الجزائر في مقدمة أكثر الدول هجرة لعقولها البشرية

اصطياد للعقول و نزيف مستمر

الأخصائية النفسانية العيادية :هابط ملعيد

 

كنا طلبة و كانت الكتب الخارجية تأتينا من الخارج و كنا نتسابق لشرائها…

من منكم من أصحاب جيل الثمانينات لا يعرف هذه العبارة المكتوبة على آخر الصفحة من كتب آنذاك الممتاز في الكيمياء و الفيزياء و الزاد في العلوم الطبيعية و المنير في الجبر و الهندسة.. عناوين كثيرة  ربت أجيال و نوابغ على مدار الزمن أين كانت وظيفة الميزان في ذلك الوقت مختصرة بقياس الكيف لا الكم , كان عدد المتعلمين محدودا و منسوب العلم لا حدود له. 

من منكم لا يتذكر درس الطيور المهاجرة في مادة ” دراسة الوسط ” التي كانت تخاطر بحياتها و ترحل من أجل توفير حاجياتها الأساسية كالطعام فما هو طبيعة الخلل التقني الذي أصاب البرمجة فجعل الطيور تقع و أدمغة الفيزياء و الكيمياء تهاجر؟

من منكم لا يتذكر أغنية الصادق جمعاوي الأسطورة  شكرا و ألف شكر يا أستاذي يا وليد بلادي تلك الأغنية التي جعلت من حب العلم ميراث .

المطلوب هنا هو إعادة تكييف أغنية الصادق جمعاوي في البيئة الجزائرية الحالية مع إضافة بعض البنود دون المساس بالجوهر و احترام حقوق النشر و التوزيع مثال : ضرورة إضافة جملة  { خبز الدار ياكلو البراني } على المقطع الذي يتحدث عن المستقبل و الطب و الطيران و الهندسة  { نتما إن شاء الله  نشوفك طيار ضابط في جيشنا قائد مغوار ولا رباني عميد البحار ولا مهندس ……….. }

 لأننا اليوم أمام شرخ حاد في رزنامة الكفاءات و فقدان مئة ألف عقل منذ 1990 تحت عنوان { ما بقاتش معيشة فهاذ الدار }

فهجرة الأدمغة مصطلح يطلق على هجرة العلماء و المختصين في مختلف فروع العلم من بلد إلى آخر طلبا لرواتب أعلى أو التماسا لأحوال معيشية أو فكرية أحسن و هذا النوع من الهجرة تكون من الدول النامية إلى الدول التقدمة .

 

بيئات مستقطبة

 

أطباء علماء فلك و ذرة و فيزيائيين و غيرهم اتخذوا من كندا و الولايات المتحدة الأمريكية و أرويا ملجأ و مفر من الرأسمالية و مضاجعة الاستغلال فهي بلدان جعلت التعريف الإجرائي لحقوق الإنسان بندا من بنود الدستور فرحيلهم كان بحثا عن ما يسمى تقدير الكفاءات و إعطاء كل ذي حق حقه فمن المستحيل فيزيائيا أن تنمو ورود في تربة مالحة .

و  العوامل  الطاردة  كثيرة  و كل واحدة منها أصدق تعبيرا من الأخرى  توزعت على أسباب اقتصاديّة وإداريّة وأمنيّة تكمن في مستوى الدخل والبطالة والإمكانيّات الاستثماريّة للدولة وعدم شموليّة عمليّات التخطيط للقوى العاملة وعدم توافق السياسات التعليميّة مع احتياجات التنمية وضعف المتابعة للطلبة  و كذلك ضعف عمليّات البحث العلميّ وقلّة الإمكانيّات المُتاحة له والسياسات التنموية التي يمكن تسميتها بالرادعة التي تبنتها الجزائر  والتشريعات التي يعتريها الخلل  وتعقيد الإجراءات في الأجهزة الإداريّة كالمحاباة والمركزيّة وضعف المقدرة على اتّخاذ القرارات، والفساد المتعلّق بالنواحي الماليّة والإداريّة وعدم استقرار الأوضاع الأمنيّة فلا يوجد أي تحسن ملحوظ رغم الوعود التي تلقى على الملأ في كل مرة فالاستثمار في العلم ليس من أولويات بلادنا للأسف .

 

تقدير العلم و العلماء

 

فعدم  تقدير العلماء وعدم توفير الظروف المناسبة لهم وعدم الثقة في أفكارهم الجديدة ومعاناتهم من انعدام  تخصّصات تفي بمؤهّلاتهم العلميّة  كصناعة الصواريخ أو دراسة علم الفضاء كان حافزا لهم للذهاب دون حتى التفكير في العودة 

  • التكيُّف الاجتماعيّ  أيضا يلعب دورا هاما في ذلك  كصعوبة القوانين التي يجدها الفرد في حال أراد العودة إلى بلده و المقارنة الدائمة بين البلد الأصلي و بلد الإقامة  كالفارق الرهيب في التطور الاقتصاديّ  والمستوى المعيشيّ  و توفُّر الوسائل اللازمة للبحث العلميّ، والتطوير، إضافة إلى توفير الفرص للمُتخصِّصين، وفتح المجالات الواسعة لهم
  • هذا ما جعل من الدبلوم غير معترف به دوليا و سيكون لك بمثابة تذكار فقط مثله مثل الصورة التذكارية التي تأخذها كل نهاية سنة مع أستاذك و تلاميذ قسمك 
  • و لا يجب أن ننسى الاستقرار السياسي والنفسيّ والأمنيّ والديمقراطيّ الذي تعيشه الدول الأجنبية فهذا لوحده عرض مغري فهي ترحب بفكرة شراء العقول و لا طالما سعت لذلك و أفضل مثال  القرعة الأمريكية التي تعطي الأمل  لآلاف الأشخاص من جنسيات مختلفة للظفر بهذه الفرص الذهبية  لأن قلّة الأدمغة العلميّة في الدُّول المُتقدِّمة الناتجة من  انخفاض  أعداد ذوي الاختصاصات التقنيّة والعِلميّة  ساهم في توفير كافّة المُغريات لسدّ النَّقص الحاصل و تحفيز الأفراد المتخصصين و ذوي الكفاءات 
  • و لهذا الأمر آثار سلبية وخيمة جدا و متنوعة أهما  توسُّع الفجوة بين الدُّول المُتقدِّمة الجاذبة  والدُّول الأصليّة و  تبعيّة الأدمغة والكفاءات ثقافيّاً للدُّول التي هاجروا إليها و محو  عاداتهم وتقاليدهم التي نشئوا عليها  وبالتالي التأثير سلباً في هويّاتهم و زيادة الإنفاق وذلك عبر توظيف كفاءات من الدُّول الأخرى  لسَدّ النَّقص ممّا يجعل الخسائر المادّية التي تمّ إنفاقها على تعليم الكفاءات المهاجرة  خسارة هائلة بسبب التكلفة المرتفعة لاستقطاب الكفاءات الأجنبيّة التي ستسدُّ النَّقص الحاصل في تلك الكفاءات والأدمغة
  • ضعف إجراء البحوث العلميّة ممّا يعني تبعيّة الدُّول الفاقدة للكفاءات للدُّول الجاذبة لها. الخسارة الماليّة الكبيرة، والمُتمثّلة بالموارد الوطنيّة التي تمّ إنفاقها في سبيل تعليم هذه الكفاءات و الخسارة الكبيرة في ميادين التعليم وعرقلة التطوُّر الفكريّ والتأثير في عمليّات التنمية وزيادة المهامّ  ممّا قد يؤدّي إلى فتورهم  وزيادة اللامبالاة لديهم  وبالتالي الشعور بالإرهاق، والضعف في الإنتاجيّة.
  • زيادة نسبة التوتُّر في سوق العمل، وخاصّة فيما يتعلَّق بالكفاءات ذات المهارات العالية وذلك بسبب فقدان نسبة كبيرة من القوى المُنتِجة وفي الميادين المختلفة
  • .فقدان المقدرة على الرقيّ بالمستوى الاقتصاديّ والصحّي والاجتماعيّ  نتيجة لفقدان العلماء  والمُتخصِّصين في هذه المجالات، وغيرها.

 

منظمة اليونيسكو تعتبر  أن هجرة العقول

 

لكن رغم كل  فمنظمة اليونيسكو تعتبر  أن هجرة العقول أو الكفاءات شكل من أشكال التعاون والتبادل العلمي الشاذ أو غير السليم بين الدول  باعتباره يعني تدفق هجرة العلماء في اتجاه واحد نحو الدول المتقدمة  فيما تميز منظمة التعاون والتنمية الدولية بين مفهوم «تبادل العقول»: ومفهوم «إهدار العقول»، على اعتبار أن «تبادل العقول: «أمر طبيعي ناجم عن تفاعل الحضارات وحوار الثقافات، وربما لهذا السبب دافع البعض عن هجرة الكفاءات باعتبارها تؤدي إلى تأمين المليارات من العملة الصعبة للبلدان الأصلية للمهاجرين وتساهم في تحسين الوضع الاجتماعي و كذالك  تبادل المعرفة ونَقلها إلى الدُّول الأصليّة عبر المؤتمرات والمشاركة في المشاريع العلميّة و  تمتُّع المهاجرين بالمهارات اللازمة لعمليّة التنمية وبما يصبّ في مصلحة أوطانهم و دَفْع عمليّة التطوُّر والتكنولوجيا

الجزائر تفقد 215 ألفًا و347 كفاءة

وأشارت دراسة صادرة عن إدارة السياسات السكانية والهجرة بجامعة الدول العربية خلال السنوات الأخيرة إلى أن مجموع عدد الكفاءات العلمية العربية في الخارج يصل إلى مليون و91 ألفا و282 كفاءة علمية، وجاءت الجزائر في مقدمة أكثر الدول هجرة لعقولها البشرية بعدد 215 ألفًا و347 كفاءة، يليها المغرب بـ207 آلاف و117 كفاءة، ثم مصر بـ147 ألف كفاءة و835، فلبنان بـ110 آلاف و960 كفاءة، والعراق بـ83 ألفًا و465 كفاءة، وتونس بـ68 ألفًا و190 كفاءة، فيما تعد كل من سلطنة عمان وقطر الأقل من حيث عدد العقول والكفاءات البشرية المهاجرة منهما بإجمالي 1012 و1465 كفاءة على الترتيب.

و هذا راجع للوضع المزري الذي تعيشه بلادنا من تهميش للعقال و المفكرين فعندما تجب السجون مليئة بسجناء الرأي و عددهم ضعف مئات المرات من سجناء الجرائم المختلفة هنا تدرك اللآديمقراطية التي يعيشها الفرد في بلد ديمقراطي و أيضا تشجيع خريجي التيكتوك و مواقع التواصل الإجتماعي بمنحهم  فرص للعلم و الظهور في الأضواء و استضافة أشباه الفنانين على حساب الفن الأصيل و الراقي الذي دفن فما هو نادر اليوم هو البرامج التي تشجع الجيل الصاعد و تحفز الإبداع  لأنه نادرا ما ترى مخترع أو عالم أو مفكر تم استضافته أو تدعيمه لتجسيد أفكاره على أرض الواقع حقا نحن في زمن الرداءة و للرداءة أهلها .

 

حماية العقول الباقية

 

و من أجل حماية العقول النابغة الباقية لابد من احترام الحرّيات الأكاديميّة وذلك عن طريق عدم وضع أيّ عوائق أو حواجز في طريق العلماء والأكاديميّين أثناء بحثهم عن المعلومات وتبادلهم للأفكار واستخدامهم لمختلف وسائل التطوُّر الحديثة و تعديل نظام الرواتب والأجور التي يتمّ تخصيصها للكفاءات العلميّة بالإضافة إلى توفير الحوافز المادّية المُرتبطة بالبحوث العلميّة كتوفير السكن الملائم والتسهيلات اللازمة لأداء أعمالهم بشكل فعّال وتحسين الأوضاع المعيشيّة لهم إضافة إلى تأمين الاستقرار النفسيّ  و أيضا الحرص على التواصل المُستمرّ بين الدُّول الأصليّة والكفاءات المُهاجرة و تعديل سياسة التوظيف وإصلاحها  وذلك بوضع الكفاءات في المناصب المُلائمة لها و استثمار الكفاءات المحلّية وتفضيلها على الخبرات الأجنبيّة في عمليّة التنمية التركيز على زيادة مهارة الأفراد في التخصُّصات الضروريّة لأسواق العمل العالَميّة ممّا يجعلها قادرة على تحدّي العمالة الأجنبيّة و لا بد أيضا من  تنمية المُؤسَّسات العلميّة بما يجعلها تُركِّز جهودها على تنمية الفكر الحُرّ، والتفكير النّاقد، إضافة إلى عدم تسييسها و إيجاد بيئة علميّة مناسبة وملائمة للكفاءات المُهاجرة .

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك