الحراك كما تراه السلطة

بين المد والجزر

بقلم: احسن خلاص

سيدخل الحراك الشعبي في الجزائر، بعد أيام فقط، عامه الثاني وقد تجاوز المطالب الآنية ليتحول إلى ثورة شعبية سلمية ذات نفس طويل من أجل ترسيخ السيادة الشعبية وتكريس مفهوم المواطنة والانتماء إلى الجزائر التاريخية كأمة موحدة بتجاوز ممارسات النظام الأحادية والشمولية والاستبدادية الفردية القائمة على التفرقة، وإقامة دولة القانون وإبعاد الجيش عن السياسة وتعزيز الحريات الفردية والجماعية والتعددية بينما تراهن السلطة في طبعتها الجديدة المنقحة على أن “تلبية مطالب الحراك” يكون وفق رزنامة تقنية محددة وأجندة معدة ومدروسة من شأنها أن تضع حدا لمبررات استمراره وتضمن عملية تطبيع تدريجية مع المجتمع بعد القطيعة التامة التي كرستها طبعة بوتفليقة السابقة.

نحن إذن أمام قراءتين مختلفتين للأزمة، قراءة تدافع عنها أغلبية بعضها صامت وبعضها الآخر اختار من الشارع الفضاء الأمثل للتعبير، وقراءة أخرى تنتجها مخابر السلطة وتروج لها بحثا عن محتضنين جدد من أحزاب ومنظمات ونخب سياسية ومثقفة وبقية باقية ممن احتضن مسارها الانتخابي ودافع عنه. ويبدو أنه لا يوجد إلى يومنا هذا أي اختراق بين القراءتين ولم تفلح العملية الانتخابية التي جرت مع نهاية السنة في رأب الصدع القائم بين المجتمع والسلطة بالرغم من الجهود الاتصالية التي ما فتئت السلطة الحالية تبذلها في سبيل ذلك بوسائل الاتصال والتواصل ذاتها التي استعملت في الطبعات السابقة وبالرغم من اجتهادها للتعبير عن نيتها في التغيير في اتجاه “الاستجابة لمطالب الحراك”.

قد يصعب الجزم بأن السلطة الحالية تملك تحليلا عميقا لأهداف ما كان حراكا ثم تبلور ثورة شعبية سلمية واستقر في الوعي الجمعي كقوة رفض للوضع العام الذي أنشأه النظام القائم منذ عقود. وليس أدل على ذلك من المؤشرات التي تبعثها هذه السلطة والتي مفادها أن حل الأزمة هو مجرد سلسلة من الإجراءات والقرارات التي ترمي إلى التهدئة والتطبيع السياسي مثل البدء في الإفراج عن بعض معتقلي الرأي ومواصلة تعيين أفراد من “الحراك” في مناصب مسؤولية في مختلف أجهزة الدولة وإطلاق حوار مع “شخصيات وطنية” ترعرعت في أجهزة الدولة قبل أن يضطرها الزمن للبقاء قرب المواطن والاحتكاك به.

لا تزال السلطة الجديدة والنخب المناصرة لها تنظر إلى مخرجات الشارع كل أسبوع على أنها تعبير عن تيار سياسي متشدد يتجه تدريجيا نحو التآكل والتقلص بعد أن اخترقته اتجاهات يسارية وإسلامية متطرفة وصار يسير وفق أجندات تملى من قبل جزائريين يقيمون في عواصم غربية وينفذها نشطاء ينتمون إلى قوى حزبية وجمعوية متواجدة على الأرض لكنها لا تمثل بالضرورة جميع الجزائريين، ويكفي في نظر السلطة أن تحاصر هذه التيارات ويضيق مجال تحركها حتى يزداد تآكل هذا التيار، أو قد تفلح محاولات استقطاب بعض الناشطين منها للمشاركة في السلطة كوزراء ومستشارين لينضب وعاؤها تدريجيا تمهيدا للقضاء عليها نهائيا.

وبالمقابل تسعى السلطة لتنفيذ خارطة طريق قائمة على التحاور مع من أراد، من أجل الخروج بورقة دستورية معدلة ومنقحة “تستجيب لمطالب الحراك” كما ورد في رسالة التكليف التي قدمها الرئيس تبون للجنة تعديل الدستور وهو الذي وصفه بالحراك المبارك في إشارة إلى الأسابيع الستة الأولى منه. كما التفتت السلطة إلى أن ما صاحب الحراك في الأشهر الأخيرة من تغذية مظاهر الكراهية والحقد والعنصرية والجهوية لا يمكن أن يساعد على إتاحة مناخ هادئ لتنفيذ خارطة الطريق المرسومة.

ومن جانب آخر، اشتغلت السلطة على الجبهة الديبلوماسية على الصعيد الإقليمي للإيحاء بعودة قوية للدولة الجزائرية على الساحة الدولية مما قد يخلق مناخا مطمئنا ومهدئا للجبهة الداخلية. هذه العودة التي ساهمت في تعزيزها سلمية الثورة الشعبية في الداخل وكونت لها أرضية مناسبة بعد أن جلبت تقدير واحترام جميع الدول.

وبالمقابل، لا تظهر قراءة الحراك لنوايا السلطة وجهودها الاتصالية أي تطور نحو نسج روابط ثقة متينة ولا يزال الرفض السمة الرئيسية التي تميز تعابير الحراك وشعاراته الأسبوعية، رفض لكل ما يصدر من السلطة القائمة وإن اجتهدت هذه الأخيرة لإقناع المجتمع بجدوى مقترحاتها وقراراتها، فمقترحات الرئيس تبون لتعديل الدستور تعد تقدما هاما على طريق تكريس دولة مؤسسات والفصل والتوازن بين السلطات وتعزيز الحريات وغيرها من مُثل الدولة الديمقراطية الحديثة إلا أنها لم تحظ بالتفاعل الطبيعي الذي كانت تنشده السلطة انطلاقا من اعتبار التغيير الحقيقي ليس على الورق بل في فتح النقاش والمجال لمشاركة سياسية واسعة وحرة وتعددية في بلورة الخيارات السياسية والدستورية الكبرى، بل إن التغيير الحقيقي يبدأ من ممارسات السلطة التي لم ير منها “أهل الحراك” ما يتيح بصيصا من الثقة في إمكانية التغيير، أمام الإبقاء على معتقلي الرأي في السجون واستمرار الممارسات الرديئة والبيروقراطية في مؤسسات الدولة والمنتمية إلى الطبعات السابقة.

وباستعداده لإحياء مرور عام على انطلاقه، تنتظر الحراك بدوره تحديات كبيرة، تحديات الانتقال من جبهة رفض للوضع القائم إلى جبهة التفكير في وضع جديد وصناعته وجمع كل الجزائريين دون إقصاء حول هذه التحديات الجديدة.

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك