الجزائر وحركة عدم الانحياز –مواقف ومحطات تاريخية

من إنجازات الدبلوماسية الجزائرية

بقلم الأستاذ طارق عزيز فرحاني. 

ظهرت حركة عدم الانحياز بعد الانهيار في شهر سبتمبر 1961م، حيث كان لها دور سياسي كبير منذ نشأتها التي تزامنت مع الذورة التي وصلت لها الحرب الباردة التي ميزها صراع حاد بين المعسكرين الشرقي بقيادة الاتحاد السوفياتي والرأسمالي الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، فقد عملت الحركة على الحفاظ على السلم والأمن الدوليين وساهمت أيضا في حصول عديد من الدول المستعمرة على استقلالها وتصفية الأنظمة الاستعمارية، وتأسيس دول جديدة ذات سيادة تتمتع شعوبها بالحرية.  

01-المبادئ العامة لحركة عدم الانحياز: 

حدد أول تعريف لمفهوم سياسة عدم الانحياز في مؤتمر بلغراد عام 1961، إذ قرر أن الدولة التي تؤمن بتلك السياسة يجب أن تتبع المبادئ التالية:

  • يجب أن تنهج سياسة مستقلة قائمة على تعايش الدول ذات النظم السياسية والاجتماعية المختلفة، وألا تنحاز، أو تظهر اتجاها يؤيد هذه السياسة.
  • يجب أن تؤيد الدولة غير المنحازة حركات الاستقلال القومي.
  • يجب ألا تكون الدولة عضواً في حلف عسكري جماعي تم في نطاق صراع بين الدول الكبرى.
  • يجب ألا تكون الدولة طرفا في اتفاقية ثنائية مع دولة كبرى.
  • يجب ألا تكون الدولة قد سمحت لدولة أجنبية بإقامة قواعد عسكرية في إقليمها بمحض إرادتها.

02-إلتزام الجزائر بمبادئ حركة عدم الانحياز: 

عبرت الجزائر عن موقفها الدبلوماسي الثابت تجاه ما كان يحدث في العالم من صراع بين المعسكرين الشرقي والغربي، والتزامها التام بمبادئ حركة الانحياز من خلال مقال صادر في مجلة المجاهد حيث تضمن ما يلي: “إن دعم قضايا التحرر في العالم ومناصرة الشعوب المكافحة من اجل الحرية والاستقلال كانت ولا تزال من بين المبادئ الأساسية والأهداف الثابتة للثورة الجزائرية وقيادتها السياسية، وشعبها المناضل الذي ذاق مرارات وويلات الاستعمار، وعرف معاني الاستغلال والاستبداد والتحدي في ضوء هذه الحقيقة وتأكيدا لموقف الجزائر الثابت في دعم كفاح شعب إفريقيا”. 

وتأكد أيضا موقف الجزائر من خلال تصريحات سياسية وردت في مطبوعات عديدة لوزارة الاعلام والثقافة والتي ذكرت وأكدت على أن الجزائر التي حصلت على استقلالها لم يكن بإمكانها إلا أن تجند كل إمكانياتها لتكون مشاغلها على الصعيد الخارجي مرآة لعملها من اجل التنمية في الداخل، فالمواقف التي دافعت عنها الجزائر تتماشى ومطامع الأغلبية الكبرى للإنسانية التي أوقف تطورها من طرف الاستعمار، أو تمت عرقلته من الاستعمار الجديد أو الامبريالية إلا أن هذا الاختيار يبحث عن طرق للتنمية السريعة والمنسقة يمر حتما بإيجاد نظام دولي جديد يتم فيه القضاء على هذه السياسة نجد مشاركة الجزائر دون تحفظ والتزامها بمبادئ عدم الانحياز.

03-مطالبة الجزائر بإقامة نظام دولي جديد: 

وقفت الجزائر إلى جنب المستعمرة في إفريقيا واسيا وأمريكا اللاتينية ولم تتوان في عهد الرئيس هواري بومدين في الحديث عن قضاياها والالتزام بدفع نضالها إلى الأمام ماديا ومعنويا خاصة في ظل حركة عدم الانحياز، وساهمت في ذلك من خلال النداء الذي وجهه الرئيس هواري بومدين لأجل إقامة نظام اقتصادي عالمي جديد يحرر العالم الثالث من قيود المصنعة مشجعا في كل مرة الحوار البناء بين الشمال والجنوب. وهو الحوار المتواصل في كل اللقاءات الدولية، والذي تتبناه الجزائر وتعمل جاهدة على إرساء قواعده المتينة مناضلة دوما من اجل تطهير الجو الدولي وتفاديا للازمات التي تندلع هنا وهناك خصوصا منها التي يكون ميدانها بلدان العالم الثالث من جراء السيطرة الاستعمارية التي تجثم على كثير من البلدان الإفريقية، واستغلال الاستعمار الجديد والتدخل في الشؤون الداخلية ومحاولات ترسيم الأنظمة العنصرية كل هذه تشكل أخطارا تهدد امن القارة الإفريقية. حاولت الجزائر طرحها من خلال مؤتمر دول عدم الانحياز المنعقد في يوم 5 سبتمبر 1973 بالجزائر.

كل هاته الجهود كانت لأجل أهداف معينة وهي القضاء على الأسباب العميقة للنزاعات والفروقات بين البلدان الغنية والبلدان الفقيرة مما أدى لانعدام التوازن والاستقرار، في هذا الإطار يقول بومدين: فعلا أن إرادة القوة الامبريالية الكبرى في كسب حماية مواقعها المتسلطة على الثروات العالمية، كانت هي خط السلوك الدائب الذي ما فتئت تنتهجه القوى ذلك أن ظاهرة الاستعمار ظاهره تاريخية متعددة الصور، وضلت باستمرار تدور حول مسالة امتلاك الموارد العالمية من طرف الأقوياء على حساب الضعفاء. 

على هذا النحو انطلقت الجزائر في طرح أخطار أزمة واجهت العالم، وتهدد كيان البشرية كلها في المستقبل، فكان رائدا في فتح آفاق جديدة في العلاقات الاقتصادية العالمية وسباقا إلى المطالبة بديمقراطية العلاقات الدولية في مجموعها، وقد كان هذا بعد أن وضع الأسس الصحيحة لبلاده وغير العلاقات الإنتاجية فيها، لتكون مثالا يبرهن عن تقديمه العمل عن القول أما المعنيين الأوائل من دول العالم الثالث فيما يتعلق بأزمة التخلف والاستغلال والسيطرة الأجنبية وليؤكد للطرف الثاني المتعنت من البلدان الصناعية على أن المطالبة بتعديل العلاقات الدولية ليس معناه اعتماد البلدان المتخلفة عليها في حل مشاكلها رغم أن المتسببة لوضعيتها من جراء عشرات السنين بل المئات من الاستغلال والاحتكار لطاقاتها البشرية وثرواتها الوطنية وباستراتيجيته المعهودة.

04-مواقف تاريخية للرئيس الجزائري هواري بومدين: 

كان الرئيس الجزائري هواري بومدين شديد الحرص على تحقيق الأهداف التي كانت تسعى إليها حركة عدم الانحياز، حيث جاء في إحدى تصريحاته بأن أوربا تنظم نفسها وتحاول أن تكتل جهودها وتضم صفوفها دفاعا عن مصالحها الخاصة، وهناك بلاد خاصة شبيهة بالقارات باليابان والصين تعمل أيضا على لما فيه مصالحها ونحن دول العالم الثالث في حاجة ماسة إلى العمل للدفاع عن مصالحنا واعتقد أن الدول الفقيرة أحوج ما تكون في هذه المرحلة إلى التعاون والتضامن والعمل المشترك لقد انقسم العالم اليوم إلى فقراء وأغنياء وإذا كان البعض قد رفع في الماضي شعارا يقول فيه “يا عمال العالم اتحدوا” فانه لا بد من رفع شعار جديد هو “يا فقراء العالم اتحدوا” وبهذا الشعار القديم يكون الرئيس بومدين من صاغ نظرية التطاحن والتصادم المقبل في العالم، حيث إذا كان الجوع والمرض والجهد من مشاكل 4/3 البشر فان انعكاساتها لا بد أن تشمل الإنسانية جمعاء إذا لم يسارع بفتح المجال أمام بلدان العالم الثالث للتغلب عليها في المستقبل. ولم يكتف الزعيم الجزائري بهذا، بل تعداه إلى المساهمة الفعلية في تحمل المسؤولية أمام سكان العالم الثالث للتحدث باسمهم والدفاع عنهم. 

وفي الدورة الطارئة للجمعية العامة يوم 9 أفريل 1974م للنظر في مشاكل المواد الأولية في تنمية العالم الثالث. عندما قال: فمما يدعوا للدهشة أن يدشن الإنسان العقد الحالي بغزو القمر مبرهنا بهذه البراعة الخارقة على أن قدرته العلمية والفنية هي في مستوى اعقد المشاكل التي تطرحها الطبيعة في حين يكاد يكون عجزه مطلقا أمام مأساة الفقر البؤس التي تشد بخناق العالم في الحقيقية أن الصراع بين البلدان المصنعة التي تريد تكديس اكبر قدر ممكن من الأرباح كي تستغن في اقرب وقت ممكن عن المواد الأساسية التي ينتجها العالم الثالث، وبين البلدان النامية المصممة على أن تستفيد في هذه الفترة التاريخية لتضع القواعد الأساسية لتنميتها وتحررها الاقتصادي أن هذا الصراع يجعل مشكلة سعر المواد الأساسية تجاوز نطاق النظرة التجارية الصرفة، لتصبح قضية إستراتيجية يتوقف عليها مصير وبقاء البلدان المنتجة ومن هنا يجب أن تعالج بحذر بالغ.

وبالفعل فان مشاكل التخلف تبلورت وترتبت عن تدهور معدل التبادل التجاري للدول المتخلفة مع الدول المتقدمة وانعدام التوازن والعدل في المواد الأولية وانعدام الديمقراطية في الميكانيزم المالي والدولي وهي كلها مشاكل لها دور كبير في مراحل تطور اقتصاد شعوب القارة الإفريقية فمن الناحية التجارية نحدد مشكلة التبعية لسوق واحدة في الوقت الذي نجد فيه التعامل مع بعضها البعض يكاد يكون منعدما، ولأنه من ناحية التنمية نجد معدل نمو الإنتاج يقل عن 5% سنويا تقريبا، وهي ظاهرة تعكس انخفاض النشاط الاستثماري المنتج من ناحية المشاكل النقدية فإنها تشكل سرا كبيرا على القدرة في تكوين رأس المال نظرا لأنه في الوقت الذي نجد فيه أسعار منتجات الدول النامية منخفضة الثمن في الأسواق الدولية، نجد أسعار المنتجات المستوردة من البلاد الصناعية مرتفعة مما أدى بطبيعة الحال إلى تدهور شديد في معدل التبادل التجاري.

ونظرا لهاته المشاكل اتخذت مواقف جماعية مشتركة هي نتيجة البحث والتشاور والمناقشة، وانطلاقا من هذا المبدأ اهتمت الدول الإفريقية بالموضوعات الثلاث في التجارة، التنمية والمشاكل النقدية. فالجزائر تؤمن بحق الشعوب في الحرية، السيادة والاستقلال وترفض أن تظهر أي مظهر من مظاهر الإجحاف، وتأبى أن تحيد عن مبادئ ثورة نوفمبر الخالدة التي تنسجم انسجاما كليا مع مبادئ المنظمة الأممية نفسها وحركة عدم الانحياز ومنظمة الوحدة الإفريقية

وهكذا قال بومدين أثبتت الجزائر وبكل تواضع أنها ومثلما كانت أثناء حرب التحرير هي في طليعة مكافحي شعوب العالم الثالث وأصبح الحديث عن الجزائر يعني الحديث عن جزائر عدم الانحياز وعن جزائر الالتزام مع القضايا العادلة والطريق الصعب الذي ارتضته الجزائر وتسير فيه لإيجاد الحلول للمشاكل التي يواجهها شعبها كواحد من شعوب العالم الثالث 

وقد أسفرت صرخة الجزائر ممثلة في شخصية رئيسها هواري بومدين على مصادقة دورة الجمعية الطارئة على ميثاق وواجبات الدول الاقتصادية، وعندئذ بدأت الفكرة تجد طريقها إلى آذان أولئك الذين سدوها تجاهلا لمطالب ثلثي البشرية وأمام الإصرار النضالي لابن الجزائر البار بومدين وبعزيمته التي لا تقهر حقق خلال مدة رئاسته للمجموعة انتصارات ستظل مقروءة باسمه حقبة من الزمن وبرهن لأعداء الجزائر لا شيء يقف أمامها متى نهضت ومتى انتفضت لاسترداد حقوقها المسلوبة.

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك