الجزائر تمر بمرحلة مليئة بالشكوك ومحفوفة بالمخاطر

أستاذ العلوم السياسية محمد هناد ل"الوسط"

  •  الحديث عن الدستور الآن من قبيل الترف
  • الدستور في الراس وليس في الكراس
  • الأفلان والأرندي شبيهان بالرضيع الذي يأبى فطامه
  • فضيلة الشفافية أنجع دواء لداء الأخبار الكاذبة
  • الأزمة ستضع حدا لشراء الذمم والسكوت عن الفساد

 

حاوره: احسن خلاص

 

ورثت الجزائر عن أكثر من عام من مسيرات الحراك الشعبي أزمة متعددة الأبعاد ومعادلة متعددة المجاهيل ففي الوقت الذي نعيش فيه أزمة وباء كورونا كبقية العالم تتربص بنا أزمة اقتصادية حادة في الأفق وفي هذا الظرف بالذات أطلقت السلطة مشروع تعديلات دستورية للمناقشة في ظرف من الحجر الصحي والحجر السياسي الذي اغتنمته السلطة لاستعادة أدواتها السياسية التقليدية لاسيما مع عودة حزبي جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي. ولتسليط الضوء على هذه المعادلة وفك خيوطها لجأنا إلى أستاذ العلوم السياسية محمد هناد لنطلب منه قراءة في الموضوع فكان لنا معه الحوار الآتي:

 

 

الوسط: أمام عودة حزبي السلطة عبر عقد اجتماعين تنظيميين هامين هل يمكن القول إن السلطة الحالية قد حددت أجنداتها للمرحلة المقبلة واختارت بدقة الفواعل التي تعتمد عليها في تنفيذها؟

 

محمد هناد: مبدئيا، يمكن تفسير الحدث بطريقتين: إما بوصفه سعيا من السلطة لتحديث قاعدتها التقليدية أو حرصا من الحزبين على ركوب القطار ولو من دون تذكرة. على أية حال، عودة النشاط المفاجئة للحزبين وتزامن اجتماعهما بالمكان نفسه التابع للدولة، المركز الدولي للمؤتمرات وما أدراك، يشيران في اتجاه تأكيد الفرضية الأولى. ومهما يكن من أمر، لا يمكن أن نتصور قدرة السلطة الحالية على الاستغناء على هاذين التنظيمين، كما لا يمكننا أن نرى أية قدرة لهذين الأخيرين على التحول إلى حزبين عاديين لأن في إبعادهما عن السلطة، قتلا لهما باعتبارهما حزبين لم يتعلّما النضال أبدا بحيث اقتصر نشاطهما على جلب التأييد لسادة الساعة، مع تلهية الناس بخصوماتهما الداخلية من حين إلى آخر. فقدان هذه الروح النضالية هو الذي جعلهما أشبه ما يكونان بذلك الرضيع الذي يأبى فطامه، أي لا مبدأ لهما سوى مساندة السلطة والعيش في فلكها والاقتيات السياسي منها.

 

في الوقت الذي كان ينتظر أن يتناول النقاش حول المسودة الدستورية التي نزلت بها السلطة الجوانب المتعقلة بطبيعة النظام السياسي انصرف النقاش حول مسائل الهوية. هل ما زال الجزائريون لم يحلوا حقيقة مشكلة الهوية؟

 

من المفروض أن لا يقع الحديث عن مسودة دستورية أصلا في هذه الظروف التي نمر بها والتي تستدعي حلولا آنية وتوافقية. كما هو معلوم، تمر الجزائر حاليا بثلاث أزمات خطيرة : أزمة سياسية مزمنة واحتدت، أزمة صحية بسبب وباء الكورونا وأزمة مالية نتيجة تدهور أسعار المحروقات بصورة غير مسبوقة وهي المورد الوحيد لنا في التسوق من الخارج. وعليه، يبدو الحديث عن مسودة دستور، في الظروف الحالية، من قبيل الترف، إن لم يكن من قبيل المخاتلة. أضف إلى ذلك أن ما هو مطلوب موجود في الدستور الحالي أصلا، لاسيما المادتين 7 و8. ثم علينا أن لا ننسى أن تغيير الدستور يكون في الذهنيات قبل أن يكون في اللوح. الدستور في الراس وليس في الكراس.

من الواضح أننا، كمجتمع سياسي، لم نتعدَّ بعد مرحلة الاتفاق على طبيعة الحكم قبل المرور إلى مرحلة تحديد كيفيات ممارسته. أي أننا لازلنا في المستوى السياسي ولم نرقَ بعد إلى المستوى  القانوني.

الآن، في ما يتعلق بمسألة الهوية، فهي أشبه ما تكون بحصان طروادة لأن الغرض منها – أو على الأقل نتيجتها – قد يكون هو إلهاء الناس باختلافاتهم، المزعومة أو الحقيقية، وصرف أنظارهم عما يجب أن يشغل بالهم. من المفروض أن لا تُناقش مسألة الهوية عندنا. بالعكس، يمكن أن نقول إن مشكلتنا في قلة الاختلاف بيننا، ذلك أن الاختلاف في الهوية، بالإضافة إلى كونه طبيعيا، فهو ثراء تتجلى فيه الطاقة الخلاقة عند البشر.

 

هل تعتقد أن الحراك سيستأنف مسيراته المعهودة؟ وإذا كان الأمر كذلك، هل تنتظر أن يطور خطابه ويغير في أساليب الضغط على السلطة؟

 

حقيقية، نبقى نرتقب هلال الحراك الجديد. الجزائر تمر اليوم بمرحلة مليئة بالشكوك ومحفوفة بالمخاطر وربما القليل منا يدرك ذلك. الظاهر أن ما أصبح يشكل همّ السلطة منذ انتخابات 12/12 هو إيجاد السبل الكفيلة بمنع استئناف المسيرات؛ كما يدل على ذلك لجوؤها إلى مختلف أشكال التضييق، لاسيما الأمني والإعلامي.

هل سيستأنف الحراك نشاطه؟ صراحة، لا ندري! لكن يصعب علينا أن نتصور كيف يمكن لحركة شعبية بذلك الحجم أن تتوقف هكذا بسهولة بعدما دامت أكثر من سنة كاملة، بمسيرتين كل أسبوع دون انقطاع، فقطعت الفصول كلها وقرّ الشتاء وحرّ الصيف وشهر رمضان. ثم عندما ألمَّ الوباء، كانت المسيرة الأخيرة من باب التحلي بالمسؤولية وإن بألم شديد.

أما في ما يخص تجديد الخطاب في حالة استئناف المسيرات، فهو أمر وارد وضروري في الوقت نفسه، بناء على المستجدات وكذا بسبب حرص السلطة على إلهاء الناس بمسودة دستور لم تأت في وقتها.

 

لا تزال السلطة تبدي حساسية مفرطة تجاه الإعلام الأجنبي الذي ينتقدها. ألهذا الحد صار للإعلام الأجنبي خاصة السمعي البصري تأثير على السلطة في الجزائر؟

 

إنه لمن دواعي الحزن العميق أن يتواصل غياب الصحافة الأجنبية الرهيب من أكشاكنا ولوسائل الإعلام بصورة عامة من بلادنا، وكأن السلطة تريد، عبثا، أن تجعل من الجزائر حصنا منيعا عن الأنظار في الاتجاهين. وكان الأحرى بنا أن نستعمل الأموال المخصصة لاستيراد الموز، مثلا، في جلب هذه الصحافة لأنها أولى منه وأن نشجع وسائل الإعلام السمعية البصرية على العمل في بلادنا.

تظل السلطة عندنا تبدي حساسية مفرطة من الصحافة الأجنبية في حين أن الغلق، مثلما هو بالنسبة للأفراد، مثير للشكوك وينم عن إحساس عميق بالضعف تجاه الخارج. ثم هل هناك فعلا أسرار ذات طابع استراتيجي لا يعرفها الخارج عنا ؟ فعوض أن نمنع وسائل الإعلام من العمل في بلادنا بنوع من الحرية، على أجهزة أمننا أن تقتفي احتمال شر قوى أجنبية تحت غطائها بدل التركيز على المواطنين، لاسيما الحراكيين منهم.

إن منع وسائل الإعلام الأجنبية من النشاط في بلادنا يجلب الأنظار عليها أكثر ويجعل أبسط معلومة أو مجرد قيل وقال حولها يتسرب بطريقة سرية إلى الخارج. يبدو وكأن السلطة لم تدرك بعد فضيلة الشفافية، فهي أنجع دواء لداء الأخبار الكاذبة و/أو المغرضة.

 

لا شك أن الجزائر مقبلة على أزمة اقتصادية خانقة لعوامل داخلية متعلقة بركود النشاط التجاري وخارجية بسبب هبوط أسعار المحروقات. هل سيكون لهذا الوضع تأثير على مستقبل العلاقة بين السلطة والمجتمع؟

 

من الناحية النظرية، عادة ما يُطرح هذا السؤال : هل الأزمة تلد الهمّة في جميع الأحوال؟ بطبيعة الحال، تختلف الأمور بحسب كل أمة، ومنها من يواصل اجترار إخفاقاته على مدى العصور. أما بالنسبة إلى الجزائر، فالأمور غير واضحة تماما لأننا كنا دائما واعين أن نعمة المحروقات متقلِّبة وغير دائمة وكنا دائما ندعي وجوب الخروج، في أقرب وقت، من مرحلة الاعتماد الكلي عليها حتى في قوتنا اليومي. لكن، من الواضح، أننا لم نفلح إلى حد الآن. ومع ذلك، هناك بصيص من الأمل في أن تدفعنا الأوضاع الحالية الصعبة إلى التفكير في الخروج من مرحلة الريع إلى مرحلة الإنتاج حتى وإن اضطررنا إلى المرور بأوقات صعبة نتمنى ألا تطول. بالعكس، يمكن أن تأتي الأزمة الحالية، الناجمة عن تدهور أسعار المحروقات، بالخير لبلادنا لأنها ستضع حدا لشراء الذمم والسكوت عن الفساد في إدارة شؤون البلاد.

 

ما رأيك في تسيير السلطة لأزمة كورونا من الناحية الاتصالية ومن ناحية إجراءات التحكم في مواجهة الفيروس؟ وهل نجحت الدولة أم لم تنجح في التخفيف من وطأة الأزمة؟

 

من المؤسف أن يصل غياب الثقة لدى الكثير من المواطنين حيال السلطة حد التخوف من استغلال هذه الأخيرة الوباء لتمرير خارطة طريقها وكأننا أمام جماعة أشرار وليس أمام سلطة مسؤولة عن مصير البلاد. هناك، فعلا، علامات تدل على هذا الاتجاه من بينها التمادي في التضييق الإعلامي، والنكوص إلى أحادية مقيتة، إضافة إلى حضور مكثَّف لقوات الأمن في الفضاء العمومي والطرقات.

أما في ما يتعلق بطريقة السلطة في تسيير الأزمة الوبائية، فالظاهر أنها تقوم بما يلزم بحسب ما هو مُتاح، بما في ذلك في مجال التركيز على توعية المواطنين بضرورة التزام التدابير الوقائية وكيفياتها. ذلك حتى وإن كنا كثيرا ما نسمع تحفظات بشأن الإحصائيات المعلنة نتيجة غياب الثقة المشار إليه أعلاه. على أية حال، يجب أن يكون لنا من الوعي وحسن النية ما يجعلنا نغتنم البلاء في سبيل تحسين الخدمات الصحية في بلادنا حتى لا تظل عبارة «إصلاح المستشفيات»، المُضافة إلى الوزارة المعنية منذ عقود، مجرد ذرٍّ للرماد في العيون.

وإنه لمن سخرية الأقدار، حقا، أن يُحرم من العلاج بالخارج من تعودوا عليه ولو لمجرد استئصال الزائدة الدودية. فالفضل يعود كله، إذاً، إلى الكوفيد19 التي سوّت بيننا جميعا أمام المرض.

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك