الحرب الصاعقة.. وقدرتنا على امتصاصها

صدمة

بقلم: صالح عوض

إعلان الحرب على فلسطين والمنطقة باتفاقيات البيت الأبيض محاولة لترميم هيبة تسيد أمريكا بعد هزائمها النكراء.. فلقد تعرضت أمتنا لعمليات متطورة ومفاجئة وصادمة وبشكل متواصل لإفقادها توازنها وقدرتها على الرد، ليتم تمرير الخطط الاقتصادية والسياسية الاستعمارية في المناطق المقصودة في إطار المخطط المرسوم فيما تكون الأعين قد تغبشت و العقول فقدت تركيزها، وهكذا نجد بعد انقشاع غبار المعركة أننا قد سحبنا إلى دوائر أخرى بعيدا عن المعركة الجوهرية.

وهذا النوع من الحروب يستهدف البشرية جمعاء.. فهاهي جرائمهم الرهيبة في فيتنام والجزائر و فلسطين ويوغسلافيا والعراق وسورية ولبنان، وما نتج عنها من مآسي طالت البشر والشجر والحجر قصد خلق واقع جديد، وترسيم خرائط جديدة، وتوفير الفرص لتقدم شركاتهم وتحقيق الأرباح.. لقد أسقطنا الصدمة؟ فما هو السبيل لتحقيق نظام عالمي، يجعل من السلام ضابطه وهدفه؟

رؤية منهجية:

تطوّر أداء المنظمات والمؤسسات الاستعمارية الحديثة بشكل واضح منذ الحرب العالمية الثانية حيث أصبح العمل على خلق بيئات ملائمة وحتى تحقق ذلك لم ترعو عن نهج كل السبل بتحلل تام من أي معيار أخلاقي وشيئا فشيئا تخلت هذه المنظومة الاقتصادية عن ما تبقى شعارات أخلاقية.. فالربح وتطور الثروة هما الهدف المقدس الذي ينتصب أمام مخططات هذه المؤسسات وهنا يتم الدوس على كل مقدس آخر من حقوق الإنسان وحق الشعوب في تقرير مصيرها واستفادتها من ثرواتها.. بل والأخطر أن هذه المؤسسات لا تؤمن بانتماءات عقائدية أو وطنية فهي لا تنتمي إلا إلى عالم الربح والثروة الجنونية الذي أصبح مجتمعا خارج إطار المجموعة البشرية، ولكنه يتحكم في مسيرتها ويوجهها وجهة كارثية.. حتى لو وقعت الضحايا في بلده.

كتاب “عقيدة الصدمة”.. يعتبر أهم ما صدر عن السياسات الاقتصادية والاجتماعية المطبقة من قبل المؤسسات والدول الكبرى في العالم منذ ثلاثين عاما، وفي هذا الكتاب لمؤلفته الكندية “ناعومي كلاين” شرح لأسطورة انتصار اقتصاد السوق الحرة، ولخيوط تحريك الأدوات لخلق الأزمات والحروب التي غيرت العالم في العقود الأربعة الماضية عن طريق ” المعالجة بالصدمة “.. وتشرح ناعومي ما جرى في البلدان التي تعرضت للعلاج بعقيدة الصدمة، وتكشف بالوثائق والأدلة عن النيات المبيتة لما يجري في العالم من غزو وانقلابات ومجازر، كما تُشرح تأثير سياسات صبيان مدرسة شيكاغو(اقتصاد), على الدول التي طبقتها، سياسياً واجتماعياً، من إندونيسيا سوهارتو إلى تشيلي والأرجنتين والبرازيل ثم روسيا وشرق آسيا وصولاً إلى العراق حيث يقوم مذهب “رأسمالية الكوارث” على استغلال كارثة، سواء كانت انقلاباً، أم هجوماً إرهابيا، أم انهياراً للسوق، أم حرباً، أم تسونامي، أم إعصارا، من أجل تمرير سياسات اقتصادية واجتماعية يرفضها السكان في الحالة الطبيعية.. وقد حرصت المؤسسات الرأسمالية الكبرى مع تنويع الصدمة على استخدام الإعلام بكل أدواته، لتكريس الصدمة في الوعي الجمعي.. ولقد اخترعوا لذلك مصطلحات، من قبيل “كي الفعل وكي الوعي”.  

نماذج الصدمة:

لقد أنفذت المؤسسة العسكرية الأمريكية عقيدتها المبنية على الصدمة في بلداننا كإستراتيجية لترهيب قوانا الوطنية والقومية وإفشالها، بأبشع صور الصدمة ممثلة في حجم النيران ومساحة الحرب وأساليب القتال وتحويل الأرض إلى جهنم وتدمير مقومات الحياة جملة، باستخدام ما يناسب الغرض الشيطاني من قنابل ومتفجرات تصل إلى حد استخدام القنابل الذكية وقتل مئات آلاف الأطفال لإفقاد المجموع أي إحساس بالأمن.

  .. فمن خلال رصد سريع لنوع السلاح الذي تم استخدامه ولطريقة استخدامه وأماكن استخدامه في العراق نكتشف حجم الصدمة التي أرادتها المؤسسة الأمريكية والمراد منها كما قال رامسفيلد وزير الدفاع الأمريكي وتشيني نائب الرئيس بوش: “إن الحافز الرئيسي لحربنا على العراق يتمثل في تكوين نموذج سلوكي توجيهي بالنسبة إلى أي شخص يجرؤ على امتلاك أسلحة مدمرة أو يحاول إضعاف سلطة الولايات المتحدة”.. فلقد تم إطلاق أكثر من 380 صاروخ “توماهوك” في يوم واحد كما قد رمى الجيش الأمريكي خلال 12 يوما 30 ألف قنبلة على العراق بالإضافة إلى 20 ألف صاروخ كروز دقيقة التصويب أي ثلثي ما هو مصنّع من هذا السلاح وذلك لتدمير شبكة الاتصالات وتحطيم محطات الإرسال و ضرب التجمعات البشرية والعسكرية سواء.. وللامعان في تكريس الصدمة فتحوا معتقلات يحشد فيها العراقيون تمارس ضدهم أبشع جرائم الفتك بالبشر ويتم تسريب ذلك لإيقاع الهزيمة المعنوية في قلوب العراقيين.. وما مارسته الجيوش الأمريكية في العراق مارسته القوات الصهيونية في غزة ولبنان ففي ثلاثة حروب ألقت الطائرات والمدفعية الصهيونية آلاف أطنان المتفجرات على غزة ووجهت صواريخ باليورانيوم المنضب وبالفسفور الأبيض ودمرت ثلث مساكن قطاع غزة تماما كما فعلت بحرب شهر تموز 2006 في لبنان حيث قامت بتحطيم شبكات الكهرباء وتدمير أي متحرك على الأرض من آليات.. فعقيدة الصدمة تتحدى قوانين الحرب التي تمنع العقاب الجماعي حسب القانون الدولي  حيث لا تتوقف هجماتها على المواقع العسكرية بل المجتمع بأسره فمجازر 8 مايو 1945 التي وقع جراءها استشهاد أكثر من 45 ألف جزائري مدني مسالم في يوم واحد كان القصد منها منع الجزائريين من التفكير في الاستقلال.. وملجأ العامرية في العراق 1991 ومجزرة “قانا” بلبنان ومجازر لبنان ومدارس الوكالة بغزة عناوين للسياسة الاستعمارية تكشف أن المجتمع بأسره هو المستهدف لتحقيق الخوف الجماعي كجزء أساسي من أهداف إستراتيجية عقيدة الصدمة.

وجنبا إلى جنب ذلك -ولكي تؤدي الإستراتيجية غرضها- كان البث على شاشات التلفزيون وبوسائل الإعلام المتنوعة لتكون الرسالة الواضحة إلى العالم قد كتبت بلغة كرات النار والإنفجارات المدوية والهزات المدمرة لمدن بأسرها …إنه مخطط نفسي معقد موجه مباشرة إلى إرادة الخصم في المقاومة بتجريده من كل قدراته وقد أخضع العراق كما لبنان وفلسطين إلى هذا الاختبار في القصف والاستهداف الجماعي لمدة شهور.

وضع الأمريكان أمامهم خطة محو العراق بصدمه وترهيبه برمته وتدمير بناه التحتية كما قال وزير الخارجية الأمريكي جيمس بيكر لطارق عزيز قبل يوم واحد من الحرب: “سنعيد العراق إلى العصر الحجري وسندمّر بنيته التحتية”.. وقد استغلت المؤسسة الأمريكية خطأ ارتكبه النظام العراقي بغزوه للكويت ولعلها جرته كما أظهرت العديد من الوثائق إلى هذا الخطأ بعد أن أغرته بالحرب مع إيران ثمان سنوات لتقوم ليس فقط بإخراج الجيش العراقي من الكويت إنما بتدمير العراق بكل مؤسسات الدولة والمجتمع.. لم تكن نتائج الصدمة فقط على المستوى السياسي والعسكري فلقد طالت الثقافة والهوية لتفسيخ مكون البلد الثقافي وتشتيته فكان إخراج العراق من صيرورة حضارية تنموية وامتلاك أدوات للنهضة إلى مجتمع متشظي مغرق في التخلف والفقر بانتماءات طائفية عصبوية.. لم تكن حلقة المحو الثقافي واستبداله في العراق نظرية على الإطلاق بل إستراتيجية تطبق بحذافيرها لانهاء دور العراق في الأمة.

امتصاص الصدمة:

إن اللغة هنا يجب أن تنسجم مع روح الأمة وضميرها وإرادتها، والتحرر من الجو النفسي الذي حرصت الصدمة على توليده.. بمعنى آخر لابد من قراءة النتائج بعيدا عما يرتبها الخصم.. ولنرتب رؤيتنا للمشهد بما ينسجم مع يقيننا وإرادتنا وطموح امتنا وما فرضته أمتنا في مواجهة الصدمة فلقد واجهت الأمة الصدمات المتتالية منذ عشرات السنين بلياقة نادرة و في اللحظة التي يظن فيها الخصم انه حقق ضربته القاضية تنبعث الحياة في الأوصال الممزعة لتندفع إرادة الحياة من جديد تلحق الخسارة الكبيرة بالعدوان.. ولعلنا هنا لا نجد من يختلف معنا في القول إن إرث الأمة وثقافتها و المقدس لديها من قيم قد مثّل الجدار النفسي الواقي و الدافع الروحي العظيم لإبقائها خارج دائرة الانهزام.. فمن الجزائر إلى العراق إلى لبنان ثم غزة استطاعت الأمة في مواقع مقاومتها أن تتطور في فلسفة امتصاص الصدمة فلئن استطاع الجزائريون وبعد عدة سنوات من مجزرة مايو 1945 وفي سبع سنوات طرد الاستعمار وتسجيل لياقة فائقة تمثلت بعمل ميداني أربك قوة الاستعمار وأفقده القدرة على المبادرة فقد جاءت المقاومة العراقية بعد أيام قليلة من الاجتياح الأمريكي لبغداد وتمكنت من امتصاص الصدمة والانقلاب عليها وإفشال كل مراميها وحققت انتصارها الرائع في ساحات المعارك وامتلك المقاومون العراقيون زمام المبادرة فشكلوا حربا استنزافية أرهقت القوات الأمريكية بمعدل ألف عمل عسكري يوميا الأمر الذي أجبر جيوش أمريكا للانسحاب خلال ثلاث سنوات تاركة في الميدان سجلا قاسيا من خسائر لاتزال تلاحق دولتها بالإضافة لتقويضها أسس الدعاية الأمريكية، وفي الوقت الذي كانت المقاومة اللبنانية تواجه ما تمطره الطائرات والبوارج والمدفعية الإسرائيلية على كل مكان في الجنوب وكل موقع محتمل للمقاومة أبلى المقاومون اللبنانيون بلاء خارقا للعادة و افقدوا الصدمة قوة دفعها وشتتوا أهدافها وعادت إسرائيل خائبة من عدوانها واستطاع المقاومون اللبنانيون اختراق معادلة الموت التي كانت تحرم الشعوب من المقاومة في ظل غياب التوازن الاستراتيجي لاسيما امتلاك سلاح الجو.. أما في غزة حيث قلة الإمكانات والحصار المفروض كانت المقاومة في ثلاثة حروب تخرج من كل مكان ظنه العدو أصبح رمادا فتفاجئه وتنقض عليه حتى عادت غزة تشكل حالة رعب وتوازن عنف مع العدو الصهيوني وتستطيع ان تصل بفعلها إلى أكثر مكان في العالم ما كان يتوقع احد الوصول إليه بأذى تل أبيب ومطارها.

برزت مع مطلع القرن سمة خاصة لمقاومة العرب للمشاريع الاستعمارية استطاعت إفشال   قدرة “الصدمة” والإرهاب المرافق لها كما استطاعت إسقاط نظرية ” كي الوعي وكي الفعل” واستطاع العرب في العراق ولبنان وفلسطين إبراز نظرية جديدة “توازن الرعب” وهدف بهدف..لقد كسر العدو حدود المعقول في الحرب ووسع دائرة إرهابه لتحقيق الغرض وفي المقابل كانت المقاومة العراقية تكبده خسائر فادحة دفعت بالقيادة الأمريكية إلى إعلان الانسحاب واعتبار الحرب خطأ استراتيجيا فادحا كما جاء على لسان الرئيس أوباما وكذلك الرئيس ترمب، الأمر الذي أصبح عنوانا لهزيمة عقيدة الصدمة ولما أنتجت من كوارث اقتصادية على أمريكا.. وتحررت المقاومة العربية كذلك من التقيد بساحات قتال محددة وجعلت خطوط ما بعد الاشتباك ساحة مفتوحة لصواريخها فدكت مطار بن غوريون والمستوطنات وتل أبيب والجليل ومواقع عسكرية وإستراتيجية في العمق.. بمعنى أن فلسفة “كي الوعي وكي الفعل” لم تحقق إلا خسارة إضافية وإحباطا لدى مسعري الحروب.

لقد أثبتت المقاومات العربية قدرتها على إحداث ضربة الإيقاف الاستراتيجي لعقيدة الصدمة وفرغت “الأكشن” الأمريكي من عنصر تفوقه، وألحقت به خسائر معنوية ومادية فائقة.. وقد استقر في بال صناع القرار الأمريكي أن هذه المقاومات تنبعث من ببيئاتها انبعاثا تلقائيا.. وأنهم إن كانوا قد انتصروا على الجيش الرسمي العراقي في عشرات الأيام فلقد قاومهم الشعب سنوات أرغمتهم على الانسحاب.

وعادت الإدارة الأمريكية خائبة تطرح أسئلة من قبيل: لماذا يكرهون أمريكا؟ كيف اقتنص بوتين الفرصة بالتمدد في منطقة حيوية؟ كيف لم تسقط إيران حتى الآن؟ ولماذا تسعى تركيا للتمدد؟.. لقد خرجت أمريكا من المنطقة بجملة مفيدة“لن نفكر بعد اليوم مهاجمة الشرق الأوسط”..  

وبهذا تكون أمتنا لقنت المؤمنين ب”الصدمة وكي الوعي وكي الفعل” درسا مؤلما، ورفعت عن البشرية سيفا مصلتا على رقابها ترويعا وتخويفا، وضربت المثل في الصمود والانبعاث.. وهذه خطوة كبيرة نحو السلام العالمي وكرامة الشعوب.

بعد الصدمة:

 بعد فشلهم الذريع عبر أسلوب الصدمة.. اخترعوا لنا حربا بأدوات وأساليب جديدة.. فأنشؤوا مناخا طائفيا في العراق ونفخوا في رموز سياسية أمعنت في التطرف الذي كان حاضنة لمشروعهم بإنشاء تنظيم داعش بشعارات إسلامية لمحاربة الشيعة و يسروا له التحرك في العراق وبعد ذلك نصروا الحشد الشعبي الذي رفع رايات الثأر للحسين وبشعارات شيعية طائفية وغطوه بالقصف الجوي أثناء هجوماته على الموصل والمدن التي يقطنها عراقيون سنة انتهت بتدمير الموصل والفلوجة والعديد من المدن مما ترك جرحا في النسيج الوطني من الصعب تجاوزه.. الأمر نفسه نراه بشكل آخر في لبنان حيث يتم جر المجتمع إلى تصارع ذاتي يدفع المقاومة لتكون طرفا في الأزمة.. كما أغرقت الفلسطينيين في مناكفات ساذجة بعثرت قوة دفعهم وشتتت وحدتهم فيفقدوا المبادرة فتلقي في ساحتهم فتنة صفقة القرن وتجرهم لمعركة خارجية مع النظام العربي المنساق للتطبيع.

إن كنا نجحنا في امتصاص الصدمة أيما نجاح، فإننا مدعوون لمواجهة الفتنة الحالية بروح مسئولة، وان نبطل المكيدة بنبذ كل دواعي الفساد والشقاق والتنابز بالألقاب، والعمل على توحيد الصف، وتوجيه الاهتمام لقضية جامعة مشرقة –فلسطين-.. وبالفعل ها نحن نشهد انبثاق تباشير اليقظة في جبهات المواجهة الساخنة: إيران وتركيا وفلسطين والعراق ولبنان وسورية في مواجهة التشظي والانهيار لتجتمع المهمة الحضارية إنقاذا للأمة و تأسيسا للسلام العالمي والله غالب على أمره.  

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك