الجامعة تبحث عن إصلاح

للخروج من تذيل التصنيفات

بقلم احسن خلاص

في غمرة المشكلات المتراكمة والجبهات المتعددة التي فتحت بعد انتخابات 12 ديسمبر دخلت السلطة في سباق مع الزمن للتكفل بالتناقضات الكثيرة التي تكاد تدفع إلى اختناق لا يتيح لحظة واحدة للتفكير في بناء حلول دائمة او بعيدة المدى تعطي الفرصة للبلاد للاستقرار على نهج واضح يطمئن إليه الجميع، فكل شيء يصرخ ويطلب مواجهات عاجلة وقرارات حاسمة استنفرت الحكومة في معارك إجرائية وتدابير عاجلة. قطاعات كثيرة طالها الركود وعشش فيها الفساد وبقيت على رهينة سياسات يدافع عنها المستفيدون منها فقط.

منذ الشهر الماضي بدأت حكومة الرئيس تبون في فتح ملفات ثقيلة من بينها ملف الانعاش الاقتصادي بخارطة طريق ينتظر أن تعرض على الشركاء الاقتصاديين والاجتماعيين الأسبوع القادم وها هي اليوم تفتح ملفا آخر لا يقل أهمية وهو ملف الجامعة، هذا ما تبين على الأقل من بيان مجلس الوزراء الأخير. وبغض النظر عن الاستعدادات التي يجب القيام بها لإنجاح دخول جامعي يأخذ في الاعتبار الظرف الوبائي الخاص وتمكين الأسرة الجامعية من استئناف العمل في ظروف عادية فإن الرئيس تبون كلف الوزير الجديد للقطاع بمباشرة إصلاحات هيكلية عميقة للتعليم العالي في الآجال القريبة من خلال الشروع في مشاورات تضم جميع أطراف الأسرة الجامعية وتمتد إلى قطاع الخدمات الجامعية من نقل وايواء من خلال التفكير في عقلنة النفقات ورفع الاحتكارات وتحسين الخدمات المقدمة للطلبة دون أن يشير صراحة إلى الجوانب البيداغوجية والبحثية التي تشكل الرهانات الحقيقية والصلبة لإصلاح الجامعات الجزائرية والبحث لها عن مكان في التصنيفات العالمية والإقليمية.

وبالمقابل يشير ما ورد في بيان مجلس الوزراء إلى مسألتين في غاية الأهمية إحداهما أثارت الانتباه ونشأت عنها ردود أفعال وأخرى مرت دون أن يلتفت إليها أحد، مسألة فتح الدراسة في الماستر والدكتوراه لجميع الطلبة دون انتقاء مسبق يمر على المسابقات أو دراسة الملفات بالنظر الى امكانية دعم التعليم الجامعي بتقنيات التواصل عن بعد التي تمكنها من فك الخناق عن الهياكل الجامعية ومسألة استقلالية الجامعات التي يبدو أن الفكرة لم تنضج بعد في الأذهان بما يجعلها تستفز الأسرة الجامعية التي غرقت في سبات عميق.

في أولى ردود الأفعال التي اتخذت من منصات التواصل الاجتماعي منبرا للتعبير بالنظر إلى أن هذا القرار جاء في ظرف أغلقت فيه الجامعات وانصرف الجميع إلى شأنه، تلك التي تصف القرار بالشعبوي وغير العقلاني الذي لا يخدم الجامعة والبحث العلمي بقدر ما يدفعهما إلى التميع وإضعاف أكبر لقيمة الدراسات العليا والشهادات الجامعية التي تشتكي الآن من هبوط قيمتها في السوق لاسيما شهادة الدكتوراه التي كرست ابتذال التعليم العالي وأفقدته بريقه غير أن القرار لم يفتقر لأنصار يرون أن من شأنه أن يحول دون عائق البيروقراطية والمحسوبية في التسجيلات والمسابقات بالنظر إلى انعدام الشفافية في قبول ملفات الترشح.

المسألة الثانية تتعلق “بوجوب الذهاب إلى استقلالية الجامعات وتفتحها على العالم مما سيمكنها من تطوير التبادل بين الأساتذة وكذلك الطلبة…” وان كانت هذه المسألة تقع في لب الإصلاح الهيكلي العميق للجامعة إلا أنها لم تنل الاهتمام اللازم. ولمن يتذكر فإن فكرة استقلالية الجامعة ليست جديدة فقد كان أول من طرحها حكومة مولود حمروش خلال الدخول الجامعي لعام 1990 – 1991 لكنها قوبلت برفض تام من قبل الطلبة والأساتذة في زمن كان فيه النضال النقابي الجامعي قائما تغذيه فعاليات اليسار حيث تلقى الطلبة الفكرة بأنها تمهيد لخوصصة الجامعة والقضاء على “مكتسبات النضالات الطلابية” من مجانية التعليم الجامعي والخدمات الاجتماعية وقد أظهر تعيين عميد جامعة التكوين المتواصل مصطفى شريف وزيرا للجامعات بدل التعليم العالي معالم ذلك التوجه نحو تحرير الجامعات من كاهل الدولة في الوقت الذي كانت الجزائر تعاني من أزمة مالية خانقة.

وأمام شح المعطيات حول هذا التوجه الجديد كان يمكن أن يكون هذا العنوان منطلقا لنقاش مفتوح لدى الأسرة الجامعية خاصة وأن إنشاء الجامعات الخاصة لم يعد من المحرمات. نقاش يطرح الحدود التي يمكن أن تصل إليها استقلالية الجامعات الجزائرية وما طبيعة هذه الاستقلالية، أهي استقلالية مالية أم استقلالية في وضع الأهداف والبرامج البيداغوجية أم هي استقلالية في الإدارة والتسيير والبحث عن الموارد والمخرجات وطبيعة ونوعية الشهادات أم تعني إذا أخذنا بالحرف بيان مجلس الوزراء حرية إبرام اتفاقات تعاون تقني مع جامعات أجنبية دون المرور على الوصاية.

ما لم تشر إليه توجيهات مجلس الوزراء مصير نظام الالمدي الذي تتهمه الأسرة الجامعية بالوقوف وراء تدهور مستوى الجامعة الجزائرية منذ تبنيه عام 2004. ولم تذهب جرأة الحكومات السابقة إلى حد إلغائه كلية بل اكتفى بعضها باقتراح إصلاحات وترقيعات لا ترقى إلى مستوى الطموحات التي عبرت عنها الأسرة الجامعية. غير أن ما يبدو هو أن الحكومة لا تريد فتح جبهات متعددة في وقت واحد بالنظر إلى صعوبة وانتقالية المرحلة فالإصلاح التربوي والجامعي أكثر أهمية من الإصلاح الاقتصادي ويتطلب مشاركة الجميع في إظهار النقائص بموضوعية والجرأة على إيجاد حلول جذرية بهدف إيجاد مكان للجامعات الجزائرية في مصاف الجامعات العالمية وقد صارت التكنولوجيات الاتصالية الحديثة تتيح المجال لتقريب المسافات وتطوير التفاعلات مع الباحثين والعلماء في جميع أنحاء العالم.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك