الثقة في الإعلام، المنعرج الأخير

كيف السبيل للاستقلالية والاحتراف

بقلم: احسن خلاص

كان الهدف من استعراض جملة من المحطات التي ميزت تطور الصحافة التعددية في الجزائر أن نحفر عميقا بحثا عن مصدر الأزمة التي يتخبط فيها الإعلام في يومنا وقد وصفناها بأنها أزمة ثقة قبل أن تكون أزمة وسائل وإمكانات وظروف وحلها يدعو إلى قرارات سياسية وليس إلى مجرد حلول تقنية ما تلبث أن يزول مفعولها حتى قبل مغادرة من وضعها منصبه.

لم تكن الصحافة خلال أزمة التسعينات الأمنية في وضع المراقب والمتابع والناقد فقط إذ تحولت إلى طرف في المعادلة أمام حالة الطوارئ وضعف الطبقة السياسية وغياب نسبي للأحزاب عن أداء الدور الاتصالي الناجم عن سيطرة المؤسسة العسكرية والمخابراتية على تسيير الشأن السياسي والأمني ودخول الجزائر في وضع اقتصادي صعب بتنفيذ قسري لـ”مخطط التصحيح الهيكلي” وحل المئات من المؤسسات العمومية وتسريح عمالها. غير أن الصحافة لم تتوان عن الانخراط في صراعات السلطة بين الجنرالات والتي برزت في السنوات الثلاث الأخيرة من العشرية الأخيرة من القرن الماضي. صراعات أفضت إلى انسحاب الرئيس زروال ومجيئ رئيس جديد اسمه عبد العزيز بوتفليقة.

لم يكن مجيئ الرئيس الجديد إيذانا بامتصاص الأزمة الأمنية وحصر الإعلام الأمني في متابعة أخبار تنظيم القاعدة الذي واصل نشاطه إلى غاية نهاية العشرية الأولى من سنوات ألفين فحسب، بل بشر بعهد جديد من السنوات السمان، تنامت فيه مداخيل الجزائر من ريع المحروقات وانتعشت المشاريع والصفقات وازدهر وعاء الإشهار العمومي والخاص عبر سوق الهاتف والسيارات الذي شجع على نشوء العشرات من الصحف وخرجت شهادات اعتماد الجرائد التي لم يكن يتيحها قانون الإعلام إلا للصحافيين وقد نفض عنها الغبار بعد أن ظلت خلال السنوات العجاف في الأدراج، لتدخل في شراكات مدرة للأرباح مع أصحاب الأموال الرسمية وغير الرسمية في بداية عملية اختراق رهيبة للمجال الإعلامي استباحت ما تبقى من استقلالية مهنة الإعلام واحترافيته.

وبالمقابل ظلت حكومات بوتفليقة المتعاقبة تتباهى بتشجيعها للصحافة وتستدل على ذلك بأرقام “رهيبة” عن سحب قارب 3 ملايين نسخة في اليوم لحوالي 70 صحيفة يومية باللغتين العربية والفرنسية و89 أسبوعية أغلبها متخصص، وبفتح 50 إذاعة محلية و5 قنوات تلفزيونية عمومية وهي مجهودات ظلت تؤكد الحكومات أنها مكنت من إنشاء الآلاف من مناصب العمل المباشرة وغير المباشرة لصحافيين وتقنيين وملحقين وأنعشت “السوق الإعلامية” بشكل لم يشهد له مثيل.

غير أن وراء تلك الأرقام انطلقت عملية منظمة ومنهجية لنهب المال العام واستيلاء الدخلاء على الإعلام الذي اتخذ مطية للتسلق والتزلف والتنافس على الولاء المدفوع، وظهرت مؤسسات الإنتاج الإعلامي وهي تنشأ كالفطريات من قبل رؤساء مؤسسات  و”بقارة” لا علاقة لهم بالإعلام مادامت الريوع تتدفق ويستحوذون عليها دون حسيب أو رقيب.

ولم تكن تلك الأرقام نعمة على الصحافيين بل عمقت تبعيتهم وأوقعتهم في براثن رق جديد فأغلب هذه المؤسسات كان عبارة عن خنادق يستغل فيها الصحافيون المتخرجون حديثا الباحثون عن أي فرصة مهما كانت التضحيات وكان أغلبهم يحرم من دفع رواتبهم فضلا عن التصريح لدى الضمان الاجتماعي وغيرها من الحقوق التي ظل يدوس عليها المرتزقة الجدد ولا يزالون إلى يومنا هذا يشتغلون في أريحية تامة لا يزعجهم أحد ولا يأبهون لما تخرج به ورشات الإصلاح التي باشرتها الحكومة اليوم ولا يهتمون بمراجعة النصوص القانونية المنظمة للمهنة والإشهار ولسان حالهم يقول: “أمطري حيث شئت فخراجك عندي”.

ولم تعد تلك الأرقام الرسمية الضخمة على الصحافة وعلى حق المواطن في الإعلام بأي فائدة ترجى فلم تكن التعددية إلا تزايدا لعدد الصحف وبعضها يترك في المطبعة ولا يوزع، بل كانت التعددية السياسية والفكرية والثقافية الغائب الأكبر في السوق الإعلامية الجديدة التي لم تكن تختلف كثيرا عن باقي الأسواق فقد كان الأجدر أن تشرف عليها الجمعية الوطنية للتجار والحرفيين أمام غياب تنظيمات نقابية قوية تدافع عن شرف المهنة وترفض الوضع المزري الذي ظل ينحدر إليه المنتسبون إليها عاما بعد عام.

ولم يكن لهذا الوضع المزري أن يشجع على عودة نقابة الناشرين التي فُقدت في زحمة التسابق نحو الخيرات التي يدرها المعلنون العموميون الذين يمثلون 30 بالمائة من مجموع الإعلانات والخواص الذي يتحكمون في ما تبقى للظفر بالنصيب الأكبر بدل العمل على قيام صحافة مستقلة ومحترفة جديرة بتلك الهبة التي قامت  بعد أكتوبر 1988. لكن، كيف كان للصحافة المستقلة والمحترفة أن تقوم وهي تواجه إغراءات المؤسسات الخاصة الأجنبية والمحلية التي كرست استلاب الصحافة تحت ذريعة دعمها لاسيما من قبل المتعاملين في سوق الهاتف النقال والسيارات والصناعات الغذائية التي انتقل غزوها من الصحف إلى القنوات الخاصة ذات التواجد القانوني الأجنبي؟ وكيف لها أن تطمح لغد مشرق وهي تواجه غلقا مقصودا على حرية التعبير وحجرا على الرأي والرأي الآخر؟

تقترح علينا الحكومة قطيعة تامة مع “عهد النظام السابق” وإنشاء جمهورية جديدة تحظى فيها حرية الصحافة باهتمام كبير. وقد يجب علينا أن ننتظر التعديلات الدستورية الجديدة والتغييرات المرتقبة في النصوص التشريعية للإعلام والإشهار والقنوات الخاصة الأجنبية مع أنه لا توجد إلى هذه اللحظة بوادر ملموسة توحي بذلك أمام صمود المؤسسات الإعلامية العمومية على نهجها الدعائي الرسمي وعدم  تطهير قنوات الإعلام كلها من المياه القذرة التي تسيل فيها. فالورشة الكبرى للسلطة في هذا المنعرج الأخير الذي  تبحث فيه عن ثقة المواطن تبدأ في إعادة الثقة في الإعلام.

 

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك