الحجر الصحي في الجزائر خلال سنة 1836م

بعيون المؤرخ عميرواي احميدة

 

بقلم الأستاذ: قواسمية عادل، باحث دكتوراه جامعة الأمير عبد القادر قسنطينة.

سبق وأن أعددتُ بحثا منذ ما يقرب من 40 سنة مرت؛ حول مشروع هام عرضه حمدان خوجة الجزائري (1773-1841) على السلطان العثماني عام 1836؛ أي منذ قرابة قرنين من هذا الزمن، دعا فيه إلى ضرورة تطبيق الحجر الصحي في البلاد العربية الإسلامية، هذا الحجر (la quarantaine) الذي كان يطبق في بلدان أوروبية دون بلاد السلطنة العثمانية. وهدفي من تقديم هذا الموضوع تزامنا مع انتشار فيروس كورونا الآن هو التأكيد على السبق الفكري الجزائري في التفطن إلى أهمية تطبيق الحجر الصحي لدرء الخطر، في تصديه -زمانه- للجهلاء المتعصبين من أشباه المفتيين المسلمين الذين أنكروا التداوي من هذا الوباء.

 

إتحاف المنصفين والأدباء في الاحتراز من الوباء

 

قدم حمدان هذا المشروع في مصنف ذي العنوان: اتحاف المنصفين والأدباء في الاحتراز من الوباء، تضمن هذا المصنف قضايا هامة إصلاحية وعلمية، بجانب نقد حاد لأفكار وفتاوي “علماء” معاصريه؛ وعلى رأسهم شيخ الإسلام آنذاك، واعتبر أن من أولى الأمور الإصلاحية هو الوقوف ضد أولئك الجهلة المتعصبين.

قبل الحديث عن هذا يستحسن تقديم تعريف مختصر عن حمدان خوجة، فهو جزائري المولد والنشأة والشعور، حيث ذكر عن نفسه: انتهت الترجمة المباركة بعون الله وحسن عنايته لكاتبها… الفقير إلى مولاه حيثما توجه حمدان بن المرحوم عثمان خوجة الجزائري مولدا ودارا الإسلامبولي مهاجرا وقرارا .

وهو من علماء الجزائر ومفكريها، ومن أثرائها؛ إذ كان يملك شبكة تجارية دولية، وثروة كبيرة من عقارات، وأراضي شاسعة، وحيوانات متنوعة، وكان أحد أعضاء حكومة داي الجزائر، قال عن نفسه: “أنا الكرغلي بالذات كنت مستشارا في حكومة الداي”. سافر إلى بلدان كثيرة، آخرها إلى فرنسا وتوفي في إسطنبول. أكسبته هذه المكانة دراية واسعة للعوامل المحركة للحياة بمختلف أنواعها، فأدرك بواطن الضعف السائدة في فضاء المسلمين، ومواطن القوة لدى الأوروبيين. لهذا ألف مصنفات هامة بين فيها واقع العالم الإسلامي والأوروبي. ومن أهم هذه المصنفات كتابه إتحاف المنصفين تعرض فيها لقضايا كثيرة أذكر منها ثلاث قضايا؛ الأولى كانت تخص الجانب الطبي الوقائي؛ أي الحجر الصحي، والثانية تتعلق بالجانب العلمي النقدي، وبخاصة ضد مفتيي عصره الذين أغلقوا باب الاجتهاد ، والثالثة تهم الدعوة إلى التجديد.

 

انتشار الوباء

 

فيما يتعلق بالقضية الأولى وهي حول انتشار مرض الوباء، والوقاية منه، قال حمدان: “ولكون سمية من السموم ومنفعة كثير من الأدوية تثبت على اليونان وهم الفلاسفة وأقرها الشارع. ثم عربت كتبهم ودونت ووقع الإجماع على جواز العمل بتلك الأدوية” . رد حمدان على حجج أولئك الشيوخ حين تساءلوا: إذا كان الطاعون يعدي من أعدى المريض الأول؟ فيرد حمدان: لا يقال فيه من ولد الأول إلا لم أنكر خلق الله… ويضيف: ثم أننا لا ندري أن الوباء لا تكون إلاّ عن عدوى وسرايا بل قد تكون لها أسباب أخرى… إن فساد الأهوية وكثرة المعفونات تورث بإذن الله أمراضا وحميات مشهورة لا تنكر” . بهذا يبين حمدان خوجة مكانته العالية من حيث الاطلاع والمعرفة، الأمر الذي يجعلنا نشاطر الأستاذ عبد الجليل التميمي حين قال إن حمدان يعد الشخصية الجزائرية التي تمتعت بثقافة وإطلاع واسعين جدا .

كان اطلاع حمدان واهتمامه بالحضارة الإسلامية، والقضية الجزائرية من الدوافع الكبيرة التي جعلته يؤلف، ويراسل ويضحي بممتلكاته، يفهم هذا من قوله: “ولو أن الكافرين يعلمون شطر ما فعلت من تحريرات وتأليف ومراسلات مع الأجناس وغير ذلك…” .

 

إلى تأليف كتاب إتحاف المنصفين والأدباء في الاحتراز من الوباء: باللغة العربية سنة 1836، ثم ترجمه إلى التركية العثمانية وأهداه إلى السلطان محمود الثاني خان . وكان يهدف من وراء هذا العمل -كتاب الإتحاف- إلى تطبيق أفكاره التي حث فيها العالم الإسلامي على اليقظة والأخذ بمعالم الحضارة الأوروبية، ولاستفادة من نتائج التجارب التي توصلوا إليها للوقاية من الأمراض وكيفية علاجها.

ألف حمدان هذا الكتاب لأن السياسة العثمانية لم تخصص وقتها أماكن لحجر الوافدين إليها وقاية من العدوى؛ وإنما قامت بالحضر والعزل للمناطق الموبوءة ودون التداوي؛ قاموا بهذا لأن فقهاء الدولة وعلى رأسهم شيخ الإسلام فهموا وعملوا بما نقله الرواة عن قول الرسول صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة مثل: 1- “إذا سمعتم بالوباء بأرض فلا تقدموا عليها، وإذا بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فورا منه”. 2- “لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر، وفر من المجذوم فرارك من الأسد”.3- “لا يورد ممرض على مصح”. 

ولم يتفقه أولئك الفقهاء حديث الرسول عليه الصلاة والسلام: “يا عباد الله تداووا فإن الله تعالى لم يضع داء إلا وضع له دواء وشفاء، إلا داء واحد، فقالوا: ما هو يا رسول الله ؟ قال: الهرم”؛ كبر السن، لم يتفقهوا لأن بعضهم رفض التداوي من هذا المرض على أساس أنه قضاء وقدر. خلاف ما ذكر في القرآن الكريم

 

إقامة الحجر الصحي

 

ومهما يكن فإجراء التداوي ويكون بعد انتشار الوباء، بينما إقامة الحجر الصحي يكون قبل انتشار الوباء وهذا الذي تفطن إليه حمدان خوجة آنذاك. وهو السبب -في تقديرنا- الذي دفع حمدان إلى تأليف كتاب إتحاف المنصفين وتقديمه كمشروع قصد التطبيق إلى السلطان العثماني لإصلاح أحوال المسلمين وتقوية الدولة وجيشها الذي أجهز على أغلبه الطاعون، يفهم هذا من قول حمدان خوجة في مراسلته إلى الحاج أحمد باي من اسطنبول يبرر له فيها عدم تمكن السلطنة العثمانية من استرجاع الجزائر:”…يكفيك أنه قد مات لهم (للدولة) من العسكر في مدة سبع سنين ما يزيد على سبعمائة ألف وهكذا بسبب الوباء . 

دعا حمدان المسلمين إلى نبذ التعصب والتزمت اللذان كانا يسودان العالم الإسلامي نتيجة لموقف المحافظين من علماء الدين الذين أخذوا بظاهر الآيات والأحاديث النبوية فأغلقوا باب الاجتهاد، والتزموا التقوقع واعتبروا كل شيء أخذ عن غير مسلم كفرا، فأدرك حمدان أن هذا هو السبب في تخلف العالم الإسلامي بالرغم من أنه سبق العالم الغربي إلى الحضارة، لهذا ناشد السلطان العثماني وأولي الأمر أن يسرعوا إلى وضع حد للأعمال العقيمة التي كان يمارسها هؤلاء الجامدون، وأن يبادروا إلى إصلاح كل ما من شأنه أن يلحق ضررا بالبلاد الإسلامية، لأن الحد من نشاطهم هو من باب إصلاح المجتمع الإسلامي، ومنطلق لتحضره. وقال حمدان في هذا الصدد: “يجب على السلاطين وعلى أولي الأمر..أن يبادروا بإصلاح ما يدخل عليهم الضرر (على الرعية).. ولا يرخص لهم -بعد تحقق ذلك- ألاّ يساعدوا الجهال على تصلبهم وجهلهم” .

 

كل عصر له متطلبات وخصائص جديدة

 

  وذهب حمدان إلى أبعد من ذلك بأن حاول أن يفطن الحكام إلى قاعدة هامة في التجديد إذ قال: “إن كل عصر له متطلبات وخصائص جديدة ولدى ظهور عادة حديثة وجب التخلي عن القديم حتى نتفادى حدوث اضطراب وقلق في الشعب، وحتى لا يعرقل ذلك تسيير دولاب الإدارة الناجحة” . 

ثم انتقد هؤلاء الحكام الذي قال عنهم بما يمكن ترجمته إن الذين لم يطبقوا الشريعة الإسلامية لأنهم لم يفهموا جيدا مبادئها السمحة التي من بينها أن ظروفا تترتب على زمن وحاجات الإنسان لم تتوقعها القوانين، ولذلك يجب على أي مشرع أن يفهم هذه الضرورات ليعمل على إيجاد طريقة حكيمة لتطبيق هذه القوانين .

يكون حمدان بهذه الروح المتفتحة وبهذا الرأي العميق قد أدرك عوامل تطور المجتمعات، أي أنه أدرك قيمة الآخر، من جهة. كما أنه يعد بحق رائدا لأنه قلما نجد شخصا معاصرا له في هذا المستوى الفكري.كما أن الفضل يعود إليه آنذاك في أنه ساهم في تعريف العالم الأوروبي بحقيقة الشريعة الإسلامية خاصة في كتابه المرآة حين نشر باللغة الفرنسية. وهو الوحيد -حسب علمي- في العالم العربي الإسلامي من نشر له مؤلف بالفرنسية في أوروبا عام 1833، من حيث الموضوعات التي تناولها هذا المؤلف.

 

حمدان خوجة إلحاحه على تطبيق الحجر الصحي

 

من آرائه الإصلاحية إلحاحه على تطبيق الحجر الصحي الذي كان معمولا به في أغلب بلدان أوروبا، بينما لم ينظم ويعمم في البلاد الإسلامية. إذ قال: “لكشف حقيقة ما يستعمله الفرنج لمن يقف على رسالتنا حتى لا يتوهم من لفظ (الكرنتينة) أنها أمر غريب يصادم ديننا… والأولى التزام الاحتياط في أول الأمر… وكل ما ذكرناه من تصرفاتهم ليس فيها ما يكره شرعا ولا طبعا” . وقال في موضع آخر : “إن مبنى إنكار من أنكر كل ما نسب إلى الإفرنج إنما مبناه على الجهل والتعصب” . لأنه كما قال: “لا مجال لإنكار كون الفرنج في زماننا وقبيله قد تمهروا العلوم الرياضية والطبيعية والصناعية…وخصوصا الطب والنجوم والهندسة…حتى صار ذلك كالمختص بهم، مع إقرارهم بأن مأخذهم كان من كتب الإسلام ثم زادوا عليها” .

وعند حمدان ليس المطلوب نبذ التعصب والتزمت فحسب، بل على العالم الإسلامي أن يستعين برأي الأوروبيين الذين تقدموا أشواطا كبيرة في كيفية الاحتراز والتداوي من هذا المرض وغيره، خلاف الذين أهملوا أمر الطب مع أنه فرض كفاية، وصرفوا اهتماماتهم إلى العلوم الشرعية والأدبية لمقاصد متنوعة، فامتاز الأوروبيون واليهود بالمهارة المبنية على التجربة لأنهم – توارثوا الصنائع المهمة وزاد فيها آخرهم على الأول فتوفرت عساكرهم ومتاجرهم، وهما الركيزتان اللتان عليهما المعول، فاكتفوا بقلة حزمنا عن قتالنا حيث ضعفت قوانا، واستأصلنا معظم رجالنا .

وتفطن حمدان قبل غيره من رجال الفكر العرب المسلمين إلى ركائز أساسية لبناء الحضارة، وهي أن المسلمين لم يقبلوا على العلوم التجريبية كالرياضيات والطب، وأهملوا هذا الجانب الفكري الخصب وحصروا اهتماماتهم في الإقبال على العلوم النظرية، إذ قال في هذا الصدد: “لا مجال لإنكار كون الإفرنج في زماننا وقبيله قد تمهروا العلوم الرياضية والطبيعية والصناعية مع عدم تقييدهم بما يتعلق بأمر أخراهم، وخصوصا الطب والنجوم والهندسة وكثير من العلميات حتى صار ذلك كالمختص بهم، مع اقرارهم بأن مأخذهم لذلك كان من كتب الإسلام. ثم زادوا عليها ما صح عندهم بالتجربة والمشاهدة” .

 

موقف المسلمين المتعصبين

 

وتعجب حمدان من موقف المسلمين المتعصبين الذين ضربوا عن الأخذ بمعالم الحضارة الأوروبية بل قالوا بتحريم ذلك؛ فيستنكر حمدان ويقول: “يا للعجب كيف يتهجم هؤلاء على مثل هذا التحريم والتكفير بغير سند ولا نص ولا إجماع. ويطيلون ألسنتهم فيما هم فيه مخطئون. ويتعامون عن شيوع الربا في بلاد الإسلام” .

ولتطبيق الحجر الصحي اشترط أن يعمم في كامل الولايات العثمانية، بأن يعين في كل ولاية طبيب مختص، ويفرض على وافد أجنبي، وخاصة إلى اسطنبول .

وصفوة القول إن حمدان خوجة الجزائري يعد بهذا الإدراك لدقائق الأمور -منذ قرابة قرنين من الزمن- شخصيةً هامة هي على جانب كبير من المعرفة والتفتح، الأمر الذي جعله يساهم بفكر إصلاحي داع إلى إقامة الحجر الصحي لدرء خطر مرض الوباء، دون الاكتفاء بالعزل والحضر، وإلى نبذ التعصب والجمود في أوساط ممن كانوا يصفون بشيوخ الدين، والداعي كذلك إلى الاقبال على العلوم العقلية التجريبية دون الاكتفاء بالعلوم النقلية، وذلك بأخذ ما توصل إليه علماء الغرب من نتائج مفيدة.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك