على عرقيات ووطنيات إلا أن الإسلام في وجدانها وسلوكها حيوي ويفرض نفسه بقوة كأقدس ما تمتلك الأمة وترتبط قداسته في رموزه القران والرسول والكعبة والمسجد الأقصى واستقرار قيمه في نفوس  الناس فحلاله لازال حلالا وحرامه لازال حراما.. والمشاعر التي تربط بين المسلمين شديدة التماسك رغم أن أنظمة الحكم في بلاد العرب والمسلمين تحول بقوة البطش دون تجسيد مشاعر الأمة في سلوك عملي تجاه قضاياها لاسيما فلسطين.. هذه المعاني يدرك خطورتها المسعرون للحروب والأنانيون فكان أن أمعنوا في صياغات لتشويه الإسلام في أبشع صورة.. فصنعوا داعش كما صنعوا القاعدة من قبل وكثيرا من حركات التطرف وأطلقوا عليها أسماء عدة أما الإسلام السياسي أو الإرهاب الإسلامي.. وفتحوا لها طريق التخريب مزودة بالأموال والأسلحة.. وبجرة قلم “شطبوا” جهود الصحوة الإسلامية في السبعينات والخطاب الإسلامي المتوازن الذي وجد قبولا محليا وعالميا وانخرط فيه ملايين الشباب العربي والمسلم، وهكذا راحت شبه هباء ملتقيات الفكر الإسلامي في الجزائر وطهران واسطمبول والأزهر.. ومن الواضح أن هذه العملية تتجه لتحقيق عدة أهداف مجتمعة: أولها توفير المبرر لضرب المسلمين كما فعل بوش بالعراق وتشتيتهم كما فعل أوباما وإلحاق الأذى المادي والمعنوي بملايينهم، وكذلك “تحصين” المجتمع الغربي من اقتحام الإسلام.

الإعلام الموجه:

انهمك الإعلام بكل وسائله وأساليبه في مهمة الحرب النفسية على دول الجنوب وشعوبها  لإفقادها يقينها وتشكيكها في ثوابتها ومسلماتها.. فهو يتم تحت إشراف دقيق وتوجيه يرتبط بالوظيفة التي تخضع تماما للالتزام بتوجهات الشركات العملاقة والمؤسسات الرسمية التي تجد مصلحتها أن تكون جزءا من النظام السياسي القائم ومنظومته الفكرية.

يقوم الإعلام مزودا بالحرية في صناعة الكذب والافتراء أو خلطهما ببعض الوقائع وذلك لانجاز عدة أهداف كبرى أولها تشتيت الرأي العام وزرع صور مخيلة لواقع ثانوي، وثانيها تكريس الانهزام في طبقات الشباب بالتركيز على السلبيات الموجودة في بلدان الجنوب، وبإبراز عناوين الديمقراطية والرفاه في مجتمعات الشمال.. وثالثا وليس أخيرا الترويج للتهم التي تصنع من قبل المؤسسات والأجهزة الاستعمارية حول الأشخاص والدول وشن حرب نفسية لإرباك الأشخاص والدول والمؤسسات وجعل الجميع تحت طائلة القلق والاضطراب.

أما ما فعلته مؤسسة إعلامية فرنسية ومؤسسات عنصرية كثيرة من إساءة للنبي محمد صلى الله عليه واله وسلم أو للمسلمين والإسلام إنما هو إلحاق الأذى النفسي والروحي للمسلمين الى أقصى درجة واستدعاء للعنف والتوتر.. وتأتي تصريحات ترمب وماكرون عن الإسلام وأزماته والإرهاب الإسلامي متساوقة مع منطق التطرف والإرهاب. 

ويجد الإعلامي البسيط والمغمور فرصته إن شن هجومه على الإسلام والمسلمين في حين سيتعرض من يتصدى لهذه الحرب التهميش بل للفصل من عمله وإخراجه عن السرب بقوة منطق العداء للإرهاب الإسلامي.

روح الانتصار:

في مواجهة المشروع الكبير الهادف تحطيم روح الأمة ومعنوياتها تبرز عدة معطيات تجعله مشروعا قيد التلاشي أو الفشل على الأقل.. فالأمة برغم كل ما لحقها من خسائر لازالت في كامل لياقتها و تصرخ في مواجهة أي مظلمة وعدوان على أي جزء وقع منها بمعنى أنها تكتنز الحياة ولازالت بنفس قيمها ومفاهيمها ولعل حيوية القضية الفلسطينية كعامل وحدة واقعي يمنحها إصرارا على التفاؤل ورفضا للهزيمة.. وكلما ظن المستعمرون أنهم حققوا هدف إحباط الأمة تفجأهم الأمة بحضور عظيم كلما حدث ألم في جزء  من الجسم الإسلامي.

ثم إننا نشهد تنامي الوعي الدقيق لدى نخبة تتوسع في مواقع المسئوليات العديدة السياسية والأمنية والثقافية.. و يتميز وعي هذا الجيل بالموسوعية والإحاطة بما عندنا من إمكانات وما عند العدو من ثغرات ونقاط ضعف وهكذا يصبح الوعي رائدنا نحو واقع قريب يرى العالم معالمه.. وان التجارب العديدة منحت خلاصتها وعبرها وكشفت عن أطراف الصراع بدقة.

وهناك أحرار في الغرب يمتلكون من اللياقات الروحية والوسع الإنساني ما يجعلهم مدافعين بقوة عن الإنسانية لرفع الظلم عنها وفي هذا السياق تبرز قامات كبيرة من فلاسفة وكتاب وآدباء وساسة يزداد عددهم ويتوسع تأثيرهم ويتنامى وعيهم بقضايانا.. وهذا رهان حقيقي يكسر حدة الهجوم النفسي على مثقفينا فنجد في هؤلاء الأحرار خير مدافعين عن قضايانا من جهة وخير مدافعين عن وعي مجتمعاتهم من جهة أخرى بالتصدي للزيف والخديعة والتحريض الشيطاني. إن معركة هؤلاء الأحرار ليست نزهة، بل تشهد الطحن الذي يتعرض له الأحرار والذي يصل ببعضهم إلى قطع رزقه.

وهكذا يصبح على النخبة في مجتمعاتنا لزاما العمل بالتزام الأمانة لشعوبنا بالتصدي لدواعي الوهن والإحباط واليأس و بنشر التفاؤل مستندا للوقائع والتدليل عليها وإبراز الايجابيات الكثيرة والدعوة بروح ناصحة يقظة للنهضة والقيم الايجابية والانتباه إلى خطورة التساوق مع المخطط الاستعماري في فرض الهزيمة النفسية في مجتمعاتنا.. إنها ليست مهمة أخلاقية بل هي في صميم التدافع الحضاري والله غالب على أمره.

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك